الرئيسية / أقلام / ارتفاع منسوب التناقض في النظام العالمي الرأسمالي

ارتفاع منسوب التناقض في النظام العالمي الرأسمالي

في أكثر من أزمة مالية عالمية يتواطأ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية مع أمريكا، لخلق فرص استثمارية للشركات الأمريكية في أكثر من دولة حول العالم.

@وصار “الثالوث المقدس” يرسم حركة العلاقات الاقتصادية منذ عقود، خاصة مع موجة العولمة وتحرير السوق، وتُعد هذه المؤسسات الاقتصادية والمالية الثلاث بمثابة المقومات الخارجية لدعم الاقتصاد الوطني الأمريكي، وهو المشروع الذي رامت الولايات المتحدة تحقيقه منذ مؤتمر “بريتون وودز” عام 1944، والذي وضعت من خلاله أسس النظام الاقتصادي الدولي، إلى جانب الدول الحليفة، بإنشاء صندوق النقد والبنك الدوليين، ثم اكتمل الثالوث الذي وُضع للتحكم في المتغيرات الاقتصادية بإحداث منظمة التجارة “الجات” عام 1994. وهي أذرع فاعلة في مشروع الهيمنة الغربية، من جهة استخدامها في التأثير في العلاقات الدولية. وفي المحصلة تفردت الولايات المتحدة إلى جانب الدول الصناعية الكبرى بالسيطرة التامة على هذا الثالوث الاقتصادي، وبالتالي على الاقتصاد الدولي في تدشين لعصر جديد عنوانه، سيادة السوق العالمية، شعار الليبرالية الجديدة التي اُعتُنقت كمذهب بشر حِواريُوها بأنها خلاص العالم في خطاب لأيديولوجيا الكونية الإجبارية. وكل ما قامت به هذه المؤسسات خدم الاقتصاد الأمريكي والدول الصناعية الكبرى، على حساب البلدان ذات الاقتصاد المتوسط والضعيف، وراهنت هذه الدول من خلال تلك الأجهزة في جعل بلدان ما سمي “العالم الثالث” سوقا للسلع، من أجل تصريف فائض العرض الموجود لديها، للتخلص من الكساد التجاري. وضمن هذا السياق فرضت الولايات المتحدة اقتصاد السوق المعولم لتبقى تحتل المركز على حساب دول الأطراف، وساعدها في كل ذلك الدولار، العملة المتداولة عالميا وهو يُطبع من دون مقابل، عكس العملات الأخرى. وأصبح بذلك انهيار الاقتصاد الأمريكي يُشكل ضررا للدول التي لديها احتياطي من الدولار، ومنها اليابان والصين وروسيا ودول الخليج. وإلى الآن يُهيمن الدولار على معظم عمليات التداول النقدي، وعلى حوالي ثلث التبادل التجاري السلعي حول العالم، وهو العملة المحددة لأسعار النفط العالمية وتداولاته و”لولا استخدام العالم للدولار كعملة دولية لأفلست أمريكا” كما قال جيمس بيكر، رغم أن العالم خُدع منذ اتفاقية “بريتون وودز” التي جعلت الدولار هو المعيار النقدي الدولي لكل عملات العالم، حيث تعهدت حينها الولايات المتحدة الأمريكية أمام دول العالم بأنها ستمتلك غطاء من الذهب يوازي ما تطرحه من دولارات، وفاجأ بعد ذلك الرئيس نيكسون الجميع بأن أمريكا لن تُسلم حاملي الدولارات ما يقابله من ذهب، لأنها ببساطة كانت تطبع الدولارات من دون وجود الغطاء الذهبي أصلا ، وباعت الولايات المتحدة بذلك الوهم فقط لتستغفل العالم في خدعة كبرى لم يتمكن أي طرف إلى الآن من رفضها، أو الاعتراض عليها، وإعلان التصدي لمثل هذا النظام النقدي الظالم، الذي وفّر الرفاهية المطلقة للأمريكيين، على حساب باقي سكان الأرض. وحققت أمريكا بعد ذلك سيطرة مهمة عبر شركاتها العابرة للقارات وأبرزها كوكا كولا، ديزني، أكسون موبيل، ونايكي، وول ماركت وفورد وغيرها، رغم أنها تركت لدى الشعوب شعورا بالغضب، خاصة بعد الأعمال العدائية التي أقدمت عليها واشنطن منذ التسعينيات، رغبة في الهيمنة على النظام الدولي، والسيطرة على مقدرات الدول وخنق اقتصادياتها، وكانت الحروب الهمجية والقوة الخشنة عنوان هذه الحقبة التي نعاني مخلفاتها إلى الآن. وعبر آلية العملة الدولار، والمخالطة المادية والفكرية، تم العمل أيضا على تعميم النموذج الثقافي الأمريكي إلى جانب السيطرة الاقتصادية، وحرصت الامبراطورية “المارقة” على عزل البلدان النامية والفقيرة، وأبقت شعوبها في حالة من الجهل المعمم والتبعية والتخلف والعوز. وهيمنت على ثرواتها وأغرقتها بالسلع للتخلص من كساد العرض التجاري لديها، وكان ذلك على حساب الصناعات المحلية. وخلف مقولة العولمة والقرية الكونية، يُعاد من جديد إخراج مشهد الاستعمار التقليدي بين “المرشدين الدوليين” و”الزبائن” وعماده التنافس الاقتصادي والمصالح النفطية والمناورات الجيوسياسية. والشركات الربحية في سوق العولمة لها دور رئيسي في تشكيل الاقتصاد، وفي تغيير بنية المجتمع وتعاقداته، في عملية وأدٍ واضحة لاستقلالية القرار السياسي والمالي. وتلك “سياسة الإجبار” المتصلة بالعولمة التي تمارس تجريد سياسة الدولة الوطنية من قوتها. ومن الممكن في أفق مفهومي من هذا القبيل اعتبار العولمة عنوان “مجتمع الخطر العالمي” الذي يقتل المسافات ويلقي بالإنسان في أشكال حياتية عبر الحدود الوطنية، غالبا ما تكون “غير واضحة” وغير مرغوب فيها، خاصة مع ارتفاع منسوب التناقض في النظام العالمي وتدهور الاقتصاديات الوطنية بفعل التدمير الليبرالي وسيادة السوق العالمية. ولا جديد في العهد الجديد بسبب بقاء النهج الليبرالي نفسه للعولمة التي تقسم سكان العالم إلى أغنياء معولمين بتعبير زيغمونت باومان، وهم يسيطرون على الثروة ويتغلبون على المكان ولا وقت لديهم، وفقراء معولمين أيضا ولكنهم مقيدون إلى المكان وعليهم أن يقتلوا الوقت الذي لا يعرفون ماذا يفعلون به.

لطفي العبيدي/ كاتب تونسي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *