الرئيسية / أقلام / أي الحلمين سينفجر.. وأيهما سيتحقق؟

أي الحلمين سينفجر.. وأيهما سيتحقق؟

كل مياه الشرق الأوسط معكرة. يصح ذلك على جميع الأصعدة تقريبا. صعيد العلاقات بين مجموع القوميات التي تتشكل منها المنطقة، وصعيد العلاقات بين دول الإقليم؛ وصعيد العلاقات داخل كل دولة: من تركيا إلى إيران، ومن سوريا إلى العراق، ومن مصر إلى الاردن، وعن دول الجزيرة العربية والخليج «حدِّث ولا حرج». خلافات تتفجر بين مكونات كل دولة ودولة، بين الأكثرية والأقلية أو الأقليات؛ بين الطبقات في مستوياتها الاقتصادية؛ وبين اتباع الديانات، وبين الطوائف داخل أهل العقيدة الواحدة؛ وبين أهل المحافظات الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية داخل الوطن الواحد الذي فرضت الطبيعة والتاريخ حدوده الجغرافية، أو ذاك الذي فرضت حدوده اتفاقيات دول أجنبية استعمارية، على غرار سايكس بيكو ومثيلاتها.

تخصص إسرائيل، ومهنتها ودورها، هو الاصطياد في المياه العكرة. ولو لم تكن مياه المنطقة بمجملها عكرة، لسعت إسرائيل إلى تعكيرها. هذه الحالة تضعنا امام سؤال: ما العمل؟ وأي سياسة يجدر بالفلسطينيين اعتمادها للتعامل مع هذا المحيط المعكر والمصطادين بين أمواجه العاتية؟
حرصت إسرائيل منذ البداية على نشر بذور الشك بين الفلسطينيين الذين بقوا في مدنهم وقراهم إثر النكبة سنة 1948. حرصت على تشكيك الفلسطينيين بكل من وبكل ما حولهم، تشكيك الفلسطيني بكل محيطه، دون استثناء، حتى ولكأنها تسعى لتشكيك كل فرد فلسطيني بنفسه أيضا. وزادت على ذلك في تعاملها مع اللاجئين الفلسطينيين، بتحميل مسؤولية تهجيرهم ولجوئهم إلى قياداتهم الفلسطينية، وتحميل مسؤولية استمرار معاناتهم ولجوئهم إلى قيادات الدول العربية، وكأن الحركة الصهيونية، بكل عصاباتها، بريئة من كل ما سببته للفلسطينيين معاناة وعذابات، وما اقترفته من جرائم بحقهم كشعب وكأفراد على حد سواء.
صحيح أن بعض القيادات الفلسطينية، وكذلك بعض القيادات العربية، تتحمل مسؤولية بعض ما تعرض ويتعرض له الفلسطينيون، سواء بغباء او بسوء نية. لكن الحركة الصهيونية، وداعميها من الدول الاستعمارية، واولها بريطانيا، وكذلك حكومات إسرائيل جميعها، منذ إنشائها حتى الآن، هي المسؤول الأول والأكبر عن كل عذابات الفلسطينيين. وكلما مضت السنون وسمحت اجهزة الرقابة برفع السّرِّية عن ارشيفات وحقائق وأحداث، تبين أكثر وأكثر، مدى تورط إسرائيل والصهيونية بجرائم اكبر وأكثر هَولاً.
نتعرض هذه الأيام لموجة تشكيك جديدة. فمنذ ما قبل إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بأيام، اعتراف إدارته بالقدس، (دون توضيح لحدودها)، عاصمة لإسرائيل، بدأت الاجهزة الإسرائيلية بحملة محمومة، لتشكيك الفلسطينيين وتحريضهم على بعض القيادات العربية. تخترع روايات وتنشرها وتعاود نشرها على أمل أن تصبح مسلّمات في أذهان الفلسطينيين.
من هذه الروايات أن ملك السعودية «استدعى» الرئيس الفلسطيني، ابو مازن، إلى الرياض، وهناك ابلغه ولي العهد، الامير محمد بن سلمان، بفحوى ما سيعلنه الرئيس الأمريكي، وان السعودية لا ترى غضاضة في ذلك، وتتعهد بدعم الفلسطينيين بعشرة مليارات دولار، مقابل اعتماد الفلسطينيين لقرية ابو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة، وإلا… فان على أبو مازن الاستقالة!.
