الرئيسية / أقلام / ألم يعد التضامن العربي مع فلسطين فرض عين؟

ألم يعد التضامن العربي مع فلسطين فرض عين؟

كان أمراً طبيعياً أن ترحب دولة الاحتلال الإسرائيلي بقرار وزارة الخارجية الأمريكية إغلاق بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وأن يصدر عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بيان يطري هذه الخطوة الأمريكية، ويتهم الفلسطينيين بالسير في طريق «لا يفضي إلى السلام» من خلال رفض التفاوض مع الاحتلال ومع أمريكا، وتقديم إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد الاستيطان الإسرائيلي.

وكان طبيعياً أيضاً أن تسوق الخارجية الأمريكية سلسلة ذرائع تبرر خطوة إغلاق البعثة، كالقول بأن الفلسطينيين رفضوا خطة السلام الأمريكية حتى قبل أن يعرفوا مضمونها، أو بسبب «قلق» الإدارة والكونغرس إزاء توجّه السلطة الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية لفتح تحقيق ضد إسرائيل، أو لأن منظمة التحرير الفلسطينية هذه المرة لم تتخذ أي خطوات للدخول في «مفاوضات مباشرة وذات مغزى» مع دولة الاحتلال.  من الطبيعي، ثالثاً، ألا تشهد عواصم العالم الكبرى، ليس في أوروبا وحدها بل كذلك في روسيا الاتحادية والصين واليابان، ردود فعل ملموسة رافضة لهذا الإجراء الزجري الأمريكي، على الأقل من باب التمسك بما أنجزه المجتمع الدولي في ملف عملية السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وحفاظاً على الحدود الدنيا من منطوق اتفاقيات أوسلو التي تمرّ هذه الأيام الذكرى الخامسة والعشرون على إبرامها. ذلك لأن مسمى «المجتمع الدولي» ذاته يحتاج إلى إعادة نظر جذرية، وإلى تدقيق في ما تبقى منه على مستوى التأثير في الأحداث الدولية والفعل فيها بصفة عامة، فكيف إذا اتصل الموضوع بكيان مدلل مثل دولة الاحتلال، اعتادت على انتهاك القانون الدولي والقرارات الأممية دون رادع. من غير الطبيعي، في المقابل، أن يكون الصمت الرسمي هو ردّ الفعل الأكثر شيوعاً في غالبية العواصم العربية، وكأن الدفاع عن القضية الفلسطينية إجمالاً، وعن منجزات الشعب الفلسطيني السياسية والدبلوماسية خصوصاً، لم يعد يحظى لدى الأنظمة العربية حتى بالدرجة الدنيا من مظاهر التنافخ الكاذب والنفاق الإعلامي. هذا بالإضافة إلى تبعية العديد من الأنظمة للإرادة الأمريكية وانخراطها على وجه التحديد في مشاريع تسوية من طراز «صفقة القرن»، تستهدف في نهاية المطاف إضعاف الحق الفلسطيني أو تصفية الكثير من مشروعية القضية الفلسطينية، مما يخدم مصالح تلك الأنظمة في إدامة سلطاتها وقهر شعوبها والتمرغ أكثر في أوحال سياسات البيت الأبيض المعادية لطموحات الشعوب العربية في التحرر والكرامة والديمقراطية. وإذا كانت السلطة الوطنية الفلسطينية قد ارتكبت الكثير من الأخطاء في مراهناتها الفاشلة على الراعي الأمريكي خلال العقود الماضية، وتسبب ذلك في خيبة أمل لدى شرائح واسعة من الجماهير العربية، فإن هذا لا يبرر عزوف المجتمع المدني العربي والشارع الشعبي عن دعم القضية الفلسطينية، بغض النظر عن ممارسات السلطة أو الفصائل أو منظمة التحرير. فالعواصم العربية التي يمتلك مواطنوها هامشاً نسبياً في التظاهر لم تشهد حراكاً احتجاجياً ضد الخطوة الأمريكية الأخيرة، وكأنّ التضامن مع القضية الفلسطينية لم يعد فرض عين تسيد الوجدان الشعبي العربي على الدوام. وفي هذا سبب إضافي كي تمعن الإدارة الأمريكية الراهنة في مزيد من خطوات إضعاف القضية، أو حتى تصفيتها.

 

القدس العربي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *