الرئيسية / مجتمع / آباء يرهنون “مكتوب” البنت الصغرى بزواج الكبرى

آباء يرهنون “مكتوب” البنت الصغرى بزواج الكبرى

بعض العائلات تعتبره مخرجا وهروبا من العنوسة

شكل زواج الأخت الصغرى قبل الكبرى لوقت طويل، لدى الأسرة الجزائرية عقدة ومصدر إزعاج، ناهيك عن أنه يمثل لها تحديا كبيرا للقدرة على التوفيق بين البنات وإبقاء مشاعر الأخوة التي قد يختلجها نوع من الغيرة والتي يمكن تحولها إلى أحقاد، ورغم ما نجده اليوم من تراجع لهذه الأفكار، التي تعتبر أسبقية الفتاة الصغرى في النكاح أشبه بجريمة في حق الكبرى، ويمارسون الاضطهاد على الصغرى لئلا تجرح الكبرى، إلا أن هذه الأخيرة تجد نفسها أمام مشاكل نفسية من ذاتها أو من صنع نظرة المجتمع إليها. 

رغم ندرتها إلا أنها مشكلة لا تزال قائمة في بعض قرى ومداشر عدة عبر الوطن، أين تحاول فيه العائلة إقناع نفسها أنها بمنع زواج الفتاة الصغيرة قبل الكبرى ما هو إلا محاولة منها للمحافظة على العادات والتقاليد التي تعبر عن أصالتهم وعلى التلاحم الأسري، وخوفا منهم على مشاعر الفتاة الكبرى التي قد تصاب بأمراض نفسية، كما أنهم قد يحاولون جعل الصغرى تشعر بالذنب متجاهلين فكرة أن لكل واحد من الناس نصيبه في كل شيء، خاصة في أمر الزواج الذي لا يخضع للترتيب وإنما للاختيار المبني على التفكير والتشاور، وهو أغلب ما يحدث اليوم، خاصة وأن أكثر الخطاب يقصدون فتاة بعينها ولو الصغرى، بعد معرفتهم بها كمصاحبتهم لها وهو الرائج في أيامنا هذه، أو رؤيتها خارجا والتقدم لها بشكل خاص دون غيرها.
 
الكل يتغنى بالإيمان بالقدر لكن كلام الناس أكثر أثرا
معروف لدى الجزائريين أن الزواج من الأمور التي تدخل ضمن ما قدره الله وكتبه مسبقا في كتابه، إلا أن بعضا ممن لا تزال التقاليد والأعراف البالية تتحكم في عقولهم وتصرفاتهم، ويجعلونها فوق أوامر الله تعالى، ما جعل العديد من الحقوق تضيع على أصحابها، وأكثر ضحاياهم المرأة، حيث طبقوا قوانين تسري على الزواج وكأنه شيء نملك القدرة على تغييره، وقد استغربنا ونحن نتحدث مع الناس في جولة قادت “وقت الجزائر” إلى مختلف شوارع العاصمة، أن يكون لحد اليوم من يفكر في المدينة ناهيك عن القرى بهذه الرواسب التي توحي بجهل صاحبها.
استوقفتنا “خالتي مليكة”، التي أعابت على جيل اليوم التخيير بين الأخوات، ورأت أنه من العيب ترك الصغرى تتفوق على أختها الكبرى في أمر الزواج، فذلك حسبها يكون لدى الناس فكرة سيئة عن الأخت الكبرى ما يبعد الخطاب عنها، ولما قاطعها أحدهم بأن المكتوب صاحب الموقف، نهرته بقولها “هذه تقاليدنا راكم تتخلاو على كل ما خلاوه الأجداد، بكري اللي يجي يخطب بلا ما يخير، المهم العائلة تكون مليحة واكيد بناتها ملاح، وعلاش نخلي بنتي تعاني وهي تشوف أختها اللي اصغر منها تتزوج وهي قاعدة”.
في ذات السياق، قالت ياسمينة، إنها عانت الأمرّين بسبب زواج أختيها وقد كانتا أقل منها سنا، حيث قالت إنها وأختيها كن على قدر من الجمال والأخلاق، وقالت “وما حدث أن الحظ وافق أولا أختي الوسطى حين تقدم صديق والدي لخطبتها لابنه، ورغم ما قاله الناس وحكوه عن الأمر أنه غير مألوف عندهم إلا أننا لم نكترث مع أن الأمر أزعج نوعا ما أمي وعمتي، لكن حين خطبت أختي الصغرى من ابن خالتي الذي لم نستطع رفضه خوفا من قطع صلة الرحم، دخلنا في متاهة الانشغال بالناس وحديثهم”، حيث أن أصحاب الحي بدأوا يتناقلون إشاعات عن إصابة الأخت الكبرى بمرض أو أن فيها عيبا، بما أن أختيها تزوجتا قبلها، خاصة وأن خالتها فضلت أختها الصغرى عنها، ما زاد شكوك الناس، وتزيد على ذلك بقولها “وبدأت الإشاعات تصل إلى منزلنا ما جعل وزني ينقص ويتغير لوني، بعد أن أصبت بوسواس قهري لازمني أكثر من ست سنوات لولا أن الله من عليّ بالشفاء، وكنت أكره اليوم الذي تأتي فيه أختاي لبيتنا، وكثيرا ما أتسبب في الشجار معهما
دون سبب، وأبدأ باتهامهن بالأنانية وأنهما سبب تعاستي بعدم الزواج، إلا أنه بفضل عمتي التي قامت بأخذي للعلاج بعيدا عن بيتنا، مكنني من الشفاء، وربما لو لم أتزوج بعد ذلك لبقيت المشاحنات والعقد مع أختاي، وأنصح تفادي تسبيق زواج صغيرات السن عن الكبيرات لأن كلام الناس قد يحول حياة أحدنا لجحيم”.

أمهات يضطهدن بناتهن وآباء يساندنهن
بعكس ما كان سابقا في المجتمع الجزائري أين تكون للأب السلطة الكاملة على العائلة، بما فيه أمر الزواج، حيث كثيرا ما يتهم باضطهاده لبناته بعدم تزويج الصغرى قبل الكبرى، فإن الحاصل اليوم يقلب الموازين حيث أصبحت المرأة هي المضطهدة والضحية في نفس الوقت، في وقت ترفض العديد من الأمهات الجزائريات أن تكون بنتها الكبرى عرضة لتقدم السن وعدم الزواج مقابل زواج أخواتها الأصغر سنا، معتبرات ذلك إجحافا في حقها، متجاهلات أن الأمر قسمة ونصيب، وفيما يلي بعض التجارب الواقعية عن أمهات منعهن زواج الصغرى قبل الكبرى وكانت النتائج……
 
خمس بنات عرضة لـ”العنوسة” بسبب تعنت أمهن
تحكي جميلة، ذات السابعة والثلاثين سنة، أنها وأختين لها معرضات للبقاء عوانس مدى الحياة، والسبب ليس في عدم وجود خطاب أو تعرضهن لسحر أو عين أو ما شابه، وإنما السبب أن أمهن وجدتهن رفضتا بشكل قاطع زواجهن قبل أختهن الكبرى، حيث ذكرت أنه كلما جاء أحد لخطبتهن تخرج لهم الأم الأخت الكبرى، ويرفض الخطاب لأنهم قصدوا واحدة من بين الأخوات الأخريات، وتكتفي برد جواب سريع وتقول لهم هذا ما لدينا من بنات للزواج، وقالت “الوحيدة التي نجت من الأمر أختنا الوسطى التي عاندت وحاربت إن صح قولي من أجل أخذ شاب عن طريق عمتي، التي ساعدتها على الزواج به بإقناع أبي الذي رغم عدم موافقة أمي وجدتي، إلا أنه لم يرضخ لهما، أمام توعد أختي بالهروب من المنزل والعيش عند عمتي، وتم الزواج ولم تحضره أختي الكبرى وأمي، ولليوم هي غاضبة عليها”، ولكن أضافت أن أختها حالفها الحظ فأمها ستحن يوما وتغفر لها، لكن المشكل فيهن أن يقعدن على أمل زواج أختهن الكبرى، مشيرة إلى أن هذه الأخيرة ليست على قدر من الجمال على عكس أخواتها وحتى طباعها حادة وعبرت عن ذلك “لا أدري ما مصيرنا إن لم تخطب أختي، ومن سيخطبها وهم يعرفون طباعها السيئة، وأرى أن الحل في أن نقوم بتجاوز أمنا وإلا سنبقى في بيتنا إلى أن يفوتنا الزواج”.

أم ترمي بناتها الثلاث في أحضان شيوخ بأعمار جدهن
وهذه راضية، تستذكر أمها المتوفاة وتبكي، وقالت إنه ليس شوقا لها أو حنينا لها، فحسبها هناك مشاعر قوية تمنعها من الحنين لها بما فيها اتهام أمها بتضييع مستقبل بناتها الثلاث، بسبب عقدها البالية، حيث حكت أنها وأخواتها كن متعلمات، محافظات وعلى قدر من الجمال والأخلاق، يجعل أي واحد يتمنى خطبتهن، لكن لسوء حظهن أن أمهن كانت ترفض أن تتزوج أية واحدة منهن قبل الكبرى التي كانت تدرس الطب وترفض الزواج حتى تكمل دراستها، ومن هنا بدأت مشكلة الأختين الصغيرتين، حيث أتمتا دراستهما واستطاعتا إيجاد عمل، لكن ما إن يتقدم أحد لخطبتهن حتى ترفض الأم، رغم إصرار الأب والإخوة، إلا أنهم جميعهم لم يتمكنوا من الوقوف ضد الأم المتسلطة، حتى الأخت الكبرى لم تكن ضد زواجهن، لكن الأم اعتبرتها تضحية منها لابد من رد جميلها برفض الخطاب حتى تتزوج هي، وقالت “وهكذا كانت أمي ترفض الخطاب حتى جاوزت أنا الأربعين، وأختي الوسطى الثانية والأربعين بينما قبلت أخيرا أختي الكبرى الزواج في سن السادسة والأربعين من طبيب كبير السن في عمر جدي أخذها للخارج لإكمال رسالة الدكتوراه، بينما ألقت الحياة بي وبأختي بأحضان شيخين آخرين، وأصبحنا في ثلاثتنا زوجات من المرتبة الثانية نعيش مع ربائبنا، في حين لولا تعنت أمي لكان نصيبنا أفضل من هذا، وقبل أن أنسى أختي الوسطى ترملت بعد أربع سنوات من زواجها، وهي تعاني الأمرّين مع ربائبها”.
 
نظرات وهمسات الناس أشد أثرا من زواج الصغرى
ترى بعض الفتيات اللاتي عشن حالات شبيهة بما سبق، منهن من كانت الأخت الكبرى فعانت من زواج الصغريات، أو أنهن الأصغر فعانين من تأخر الزواج أو عدمه في انتظار زواج الكبرى، يرين أن المشكل الأساسي لم يكن يكمن بمجرد رفض الوالدين تزويج الصغرى والكبرى هكذا دون ضغوط وأسباب، لكن للمجتمع دور كبير في دفع الأولياء لمثل هذه الأفكار والأعراف البالية والتي تفكك الأسر وتعقد أمورها، وأهم جزئية في الأمر واعتبرنها الأكثر تأثيرا عليهن في الخوف في قضية الزواج، وتناسي أو تجاهل كون الأمر مكتوبا ومقسوما بين الناس، هي جزئية “كلام الناس”، التي تشمل الأقاويل، الإشاعات، اللمز والتشكيك في الأخت الكبرى، حيث قالت العديد من البنات اللاتي يمثلن الأخت الكبرى أن العقدة لا تكمن في زواج أخواتهن الصغريات في حد ذاته، وإنما العقدة في كلام الناس وما ينشرونه عنها من أقاويل تسبب أمراضا نفسية وتسبب مشاكل كبرى في العائلة، على غرار دفع الأخت الكبرى للشعور بالشحناء على أخواتها الأصغر سنا.
حياة فلاق

شاهد أيضاً

التكفل بقرابة 12 ألف مشرد بالعاصمة

خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة   استقبل مركز الإيواء الاستعجالي بدالي ابراهيم بمختلف ملحقاته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *