الرئيسية / أدب، فكر وفن / أوصيكم بشجرة الخلد –الحلقة الثالثة-

أوصيكم بشجرة الخلد –الحلقة الثالثة-

“بسكرة.. من دخلها يبكي ومن خرج منها يبكي”..
عمي حسين كان يردد الجملة الأخيرة في نغمة حزينة، ثم يعقبها باعتزاز: “بسكرة بلد الخير”..
ثم بعد أن يميل ميلا خفيفا على كرسيه، مبعدا بعضا من الذباب المنتشر فوق شعر حصانه..
“بسكرة في وقت فرنسا.. كان يأتيها العظماء من الساسة.. رجلات الفكر والأدب.. وكانوا يقضون حفلات أسطورية بالكازينو “قاعة الأطلس الآن”..
كارل مركس، أوجان جراردي، اتيان دينيه، فيكتور بيار هيجو، هنري ماتيس وأندريه جيد.. كانوا في بسكرة.. الكونت لندو دو لونغفيل، صاحب الحديقة الشهيرة عالميا “حديقة لندو”.. أنشأها سنة 1872 غارسا فيها أنواعا عدة من الأشجار والنباتات من بيئات مختلفة عبر العالم، معتقدا أن مناخ بسكرة هو الأفضل، خاصة أنه كان يعاني مرض الربو.. هذه الحديقة عرّفها الكاتب الإنجليزي روبرت هيشنس في كتاب اسماه “جنة الله”..
أما الآن وبعد العشرية السوداء.. عشرية الليل الحالك.. عشرية اغتيال الأحلام الجميلة ثم رميها في غياهب بئر ملعونة.. “ما بقي في الواد غير احجارو”.
كدنا نشك فيما يسرده علينا لولا أن مدرس التاريخ في ثانوية مكي مني “الشيخ مصمودي” حدثنا عن شيء من مثل هذا القبيل.. فازددنا اعتزازا بعمي حسين..
عمي حسين المسكين جاء بأهله وعشيرته معتذرا.. طالبا العفو والغفران..
“سفيان” وهبه الله جمالا فائقا.. وجها سمحا.. عينين زرقاوتن، وشعر أشقر.. كان طفرة وراثية في العائلة مثلما ظل يذكر صديقك “عزيز”.. كان يرددها بأسى فاضح متبوع بالاستغفار والحمد والرضا بقضاء الله وقدره..
كما كان يذكر أن والدته تصر على أنها عين حمراء.. لا ولم تصل على النبي.. خدعته في مأتم.. دعاءها في جميع صلواتها دعاء واحد “الله لا يربح.. الله لا يسمح.. حسبي الله ونعم الوكيل”، ثم تنساب إلى الجدار بعد أن ترفع السجادة مستغفرة..”الله يغفرلك عمي حسين.. والسماح دنيا وآخرة”.
كما يذكر لها حنقها على والده حين كان يعصي أمرها ساعة ما تصر على أن تلبسه رضيعا ملابس للبنات، حتى تجنبه العين والحساد كعادة الشيوخ والعجائز.. لقد كان يرفضه رفضا قاطعا معللا بأنها.. تخاريف لا يحتملها العقل.. أما ما تقصه كل مرة حول قصة جدتها “لا لا الزهرة” وما فعلته مع أبيها من إلباسه ملابس نسائية كي لا يأخذه الجنود الفرنسيون إلى التجنيد الإجباري.. فقد كانت ضربة حظ ليس إلا.. وبالتأكيد لن تتكرر.. ففرنسا غادرت بلدنا منذ أمد طويل..
ولم تنس صورته وهو ممدد أمام عتبة الدار بعد ساعات القيلولة ينتشي عرعاره ويرمقها بعين جانبية:
• ولماذا لم يحسدونك فيّ؟..
ثم يقهقه بنفس صافية.. فيما هي ترد بعفوية فيها الكثير من الانتكاسات والحب المتجذر في أصلابها:
• الله.. غالب
أسرعت نحوهما لتساعدها في الدفع فالطريق وعرة بها حفر كثيرة وكبيرة.. آخر سنة عبّدت فيها هذه الطريق لا يذكرها الكثير من الأهالي، فإذا ما سألت قيل لك عام كورس الكلاب..
ازدادت خطوات فايزة إسراعا حال ما رأتك قادما، وكأنها رأت أملا ينشق من تحت الأرض ويسطع:
• الحمد لله أنك أتيت.
• خيرا؟
• لقد جن جنون عزيز .. وأصر أنك تأخرت في المجيء.
في نبرتها شيء لم أعهده فيها من قبل.. استوضحت عبره أن الأمر في غاية الأهمية :
• أكيد نسي أنني سأكون مشغولا لبعض الوقت..
الوقت وقت الظهيرة أين عساه ذهب؟
المارون بجنب “عزيز” هذه الساعة اكتفوا بنظرات اشئمزاز، تذمر، تأسف وحزن حول المشكلة التي وقع فيها.. فرجال الشرطة قد أحاطوا بالمكان معلنين الحرب على الباعة المتجولين.. هؤلاء ما إن رأوا سيارات الشرطة قادمة حتى لاذوا بالفرار.. فمنهم من استطاع أن يحمل سلعه ويهرب ومنهم لم يستطع.. إلا أن عزيزا رفض فكرة الهروب هذه المرة، وأصر على البقاء معلنا تحديا من نوع آخر.. الشرطية نفسها لم تفهم لماذا فعل ذلك وبان لها أنه متمرد..
• لمَ لم تفعل مثلك إخوتك.. تهرب.
حاول عزيز أن يفهمها بكل ما أوتي من صبر وتماسك في الأعصاب:
• هذا ما أملك من مصـدر رزق.. وهذا المكان هو المناسب لي..
الشرطية ظلت متوعدة.. تصر عليه بأن يرفع عربة الفواكه من على الرصيف ويجرها بعيدا:
• لا يهمني..
• يا أختي.. الله يرحم والديك..
الشرطية، بعد أن جالت ببصرها يمينا وشمالا ورأت أنه وقع في أسرها، رفضت توسلاته ولم ترض سوى تجريده من فحولته.. بعد أن شعرت بنزوة شيطانية تسري في جسدها إزاء هذا الموقف، ولم تنتبه إلى نفسها كيف عصفت بها حالة من الكبر جعلتها تزداد تعنتا وتصرخ بكلمات ما كان عليها أن تقولها:
• لست برجل إن كررت المسألة..

شاهد أيضاً

أحب التجريب الذي يتيح توظيف التراث

يرى الشاعر الجزائري “عيسى ماروك، إن الحداثة ليست قطيعة مع ماضينا أو تنكرا له أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *