الأمــة بيــن الفطنــة و البطنـــة

هي استلهام من حكمة قالها الإمام علي بن ابي طالب كرّم الله وجهه، “البطنة تذهب الفطنة “ و لعلّه غني عن التذكير بأنه الرجل صاحب الحكم الجمّة التي أحصاها له بعض الأدباء في ميدان التربية و علوم النفس لوحدها ففاقت العشرين ألف حكمة!، بما يجعله فوق كل حكماء الدنيا، و هي مفخرة للمسلمين، و كيف لا يحصل لنا الشرف، بمرتبة هذا الأسد و هو الذي تتلمذ مباشرة على شيخه و قائدنا، رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم، صاحب الرسالة الذي قال فيه تعالى “ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ .. {البقرة/129} “، فبركة رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلّم، لا بدّ أن تكون هي المتفوّقة على كل مدرسة تلقى فيها طلاب العلم معارفهم، لان اقرب الناس الى الله اقربهم للحق و لفهم الدنيا و اسرارها. بقلم الباحث والكاتب في الفكر الإسلامي حسين قهام والمتخصص في فقه الجماعات الإسلامية

حرث الدنيا للجسم و حرث الآخرة للروح

«مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ {الشورى/20}” إن الجري وراء الحياة الدنيا يهدف الى اشباع الجسم بالماديات و الملذات، و السعي الى الله اشباع للروح بالمعنويات و البركات “ لا تنظر الى الأواني و انظر الى المعاني لعلك أن تراني “الكلمة هذه، جات لتقول للمسلم، لا تكثر من الأكل فإنه يقتل العقل، تفعيل المعدة تعطيل للفكر، و الاكل بمفهومه العام، هو النهم، و الجري وراء الدنيا و ممتلكاتها، فإن في ذلك، ما يصرف العبد عن ربّه، لأن المهتم بالجسم و الجسد يهمل العقل و الروح، و هي مناقضة لصفات المؤمنين حيث وصف المنقطعين اليه بالمقنطعين عن الدنيا “  كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ {الذاريات/17} “ عكس المعرضين عن الله، حيث ألهتهم الدنيا حتى نسوا ربهم “ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ {الحجر/3} “ – “ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا “- “ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ {محمد/12} “- فالوصف المجمل للحياة الدنيا هو أن يقال عنها بأنها غرّارة “ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ {الحديد/20} “ – “ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ {آل عمران/14} “ فهل ينجو العبد يوم الحساب بجمال ملامحه و رونقة مظهره أم بعقله المتبصّر و روحه الزكية ؟ و في هذا الصدد قيل الكثير من الكلام الطيّب، مدارها حول المعاني التالية: ضع رجلك في الثرى و عقلك في الثريا، لا تكن ابن التراب لأنك خلقت لتكون ابن السماء، لا تتّبع المخلوق و لا تغفل عن الخالق، من ركّز على الفاني فهو من الهالكين و من نظر الى الباقي أوشك ان يكون من المقربين. فإذا علمت كل هذا أخي الكريم، أدركت أن الدنيا دار عبور و من كثرت شغلاته فيها، غفل عن شغلات الآخرة “ فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم “ من خلال هذه التعليمات التي هي تنبيهات ايمانية، يتعلّم المؤمنون كيف يتنافسون على الفوز برضا الله تعالى و لا نقول الجنة لأنها ثانوية أمام مولاها، إذ لا يكون المخلوق هو الغاية بدل خالقها. لذا فلم تُؤثر أية أقوال أو آثار للصالحين يبكون فيها انعدام الرفاهية و المال أو المادة، و لا أنهم سخّروا أوقاتهم في جمع ملذاتها أو التسارع في  الإكثار من ثرواتها، لذا نستعجب كيف انقلب الحال بالمسلمين اليوم، و الذين صاروا يسخطون من عدم الثراء و لا يبكون على عدم التقوى و انعدام العلم، فقد فاقوا النصارى الذين لا يسعى المواطن فيهم حين يجتهد في عمله لا لكي يصير غنيا بل حريصا على تحصيل العلم و المعرفة. فأي الفريقين يشبه حال من يؤمن بالله و من يكفر بالمادة و الحياة ؟ ذم المقاولين في القرءان لقد ذمّ الله سبحانه و تعالى قوم عاد و ثمود في القرءان العظيم، حين وصفهم بالمتكالبين الى البناء و تشييد القصور حتى نسوا ذكر الله و من ثمة، أنكروا النبوات بسبب تعلّق قلوبهم بحب الدنيا التي أودت بهم الى النار، و هي نتيجة حتمية، حيث ان القلب لا يتحمّل الازدحام، فإما حب لله و إما حب غيره “ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ {الشعراء/128} وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ {الشعراء/129} وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ {الشعراء/130} “ و قال ايضا “ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ {الشعراء/149} فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ {الشعراء/150} وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ {الشعراء/151} الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ {الشعراء/152} “. لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلّم، صفة دالة على ذمامة بعض العرب و ستظهر فيهم في آخر الزمان، “ قال و ما أمارتها – اي الساعة – قال:  أن تر الحفاة العراة يتطالون في البنيان “ و الغريب في الحديث، أن تطاول البنيان لا يكون من علامات الساعة الا إذا دخل فيه العرب، كما يدل عليه الحديث بكل صراحة، أي ان الامم الأخرى لا خوف منها لو أنها نجحت في دنياها، الا العرب، حيث دل قوله “ الحفاة العراة” عليهم فهذا وصف شائع في الأدب و التاريخ عن حالهم إذ لا يقال في غيرهم،  فهم عموما أهل غلظة و شهوة لا يعرفون للحضارة معنى و لا للقيم ثمنا، همهم النهم و النهب و الجريمة، فإذا ملكوا الدنيا توجّه بالهم الى التخريب و الاسراف و الافساد، لا الى نفع البشرية، كما هو حاصل اليوم مع امتلاك حفاة و عراة الأمس بالخليج للثروة الطائلة، فتطاولوا في البنيان تعبيرا عن علوّهم و استكبارهم، ويتأكّد حبعهم و طبيعتهم الفاسدة من ميلهم الى استخدام قُدراتهم المالية في تمويل الحروب و الارهاب و التخلف و الفجور و التكرّم على المومسات و زرع الجريمة الدينية في العالم بأسره، فصارت الوسائل المتاحة لهم، سبيلا الى الافساد لا الاصلاح كما هو الحال عند باقي الشعوب و الامم، لانعدام التغذية الروحية و الفكرية عند طلاّب الدنيا و عبيدها. من هنا جاء تحريم ترك الأموال بيد السفهاء “ وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ …{النساء/5} “ لأن من لا عقل له، لا خير فيه العلم يبني الدنيا و الشهوة تقضي عليها إن الغرب الذي توصّل إلى استنطاق الحديد و التحدث الى الناس من بعيد و الطيران في الهواء بلا ربط و لا تقييد، إنما توصّل إلى ذلك بالعلم و المعرفة، فبالعلم تتحسّن المعيشة و تُكتسب القوة و تزدهر الدول، و محلها العقل و الفكر الذي ينمو بالمطاعلة و التعلّم، كما هو شان كل مواطن في الغرب، حيث لا يمرّ على أحدهم يوما دون أن يقرأ قسطا من كتاب معيّن، ليحصل على المزيد من الاكتشاف و الفهم و التبصّر، أما المواطن العربي فيفضّل قتل وقته في التركيز على تتبع المحلات و المشاهدات و القيل و القال و التسكّع في الملاهي و التشبّع بالمأكولات في المطاعم و الاعتناء بالكسب و المظهر و التفنن في الفتاوى. لكن ما عسانا أن نقوله، في أمة يفتي عليها أئمتها، أن الله سخّر لهم الغرب المخترع ليستفيدوا من تعبّه بلا كلل ؟ طـلبة أميّون كثيرا ما نصادف حافلات نقل الطلبة، و هي تعجّ بهم، و لا نرى داخلها و لا طالبا واحدا و هو منغمس مع كتاب او مطالعة، فتراهم منهمكين في هواتفهم النقالة إما للعب او تبادل أطراف الحديث فيما لا يسمن و لا يغني من جوع، و الغريب، أن بعض الناس، يحلو له ان طلبتنا و شعبنا العربي جد واعٍ ! و هي في الحقيقة صفة الجهال لأن العالِم هو من يدرك أنه لا يعلم شيئا و الجاهل هو من يظن نفسه يعرف كل شيء. إن الطالب الجامعي الذين لا يقرأ على الاقل كتاب كل أسبوع، إنما هو طالب شهادة لا طالب علم، فكم من حامل للشهادة لا يحمل العلم “ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {الجمعة/5}” الاتفاق على المطالب الدنيوية إن الشعب الذي لا يطالع لن يطلع عليه النور، لان العلم ونور و عندما ينعدم يحل بدله الظلام، رفيق البؤس و الشقاء الملازمين للعرب. إلاّ أن الغريب في قوم معروف عنهم انهم لا يتّـفقون، أنه قد يحصل لهم الاتفاق حين يستلزم الأمر بالتعاون على التخريب و المطالبة بالدنيا، فكأن البطنة و الرذائل توحّد الجهّال الذين تفرّقهم الفطنة و الفضائل. فلو كانوا ممن يهتمون فعلا بتحسين معاشهم، فإن العلم يحسّنها لا محالة، فلما لم نشاهد أي شعب عربي يخرج للشارع للاحتجاج على الجهل المنتشر؟ هذه هي الغريزة الحيوانية التي تلازم الشعوب غير قبالة للتطوّر، و قد وصف القرءان العظيم، أمر الذين لا يستغلّون أدوات الادراك و المعرفة التي وهبها لهم المولى، بأنهم أبخس من الحيوان، لانهم يلتقيان في امضاء كل وقتهم طلبا للأكل و الشرب و النوم و الشهوة، ثم يصير الانسان أسفل السافلين، لأنه قادر على التطوّر و يأباه، عكس الحيوان الذي لا يقبل التطوّر لانعدام شروطه عنده، كالعقل و الحركة المنتجة “ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ {الأعراف/179} “ ندرة الجامعي المتعلّم لقد تلقيت شخصيا ملفات طلب تشغيل بعد اعلان نشرته في الجريدة الالكتروينة بحثا عن شخص مؤهّل أكلفّه بمراجعة مؤلفاتي لضيق الوقت الذي منعني من القيام بهذه المهمة، و لأسخّر بدلها الجهود المتبقية في تأليف كتب جديدة، و استوقفني طلب أحد المتربصات التي زعمت أنها تتقن اللغات، و خريجة أحد معاهدها بالعاصمة، لكي أجد في طلبها الشخصي عشرة أخطاء ما بين لغوية و نحوية و ما يرتبط بالصرف، فاستغربت و بعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر على الاعلان و وصول أزيد من ثلاثمائة طلب، لم يرق لدرجة القبول الا ثلاثة حالات. ماذا تفعل الجامعة اليوم و هل صارت دار حضانة فقط ؟ . بل إن الاساتذة في الجامعات، يشكون من تدني مستوى الطلبة الذين لا يطالعون و يهتمون بنقل البحوث من الانترنيت، بل إن أساتذة التخرّج الجديد، هم أيضا بذاتهم كارثة يندى لها الجبين. و أتذكّر أن في إحدى الملتقيات في شرق البلاد، صعدنا الى المنصة انا و ثلاثة اساتذة الى جانب المنشّط، و عندما أخذت الكلمة إحدى المحاضرات، توجّع سمعي من أخطائها اللغوية الفاضحة ، فالتفت في تمتمة الى المنشّط و قلت له “ يا لها من طالبة ضعيفة جدا في المحتوى و اللغة “ فصدمني بإجابته قائلا “ يا شيخ، هاذي دكتورة و أستاذة جامعية “ إذا أراد الله بقوم الهلاك، رفع عنهم العلم، لأن الجهل لا يؤدي الى خير، و الأحسن للعرب أن يكفّوا عن التباكي عند حائط الحكومات للمطالبة بمتاع الدنيا الذي لن يشبعوا منه و لو أعطي كل واحد منهم قصرا، و لينهضوا للعمل الذي يبني وطنهم و معاشهم و ليقدّسوا العلم الذي أمر الله بطلبه قبل أن يطالبنا بالعبادة “ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {العلق/1}”  وصف رسول الله الروم فقال “ إنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ “ و قال عن الاسلام “ إن أكثر حملة خذا الدين الأعاجم “ فتنبّه !٠

عن Wakteldjazair

تحقق أيضا

مستقبل فلسطين يملكه المتمسكون بأهداف التحرير والعودة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهووس بالصفقات والبيع والشراء، وصاحب باع طويل في الابتزاز وانتزاع الحقوق …

الفــلاشا ويهــودية الدولة… إذ ينقلــب السحر على الساحــــر

تذهب معظم الدلائل التاريخية، ومقولات المفسرين، إلى أن مملكة سبأ كانت تقع في اليمن، إلا …

الحماية للشعب السوداني

ما يجري الآن في السودان لا علاقة له بالمعنى المتداول والمعروف لمفهومي السياسة والصراع السياسي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *