اتهامات، غلاء وأمراض.. و”عيد سعيد”

“سيــــــــنــاريـــــو الأضــــــاحــــــــي” يــــــتـــــكــــــــــرر كـــــــــل ســـنـــــة

ككل سنة يكثر – مع اقتراب عيد الأضحى- الحديث عن الأغنام وأسعارها وصحتها، ويرمي كل طرف الكرة في مرمى الآخر، فالموال يشتكي غلاء الأعلاف، و”السمسار” يرى في “هامش ربحه” تجارة مشروعة، والبيطري يكتفي بالتحذير من الكيس المائي، ويعترف بعجزه عن تحديد سبب “اخضرار لحوم” الأضاحي الذي تضرر منه مئات الجزائريين في العيدين الماضيين، وأنشئت لجنة تحقيق لم تتوصل إلى نتيجة تذكر لحد الآن، والسلطات تكاد ترفع الراية البيضاء وسط كل هذا، لكنها تجيد التزام الصمت، لأنها تعلم علم اليقين أن سيناريو عيد الأضحى هذه السنة لن يختلف كثيرا عن أعياد السنوات الأخرى.. وسيذبح أغلب الجزائريين أضاحيهم و”كل وحظه”، في النهاية هي عبادة عسى أن يتقبلها الله.

ما يقال شيء والواقع شيء آخر

بأي سعــــر عــــدت يا كبــــش العيــــد؟

ألقت عدة جهات متدخلة في سوق الماشية اللوم على المواطن بالدرجة الأولى، كسبب رئيسي في رفع أسعار أضاحي العيد، بإقباله المكثف على اقتنائها بالرغم من التهاب ثمنها، وعلى الوسطاء، ما يعطي انطباعا بأن الماشية التي يعرضها الموالون في نقاط البيع مباشرة ثمنها سيكون منخفضا، مقارنة بما يعرضه الوسطاء، وما هي دوافع عدم تريث المشتري حتى اقتراب العيد بيوم أو يومين؟

في هذا الاستطلاع الذي أجري، في بحر الأسبوع الأخير قبل العيد، حاولنا البحث عن هذه الافتراضات في الميدان، وتتبعها عبر التنقل بين العديد من نقاط بيع المواشي المترامية بالعاصمة، ماعدا تلك التي خصصتها وزارة الفلاحة، لاستهداف كسر الأسعار، مع مراعاة هامش ربح الموال والقدرة الشرائية للمواطن. البداية كانت بمنطقة الشراقة غرب العاصمة، عند المدخل من الطريق السريع الرابط بين الدار البيضاء وتيبازة، لفت انتباهنا لافتة تشهر لأحد الباعة “كبش العيد من الموال للعياد”، اللافتة جعلتني أتوقع أني حصلت على كنز، كبش العيد بدون وساطة في العاصمة، نزلت من السيارة لاستكشاف الأسعار، وجدتها مقسمة على ثلاثة مستويات كبش بلغ الحول المعروف عند أهل الاختصاص بـــ”الثني” سعره 56 ألف دينار، وهو الذي يحبذه من كان أفراد عائلته يفوقون الأربعة أشخاص وخروف الثمانية أشهر ما بين 37 ألف دينار إلى 42 ألف دينار، والذي بلغ سن التضحية يعني نصف حول 35 ألف، وبالمفاوضات يستطيع أن ينزل سعره إلى 32 ألف دينار.أما عن البائع الذي أوضح أن “المال” (يعني الخرفان) ماله هو الذي رباه، فتساءلت في نفسي إذا كانت الفيدرالية الوطنية للموالين تلقي اللوم دائما على الوسطاء، ومن تسميهم بالسماسرة في رفع سعر أضاحي العيد، فهل يعقل أن يكون سعر الحولي 56 ألف دينار عند الموال الذي يبيعه مباشرة إلى العياد، إذا افترضنا أنه يقتطع 40 كلغ لحم يصبح ثمن الكيلوغرام الواحد من اللحم 1400 دينار؟ تركت هذا الموال الذي يبيع مباشرة للعياد، واتجهت نحو جاره الذي يبعد عنه ببضعة أمتار فكانت المفاجأة..

من 25 ألف دينار إلى 16 مليون سنتيم!

ما إن توقفت وترجلت من سيارتي حتى فاجأني أحد الشباب الذي عاد مسرعا إلى سيارته، وهم بمغادرة المكان وابتدرني معلقا “هذا يبيع الكباش بالبطاقة الرمادية!!” سألته “لماذا كم الثمن؟” قال لي “يا خو 12 مليون” يعني 120 ألف دينار.. لم تكن هذه هي المفاجأة الوحيدة، بل ما خفي كان أعظم، لأني دخلت المستودع فوجدت صنفا آخر، 16 مليون سنتيم، ولكن الأغرب أن تلك الخرفان لم تبلغ الحول، حيث ما تزال بأسنان الحليب كما يقول أهل الاختصاص، نعم بالرغم من أن مظهرها وحجمها يفوق حجم ذات الأربعة أحوال المعروفة بــ”الجماعي”، ولكنها ما تزال خرفانا وهو ما أكده مربيها المدعو “بلال”، الذي يقول إن مصدرها حاسي بحبح الواقعة بولاية الجلفة، وهو الذي سهر على تربيتها وعلفها، يقسم أن مأكلها طبيعي مئة بالمائة، والسر في العلف الأخضر أو القطف الذي يطعمها إياه، حيث قدر أحد معاونيه سعره بـــ16 مليون للقنطار. بالرغم من أن “بلال” لديه هذه الخرفان التي ينفّر سعرها أي زبون، حيث يقارب ثمنها ثمن العجل من فصيلة الأبقار، إلا أن عنده خيارات أخرى تليق بجميع المستويات، يعني من النقيض إلى النقيض، أدنى سعر عنده 25 ألف دينار الخروف الذي بلغ سن النحر، يعني نصف حول، وعنده خرفان لم تبلغ الحول، ولكن حجمها ما دون تلك التي وصفها ذلك الشاب بذات “البطاقة الرمادية”، وهي مقبولة وتعادل في حجمها “الحولية” عند باقي الموالين، سعرها بــ52 ألف دينار وبالمفاوضات يمكن أن يقدم خصومات ليصل سعرها إلى 45 ألف دينار، ولديه ذات الثمانية أشهر بـــ35 ألف دينار كآخر عرض له.والملاحظ أن عدد الخرفان التي بيعت من هذه الأصناف أكثر من أصناف الـــ16 و12 مليون، التي لم يكن معلم على أي أحد منها بإشارة تبين أنها بيعت، حيث يفضل العديد من المشترين ترك الأضاحي عند الموال إلى غاية اقتراب العيد بيوم أو يومين، ليأخذوها من عنده.

”الحولية” عند الموال بــ62 ألف وعند السمسار 53 ألف و”فيها مساعدة”!!

واصلت طريقي نحو الكثبان، قبل الوصول إلى مفترق الطرق المؤدي إلى عين البنيان ونادي الصنوبر وزرالدة، لاحظت شاحنة مملوءة بالخرفان لوحة ترقيمها 17، يعني قادمة من ولاية الجلفة تفرغ حمولتها في محمية على الجانب الأيمن للطريق، سألت صاحبها “من أين المال” أخبرني أنه من حاسي بحبح، أما سعر الحولية فهو بــــ62 ألف دينار وما دونها 40 ألف دينار.تركت منطقة الكثبان وكانت وجهتي نحو منطقة شعبية اخترت منطقة بوزريعة أعالي العاصمة، وكان أملي أن أجد أحد الباعة السماسرة، بدأت التفتيش بين حواف الطريق التي كانت مترامية عليها نقاط بيع عشوائية، حتى وقعت عيني على أحد الباعة في المنطقة المعروفة بــ”بارانيس” على ملامحه ومن لباسه يبدو أنه من أبناء الحي، وتأكدت بعد نزولي والحديث معه أنه من أبناء العاصمة، قلت في نفسي “هذا هو السمسار الذي أبحث عنه”، “كم السعر من هنا؟” بادرته بالسؤال وأنا أشير إلى الحولية وكانت مليحة الحجم، أجابني “يا خو 53 ونساعدك” لم أصدق أذني الحولية التي وصلت عند الموال 62 ألف دينار يبيعها السمسار بــ53 ألف دينار!! ولو كنت شاريا لفاوضته على ما دون الــ50 ألف دينار، فأشرت إلى ما دون الحولية وكانت خرفان متوسطة تليق بالعائلة الصغيرة كما يقول المثل “برأسك والطباخ”، فأجابني “عندنا بــ37 ألف والصغيرة بـــ35 ألف ونساعدك”.تساءلت أين الخلل؟ السمسار يبيع بسعر أقل من الموال؟ ودائما ما يلقي الأمين العام لاتحاد الفلاحين والوزير اللوم على الوساطة والمضاربة في السوق!!

تأجيل الشراء إلى قبيل العيد بين الخوف من النفاد والتوكل على الله!

واصلت مع هذا الاستطلاع التجول في شوارع العاصمة، عدت إلى شارع الشهداء بالمرادية، وعرجت نحو منطقة “الشعبة” أعالي حي بلكور الشعبي، قصدت أحد المستودعات أعرف أن صاحبها، وهو موال محترف، يأتي بخرفانه من ولاية الجلفة، حيث يحوز على ثقة زبائنه لأنه يبيع بالضمان، “الحولي” عنده ما بين 46 ألف دينار إلى 54 ألف دينار، ولديه الخرفان ما بين 32 ألف إلى 40 ألف، أخبرت “محمد” وهو الابن الأكبر للموال والقائم بأعماله، أني قررت أن أترك إلى يوم الذي يسبق العيد (عملا بنصيحة الأمين العام لاتحاد الفلاحين دون أن أخبره بها) فحذرني من احتمال أن لا أجد الكثير من الخيارات، بسبب أن الذين اعتادوا في السابق الاشتراك في ثور، سيغيرون وجهتهم هاذ العام إلى الأغنام، بسبب داء الحمى القلاعية التي أصابت الأبقار، فعرفت من خلاله أن عيد السنة الجارية سيعرف طلبا كبيرا على الأغنام، ربما سيتم به فيما بعد تبرير سبب ارتفاع الأسعار من المسؤولين. تذكرت منطقة الكاليتوس الواقعة جنوب شرق العاصمة، فاتجهت إلى نقطة البيع بها التي تشبه أسواق المواشي في المدن الداخلية، وجدت الأسعار متفاوتة بين 70 ألف دينار، 65 ألف دينار و55 ألف دينار، بين الموالين والوسطاء، ووقعت عيني على أحد الموالين وهو شاب يظهر عليه أنه يساعد والده من منطقة البيرين بالجلفة، عنده خرفان لم تبلغ الحول ولكن حجمها مقبول سألته عن السعر فأخبرني 40 ألف دينار ويمكن أن يخصم لي منه، مثل هذه الخرفان التي يعرضها يبلغ ثمنها في مناطق أخرى أو حتى عند جيرانه 47 ألف دينار، سألته هل سيجلب منها إن نفدت فأكد لي أنهم يملكون منها الكثير وسيستقدمون المزيد كلما نفدت إلى غاية يوم الاثنين المقبل، يعني ستكون متوفرة إلى غاية ليلة عيد الأضحى.خلصت من هذا الاستطلاع أن كل الكلام الذي قيل نسبي، وبعض ما يردده المسؤولون مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي، ككل عام السوق لا يخضع لأي نظام ولا لأي قانون، وإجراءات التنظيم كمن يريد جمع أوراق الشجر في يوم عاصف، وخلاصتها تحول سعر الأضحية إلى لعبة حظ عند بعضهم، في حين يفضل آخرون أن يتركوا أمرها إلى الله ما دامت شعيرة عبادة.

 

روبورتاج/ صديق يحياوي

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *