إسرائيل والعرب على طاولة وارسو… والمسألة الفلسطينية “على الرف”

لا يبشر مؤتمر وارسو للسلام والأمن في الشرق الأوسط، الذي انعقد في بولندا الأسبوع الماضي، بالأمن والسلام إلى منطقتنا. فالمؤتمر الذي انعقد بمبادرة الولايات المتحدة وبتشجيع من إسرائيل بهدف بلورة ائتلاف إقليمي ودولي حيال إيران، هو بالفعل خطوة هامة في الصراع لصد تطلعات التوسع والتآمر والإرهاب من جانب طهران، ولكن هذه خطوة واحدة في رحلة طويلة. من هذه الناحية محق وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومباو، الذي أعلن في أثناء المؤتمر بأنه يجب صد إيران بالقوة، أي بإظهار القوة والتصميم وبالأساس من خلال خطوات فاعلة، مثل العقوبات الاقتصادية الأليمة أو المعركة التي تديرها إسرائيل ضد الإيرانيين وفروعهم في سوريا. لهذا السبب تحديداً وجهت الأضواء في المؤتمر نحو إسرائيل، لا نحو إيران. فقد وصفت إسرائيل، وعن حق، في وسائل الإعلام العربية والدولية ليس كالرابحة الأساس من انعقاد المؤتمر فحسب، بل وأيضاً كلاعبة محور مركزي في مداولات المؤتمر وفي ما من شأنه أن يحصل في المستقبل في أعقابه. لهذه الأمور آثار بعيدة المدى على علاقات إسرائيل مع العالم العربي. فالدول العربية، وبالأساس دول الخليج، لم تتردد في المشاركة في المؤتمر إلى جانب إسرائيل، بل وكانت مستعدة لأن تقبل بها كشريك وحتى كزعيم ورائد للصراع الإقليمي ضد إيران. هذا هو الفرق الأكبر بين المؤتمر الحالي في وارسو ومؤتمرات سابقة شارك فيها مندوبون إسرائيليون وعرب. كما أن هذا هو الفرق بين الائتلاف الإقليمي المتبلور في المنطقة والائتلافات التي قامت فيها في الماضي، مثل «حلف المحيط» ضد الرئيس المصري ناصر، الذي شاركت فيه في الخمسينيات إسرائيل، اثيوبيا، وتركيا، وإيران. لقد كان حلف المحيط هذا سرياً ومحدوداً، ولم تعتبر إسرائيل فيه لاعبة محور مركزي. أما اليوم فإسرائيل تعتبر في العالم العربي كقوة عظمى عسكرية واقتصادية، تتمتع بمكانة تأثير في العالم وبخاصة في واشنطن، كما أنها تعتبر كمن لا تخاف المواجهة المباشرة مع إيران، وبالتالي كمن ينبغي جعله شريكاً مرغوباً فيه. يخيل أن العرب بحاجة إلى إسرائيل لغرض ضمان الاستقرار في المنطقة حتى أكثر مما تحتاجهم هي. إن الاستعداد العربي لحضور المؤتمر إلى جانب إسرائيل، وفي واقع الأمر من خلفها، هو دليل آخر على حقيقة أن المسألة الفلسطينية فقدت من مركزيتها في العالم العربي وعلى أي حال كفت عن أن تكون حاجزاً في طريق تقدم العلاقات بين إسرائيل والعرب. ليس في هذا جديد: ففي 1977 قرر السادات إطلاق مبادرة سلام مع إسرائيل، فمنح بذلك أولوية للمصالح المصرية على المصالح العربية وكذا الفلسطينية. في 1994 سار في أعقابه الملك حسين، وفاجأ المتشككين ممن ادعوا بأن الأردن لن يوقع أبداً على اتفاق سلام مع إسرائيل طالما لا يوجد حل للقضية الفلسطينية. لا شك في أن رحلة العالم العربي إلى السلام مع إسرائيل هي رحلة طويلة فيها ارتفاعات وهبوطات. ومع ذلك، فالحركة هي إلى الأمام. والدليل هو أن الرئيس المصري السيسي لا يتردد في تأكيد التقارير بشأن التعاون الأمني الوثيق بين الجيش المصري والجيش الإسرائيلي في الكفاح ضد الإرهاب، بينما الأردن يستسلم للتعلق التام بالماء والغاز اللذين توفرهما إسرائيل له. الحقيقة هي أن الشارع العربي لا يزال يبدي نفوراً بل وعداء تجاه إسرائيل، ولكنه مستعد لأن يسلم بشبكة العلاقات التي يقيمها حكامه معها. والدليل هو أنه حتى في ذروة الربيع العربي في مصر، لم يطلب أحد قطع العلاقات مع إسرائيل. وفي الأردن أيضاً، الحساس جدا للمسألة الفلسطينية بسبب نسبة الفلسطينيين بين سكانه، فإنه لا يتصور أحد ما إدارة الظهر للسلام. مثل تركيا وكذا إيران، تعد إسرائيل في العالم العربي عنصراً غريباً غير عربي، وبالتالي هي عنصر منافس يجب التشكيك والاشتباه به. هذا الأمر لن يتغير حتى لو تحققت تسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ومع ذلك، مشوق أن نكتشف بأن الكثير من الدول العربية تشعر بالأمان في اتصالاتها مع القدس، وتفضلها على أنقرة وطهران. صحف عبرية

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *