الأحد 05 سبتمبر 2010 م الموافق لـ 26 رمضـان 1431 هـ العدد 476  
Go
تحميل نسخة PDF
صورة اليوم
ملف

السوق السوداء للعملة الصعبة تأخذ أبعادا خطيرة وتهدد مصالح البنوك العمومية

مبالغ مالية ضخمة تهرب سنويا إلى الخارج أمام مرأى السلطات

فريد. ا

جذور هذه الظاهرة تعود إلى منتصف الثمانينيات بعد الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي هزت العالم سنة 1986، والتي أثرت سلبا وبشكل مباشر على اقتصاديات الدول النامية بما فيها الجزائر، بسبب التراجع الرهيب لأسعار البترول في الأسواق العالمية إثر انخفاض الطلب من الدول المصنعة جراء التضخم والركود، و هي الأزمة التي أثرت بصورة مباشرة على سعر الدينار والذي شهد سقوطا حرا مما فتح المجال لظهور ما يسمى بالسوق السوداء للعملة الصعبة والتي تطورت في ظرف وجيز وأخذت منحى تصاعديا خاصة بعد الأزمة السياسية وتدهور الأوضاع الأمنية بعد سنة 1991 جراء تراجع رقابة الدولة للسوق، وهو الوضع الذي استغله هؤلاء السماسرة من أجل توسيع دائرة السوق الموازية وبسط نفوذهم وإملاء شروطهم في عملية تحديد الأسعار ومنح البائع مزايا تتجاوز بكثير ما تمنحه البنوك العمومية، هذه الأخيرة وجدت نفسها في وضعية حرجة بالرغم من ترسانة النصوص القانونية التي تمنع صراحة هذه الممارسات وتفرض عقوبات صارمة على هذه الفئة، لكن هذه النصوص تبقى مجرد حبر على ورق، في ظل غياب التطبيق الميداني لأسباب تبقى مجهولة وتستدعي طرح عدة أسئلة حول الصمت غير المفهوم للسلطات بما أن الاقتصاد الوطني هو الخاسر الأول والأخير، خاصة أن مبالغ مالية ضخمة بالعملة الصعبة تهرب سنويا من الجزائر بطرق ملتوية بدلا من مرورها على البنوك ووضعها في الخزينة العمومية والاعتماد عليها في مختلف المبادلات والتعاملات التجارية.

كل الطرق تؤدي إلى بور سعيد
لم يكن من الصعب الالتقاء بهؤلاء التجار غير الشرعيين للعملة الصعبة، لأن العام والخاص في الجزائر العاصمة على علم بمكان تواجدهم، حيث تم توجيهنا مباشرة إلى حي بور سعيد أو السكوار كما يحلو للجميع تسميته وهو المكان الذي يتواجد فيه أكبر عدد منهم. ولم يكن أمر العثور عليهم والالتقاء بهم صعبا، حيث تعرفنا عليهم مباشرة بعد وصولنا المكان، حيث احتلوا الرصيف المحاذي لمحكمة سيدي امحمد بشارع عبان رمضان، وكان بيد كل واحد منهم مبلغا ماليا بالعملة الوطنية. أول من التقينا به كان شاب يدعى كمال في عقده الثالت والذي حاول بشتى الوسائل منعنا من مواصلة الطريق نحو الأمام والالتقاء بالتجار الآخرين خاصة أنه كان مقتنعا أن سبب تواجدنا إلى جانبه كان من أجل بيع مبلغ مالي بعد أن قررنا عدم الكشف عن هويتنا. بمجرد آن سألناه عن ثمن البيع، قام هذا الشاب بسحب مبلغ مالي بالدينار ليؤكد أن سعر الأورو قد عرف تراجعا في الأيام الأخيرة بعد أن بلغ حدا قياسيا خلال الأشهر المنصرمة، ليتراجع مع حلول فصل الصيف وبداية توافد المهاجرين بسبب كثرة العرض، حيث أن السعر حاليا لا يتجاوز 12.60 في حالة إذا كان المبلغ المراد بيعه يتجاوز 1000اورو. وإن كان البيع عن طريق الشيك، فإن قيمة البيع لا تتجاوز 12.55. والغريب في الأمر أن الخيوط العنكبوتية لهؤلاء التجار تمتد حتى خارج التراب الوطني، بعد أن عبّر محدثنا عن استعداده لشراء المبالغ المالية بعدد من الدول الأجنبية خاصة بفرنسا أين يتواجد عدد من زملائه والذين يتعامل معهم منذ عدة سنوات. وفي الوقت الذي كنا نتحدث فيه مع كمال، اقترب منا تاجر آخر ليعرض علينا فكرة البيع إذا كان بحوزتنا مبالغ مالية خاصة بالدولار، لينصرف مباشرة، بعد ملاحظته أن هذا الاقتراح لم ينل رضا التاجر زميله والذي طالبه بضرورة تغيير الاتجاه والبحث عن زبون آخر لأن كمال اعتبر ذلك بمثابة منافسة غير شريفة.

اعتداء على القانون أمام أبواب المحكمة
طيلة تواجدنا بحي بور سعيد، لاحظنا تواجد عدد كبير من عناصر الأمن الذين كانوا أمام باب محكمة سيدي امحمد وهذا ما أثار فضولنا لنطرح السؤال على كمال حول ما إذا كانوا يتعرضون إلى عمليات التوقيف من طرف مصالح الأمن، وكم كانت دهشتنا كبيرة عندما أجابنا بالسلب، مؤكدا أنهم لا يتعرضون إلى مضايقات وأن لا أحد منهم قد تعرض إلى عملية توقيف وبرر ذلك بكل فخر بكونه وزملائه اختاروا المتاجرة بالعملة الصعبة، بدلا من اختيار الانحراف والإدمان، لأن التجارة حسبه حلال ومصدر رزقهم لمواجهة البطالة وقلة فرص العمل في قطاعات أخرى، معربا عن استعداده التخلي عن هذه ?المهنة في حال العثور على منصب شغل دائم، بدلا من الوقوف طيلة اليوم على أرصفة الشوارع. ليطلب منا تدوين رقم هاتفه النقال من أجل الاتصال به في حالة ما إذا كنا نود بيع مبلغ مالي مستقبلا مع تأكيد استعداده منحنا مزايا إضافية كلما كان المبلغ مرتفعا. ليتدخل أحد زملائه ليؤكد أن الشرطة تتدخل لإخلاء المكان لدواعي أمنية دون توقيفهم وذلك في حالات نادرة، وأكثر من ذلك، فإن هؤلاء التجار عادة ما يشتغلون بكل راحة خاصة أن الموقع محاط بإجراءات أمنية صارمة أمام المحكمة وهذا ما يجنبهم التعرض للاعتداءات من طرف المنحرفين.

محلات تجارية تتحول إلى أماكن للبزنسة
بعد مغادرتنا لحي بور سعيد اتجهنا في اليوم الموالي إلى دائرة الدار البيضاء بعد أن تمكننا من الحصول على عناوين بعض المحلات التجارية المتواجدة بوسط المدينة والتي اختار أصحابها عدم التمسك بالنشاط المصرح به في السجل التجاري وتحويل محلاتهم إلى أماكن لبيع العملة الصعبة بطريقة غير شرعية، لتكون وجهتنا الأولى محلا لبيع الهواتف النقالة. بمجرد دخولنا المتجر وذكر اسم الشخص الذي منحنا العنوان دخل صاحبه في لب الموضوع وطلب منا إن كان المبلغ الذي نريد بيعه نقدا أو على شكل شيك، لنخبره أن سبب تواجدنا بعين المكان كان من أجل معرفة الأسعار فقط وأخذ فكرة حول الموضوع، وفي الوقت الذي كنا نتجاذب معه أطراف الحديث اتصل به شخص يخبره بانخفاض الأسعار في السوق بسبب العرض المتوفر خلال هذه الأيام. وباتسامة عريضة، أكد محدثنا أن مزايا الهاتف النقال لا تعد ولا تحصى خاصة أن الأسعار غير مستقرة خلال هذه الفترة من السنة وقابلة للتغيير من لحظة إلى أخرى. وعن سر عدم استقرار الأسعار قال محدثنا إن الموضوع تتحكم فيه عدة معايير، ورغم إلحاحنا لمعرفة هذه المعايير التي تحدد أسعار العملة الصعبة في السوق الموازية إلا أن هذا التاجر رفض جملة وتفصيلا الخوض في التفاصيل، لنضطر لقطع الحديث بعد دخول زبون سبق له التعامل مع صاحب المحل بدليل سحبه قيمة مالية بالأورو مباشرة بعد دخوله. لكن هذا الزبون قرر عدم البيع بعد إخباره بانخفاض سعر العملة ليغادر المحل مباشرة. لنتأكد فيما بعد أن هذا المحل قد تم فتحه من أجل تغطية فقط النشاط غير المشروع خاصة أن صاحبه يستقبل عشرات الزبائن يوميا من الذين يقصدونه ليس لشراء الهواتف النقالة ولا لاقتناء بطاقات التعبئة، بل لأمور أخرى لا يفهم سرها إلا من تعود على دخول المحل.

كيف يتم تهريب العملة الصعبة إلى الخارج؟
أثناء إعدادنا لهذا الملف، اتصلنا بعدد من معارفنا وبعض المختصين في علم الاقتصاد قصد محاولة فهم مصير كل تلك المبالغ المالية بالعملة الصعبة المتداولة في السوق الموازية ومن المستفيد من هذه الظاهرة بما أنها لا تخضع لأية رقابة من طرف السلطات المختصة في ظل غياب التطبيق الميداني للنصوص القانونية التي تجرم هذه الممارسات وتكيفها ضمن الجرائم المهددة للاقتصاد الوطني. إلا إننا لم نتمكن من إيجاد جواب مقنع وحتى تجار العملة الصعبة الذين نلتقي بهم يوميا في الشارع لا يعرفون عادة من يتعاملون معهم بما أن الأشخاص الذين يشترون كل هذه المبالغ المالية عادة ما يلجأون إلى الاعتماد على وسطاء لكي لا تنكشف هويتهم. لكن من هم هؤلاء الذين لا يريدون أن تنكشف هويتهم؟ ..حاولنا الاتصال بعدد من الأشخاص إلا أن السؤال بقي مطروحا، وبعد تكثيف هذه المحاولات تمكنا بمساعدة أحد الزملاء الحصول على رقم هاتف أحد التجار السابقين للعملة الصعبة بتيزي وزو والذي جاء إلى الجزائر في عطلة صيفية بعد أن فضل الاستقرار بألمانيا والذي وافق على الإجابة على أسئلتنا دون الكشف عن هويته، مؤكدا أن كل هذه المبالغ تقع بيد عدد من المستوردين والذين عادة ما يلجأون لاستعمال كل الوسائل الملتوية من أجل تهريب هذه المبالغ إلى الخارج خاصة باتجاه الدول الأوروبية، سواء من أجل استثمارها في مشاريع جديدة أو تبييضها عن طريق استيراد مواد وسلع من الخارج قصد إعادة بيعها في السوق الوطنية وهي العمليات التي تتكرر في كل مرة مادام أن البارونات التي تقف وراء هذه الظاهرة تجني سنويا الملايير من الدينارات بأسهل الطرق.. محدثنا أكد أن المستوردين الذين يقفون وراء هذه العملية عادة ما يعمدون إلى تكثيف نشاطهم على مستوى عدد من الولايات التي يتواجد عدد كبير من سكانها في الخارج منها وهران، الجزائر العاصمة، سطيف، تيزي وزو، بجاية، برج بوعريريج، عنابة مع إمكانية توسيع رقعة هذه التجارة إن استدعت الضرورة مادام أن السلطات قد اختارت الصمت في الوقت الراهن في انتظار ما تخفيه الأشهر والسنوات القادمة .

أرسل إلى صديق
بريدك الإلكتروني * :
البريد الإلكتروني الخاص بصديقك * :
الرسالة :

وقت الجزائر - يومية أخبارية وطنية - جميع الحقوق محفوظة 2009-2011