لحقت بذلك رواية اخطر، أبرزتها الصحف الإسرائيلية منقولة عن جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية، تحت عنوان: «انكشاف موقف مصر: القدس؟ فلتكن رام الله عاصمة لفلسطين»، (يديعوت احرونوت، 6.1.2018). وجعلت تلك الصحف للرواية أبطالا، أولهم ضابط مخابرات مصرية لم تحدد اسمه وموقعه، وأربعة مقدمي برامج حوارية في قنوات مصرية، هاتفت الصحيفة الأمريكية احدهم، وأنكر اثنان صحة الرواية، ولم تعثر الصحيفة على رقم الرابع، وغير هاتين الروايتين كثير.
هذه مسائل ومواقف وسياسات دول مؤثرة على جوهر القضية الفلسطينية وتفرعاتها. يجب التعاطي معها بجدية وبحزم من قبل القيادات الفلسطينية. أما أن تتحول هذه الروايات إلى مادة يتناقلها بكثافة غير معهودة، «ابطال» الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، فان ذلك لا يقود إلا إلى الإحباط والتيئيس الذي تسعى إسرائيل لإشاعته وفرضه.
ثم، رغم أهمية المحيط العربي بكل ما له علاقة بفلسطين، فان الجوهر والأساس هو موقف الفلسطينيين. ولا يساوي هذا في الاهمية، إلا انعكاس وتأثير العمل الفلسطيني على إسرائيل وعلى الأوضاع فيها، على واقع إسرائيل، وصورتها في العالم ومستقبلها، بل مستقبل وجودها ذاته.
في هذا الجو الفلسطيني الذي يشعر البعض فيه بنوع من الاحباط، يجدر بنا ان نلاحظ مدى التوتر في إسرائيل، وما تعانيه من عزلة وانفضاض حلفاء لها ومؤيدون تاريخيون، بدأوا دعمهم لتحقيق حلم الحركة الصهيونية منذ نشأتها وانطلاقها، بل منذ ساهم بعض هؤلاء في انشائها واطلاقها، وزاد ذلك مع اعلان اقامة إسرائيل سنة 1948، وتعاظم إلى ما لا يقاس اثر حرب حزيران/يونيو 1967. اصبح الجزء الاكبر من هذا التعاطف تاريخا مضى وانتهى، يتطلع اليه الإسرائيليون بحسرة والم، وبدأت تحتل مكانه قرارات نبذ وتبرُّؤ ومقاطعة.
سلسلة نبذ إسرائيل ورفض سياساتها تجلت اظهر ما يكون في وقوف جميع أعضاء مجلس الأمن ضد القرار الأمريكي المنحاز لإسرائيل بخصوص مدينة القدس، ولحق بذلك التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
اما سلسلة مقاطعة إسرائيل، فقد بدأت تنظر اليها إسرائيل بقلق غير مسبوق، باعتبارها سيلا آخذا في التعاظم يوما بعد يوم، يذكرها بما تعرضت له جنوب افريقيا أيام الابرتهايد، وما آلت اليه أوضاعها التي انتهت إلى انهيار نظامها بكامله، فأوكلت التصدي له لوزارة خاصة أسمتها وزارة المسائل الاستراتيجية، وضاعفت موازنتها خمس مرات في السنوات الثلاث الأخيرة.
وصل ضيق إسرائيل مؤخرا، من سيل المقاطعات لها، حد اعداد «قوائم سوداء» بعشرين مؤسسة وهيئة في العالم، تعمل وتنشط في مجال مقاطعتها، تحظر دخول الناشطين فيها إلى إسرائيل، وبين تلك المؤسسات والهيئات المنظمة اليهودية الأمريكية «صوت يهودي من اجل السلام»، ومنظمة الكويكرز التي حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1947، بسبب دورها في إنقاذ ضحايا النازية، وكذلك منظمة يشغل منصب الرئيس الشرفي فيها زعيم حزب العمال البريطاني الحالي، جيرمي كوربين.
ليس الوضع الفلسطيني في أحسن حالاته. ولا نبالغ إذا قلنا أن الوضع العربي في أسوأ حالاته منذ عقود. ولكن الوضع في إسرائيل، على الصعيد العام، داخليا وعالميا، لا يبشر الإسرائيليين بخير. ورغم كل ما في ترسانة إسرائيل من سلاح، وما في اقتصادها من قوة، وما تحظى به من دعم من أمريكا، فإنها في مرحلة هبوط، في حين انه رغم كل ما يعانيه الفلسطينيون فان الوضع الفلسطيني في صعود.
حجم الاستعداد الفلسطيني المثبت، لمواصلة النضال، والتمسك بالحقوق الفلسطينية المشروعة، يقودنا إلى التأكد بان الحلم الفلسطيني في التحرر سيتحقق، وان كل أسلحة إسرائيل لن تكون كافية لحماية وإدامة احتلالها واستعمارها وتنكّرها للحقوق الفلسطينية.

عماد شقور/ كاتب فلسطيني

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *