الرئيسية / أدب، فكر وفن / آلام النساء.. طموحات الرجال

آلام النساء.. طموحات الرجال

(الجزء الثاني)
النساء في “كاماراد” يعشن حياة مزركشة بالبلاء.. بطلات الرواية لا يعرفن المصابيح ليلا، فالكهرباء في نيامي هي للأثرياء في أحياء كواراكانو وبلاتو، بعد أن تسبب حكم العسكر في شقاء سكان الشمال، ولا يعرفن ابسط مظاهر الحياة المريحة.. سلاماتو وخديجاتو، ونساء كثيرات في تلك الأحياء الفقيرة يعشن على “هُرا” وحليب وماء.. ونادرا ما يتذوقن اللحم أو يشترين ثوبا.
إضافة إلى الشقاء، تنطوي هؤلاء النسوة على كثير من الألم.. تقضي سلاماتو وقتها في مراقبة ابنها خوفا من أن يهاجر إلى الشمال، بينما أخذت حليماتو على ولدها أوثق وأغلظ الأيْمان بعدم السفر.. إنهن مرتبطات بذلك البؤس وليس في مقدورهن أن يفعلن ما يغامر به الرجال: الهروب إلى القارة الشقراء من عاصمة لا تتوفر على شبكة الصرف الصحي، ومكتظة بسبيارات مهترئة يلفظها الأوروبيون إلى قمامتهم الإفريقية..
دولة تركو.. مقبرة الخردة، تطعم الكثير من عائلات ذلك الحي الفقير، لا احد يسطو على حصة الآخر، وتبقى الفنانة فاتي ماريكو، تغسل أحزان شباب الحي، بأغنيتها “بي.بي”.
يتحدث مامادو عن والدته قبيل تفجير مفاجأة هجرته، ما يسمح لنا بمعرفة كيف تعيش النساء الفقيرات هناك: “أمي تسبّح بحيات مسبحتها، جالسة القرفصاء على حصيرها، صبّحت عليها، أختي تغسل الأواني بالتراب ثم بالماء، لا صابون لدينا ولا هم يحزنون، استعماله القليل كان للملابس، لم نعهده إلا في السنوات الأخيرة.. صبحت على أختي كما تقتضي الأعراف الزرماوية.. زينابو تكنس رحبة البيت بمكنسة صنعت من أوراق شجر “باأوباب” قبل تحضر الـ”هُرا” (خبز من حليب وطحين الذرى)، وجبة العائلة الوحيدة.
الأم.. تعودت عيناها على تصوير الجيب الأيمن من سروال ابنها، بمرور الأيام صارت تقدر عدد الفرنكات من حجم انبعاجها من واجهة البنطلون، الحساب كان يخيب عندما تجد فكة، أي عندما “يصرّف” ابنها لبعض الباعة قطعا نقدية.. تزجره.. فقد كانت تتسلى بصليلها ساعة إلقائه بها إليها..
100 فرنك يوميا في الغالب، قد نزبد وقد تنقص.. تخصص منها الأم 50 لشراء أعواد الغورو والباقي للتمر والدخن والشحم، وما بقي –إن بقي- فللسكر والشاي.
للخلاص من الواقع المزري يفكر الرجال الهجرة نحو الإلدورادو، تاركين النساء يواجهن الفاقة، في مجتمع يعمل به الرجال، وتبقى فيه النسوة بين جدران البيت.. يتذكرون أخطار الصحراء وضحايا الحرقة.. لكنهم يتذكرون أيضا صديقهم الذي وصل إلى طاما (تامنراست)، فينسون طل ذلك ويحلمون بقبرص أو روما..
لم يستطع مامادو مكاشفة أمه سلاماتو وأخته زينابو، ولم يقدر على مفاتحتها في أمر بيع البقرة، لتوفير مصاريف السفر.. صديقه عصمانو لم يكترث لأيْمان أمه حليماتو، أما إدريسو فقرر السفر رغم انه سيضحي بذلك بنصيب العائلة من المزبلة التي يقتات منها
زينابو كانت منذ صغر سنها تدرك الامور بسجيتها، شعرت لما يخطط له مامادو، الذي قرر بيع البقرة على ما يمثل ذلك لوالدته من ألم.. إذ سيتضاعف شقاؤها.. لكن لا بد له من الوصول الى تامنراست (باريس ليكاماراد)، أو أدرار (روما)، ثم مغنية (مالطاه، فوجدة (قبرص)، ومنها الى الفنيدق (جزيرة لامبيدوزا).
تحاول الأم الصبر، وهي تردد الله غالب ومكتوب الله، حرقتها تكبر كلما اقترب موعد السفر، تعزي نفسها –بعد بيع البقرة- بمنح ابنها تميمة تطلب منه إخفاءها عن الجميع، فقد أخفاها والده حتى عنها، ورشت رفيقتها الماء على الباب، عل الغائب يعود قريبا على عادة أهل زرما وهوسا..
الجنود يسلبون مال الحراقة قبل المهربين أحيانا، غم وجود اتفاقية تنقل بين دول غرب إفريقيا.. 600 كلم للوصول إلى طاوة ثم آقادْز.. التوارق هناك بسيارات دفع رباعي، وشباب من جنسيات افريقية مختلفة .. اقادز ملتقى طرق التهريب نحو الشمال الشرقي (ليبيا) والشمال (الجزائر).
بعد يومين من الانتظار، جاء صاحب شاحنة، من الجزائر، حسب ترقيم السيارة، شحن مامادو ورفاقه مع جمع أخر، وبالكاد رضي بنقل 20 شخصا -من بينهم شيوخ وأطفال ونساء- فوق الأغنام طبعا (حيث أضاف طابقا) نحو “أرليت”، حيث عدد كبير من السيارات الجزائرية والدلاء الملأى بالبنزين الجزائري، والدكاكين العامرة بالسلع الجزائرية.. بعد أرليت يأتي دور سماسرة التهريب نحو الجزائر..
مفاوضات شرسة بين آليكس الإيفواري الذي تولى التفاوض عن جماعة مامادو، وبين المهربين التوارق، فقد كان آليكس يعرف لغتهم “تماشقت”، على رحلة تدوم خمس ساعات مقابل 76 ألف فرنك لنقلهم إلى عين قزام الجزائرية الحدودية، وليس إلى تامنراست، وذلاك لتجنب حرس الحدود ومساءلاتهم عن التأشيرة والجواز.
خالدة.م

شاهد أيضاً

أحب التجريب الذي يتيح توظيف التراث

يرى الشاعر الجزائري “عيسى ماروك، إن الحداثة ليست قطيعة مع ماضينا أو تنكرا له أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *