الرئيسية / مجتمع / الإرث بيـــــن الهــــــــم والفــــــرج

الإرث بيـــــن الهــــــــم والفــــــرج

أروقة المحاكم تعج بها وصلة الرحم المتضرر الأكبر
أصبحت المحاكم اليوم مسرحا لمشاهد خلافات ونزاعات، أقل وصف لها أنها مريعة ومؤسفة، كما أن الصور الحقيقية لواقع ومناظر التنافر، النزاعات، الشجارات والجرائم بين أروقة المحاكم، والتي عبثت بأواصر العلاقات الاجتماعية، لتجعل أكثرها قائما على الماديات والمنفعة المتبادلة، تغلبت حتى على مشاهد ألفناها في المسلسلات والأفلام.

تحتل قضايا الميراث حيزاً كبيراً في عمل القضاة وتشكل الخصومات المتعلقة بها أكثر القضايا المتنازع عليها، خاصة إذا خلف الميت أموالاً طائلة من نقد وعقار وأسهم وشركات، وتزداد القضية تعقيداً إذا كان أولاد المتوفى من أكثر من زوجة، واستبد أحد الأبناء أو الزوجة في ممتلكات الميت قبل قسمة التركة، بحجة تنمية المال للورثة، ومع مرور الزمن يتهم هذا الابن بسوء التصرف في مال الورثة أو الخيانة على حساب نصيب بقية الورثة، ومن هنا تبدأ المشكلة، ويدخل الكل في دهاليز المحاكم التي يصعب الخروج منها، وهي من أكثر القضايا التي تطول فيها المحاكمات والإجراءات، وقد يكون التأخر فيها مقصودا لإرساء الإصلاح، أو أنه
يأتي نتيجة تأخر المعاملات.

قضايا الميراث تقتل ما تبقى من صلة الأرحام
إن أكثر قيمة تأثرت بوصول أفراد الأسرة الواحدة إلى المحاكم لأجل أغراض دنيوية فانية هي أواصر العلاقات الاجتماعية لاسيما صلة الرحم، حيث يدخل الأب وأبناؤه أو الإخوة وأعمامهم أو أخوالهم أو أخواتهم في صراعات من اجل التركة التي خلفها الميت، وذلك حين يغيب الأمل في وصول الجميع إلى الصلح، رغم أن الشريعة تبين حق كل واحد في التركة، وبشكل مفصل ليس فيه أي غموض في سورة “ النساء”، مما لا يستدعي الخلاف، بما أن حق كل واحد ظاهر لا يستدعي إلا أن يقتسموا ما ترك بحضور عقلاء وذوي الاختصاص، ولأن الناس بطباع مختلفة وليس الكل يحتكم للدين والضمير، نجد ولأسباب عدة من يخالف ما جاء في الشريعة السمحاء وما نصت عليه القوانين ويتجرأ على تجاهلها بدافع الطمع، فتجده يستحوذ على الممتلكات ويحرم من معه من الورثة من حقوقهم، وقد يلجأ إلى التزوير أو التحايل على الميت قبل وفاته أو أية أساليب تظهر أن الحق معه وحده، وقد يكون بسبب تداخل الأموال وتنوعها، أو ما طرأ عليها من تصرف غير مرضٍ، أو التأخر المفرط في القسمة، وعندما لا تنجح مساعي الإصلاح بين الأطراف من العائلة الواحدة، يصل الأمر بينهم إلى أبعد الحدود في تخطي الأخلاق والقيم، بالدخول في شجارات واشتباكات بالأسلحة وتبادل السب والشتم بين أفراد العائلة الواحدة، بشكل لا يوحي انهم قد يكونون قد خرجوا من بطن واحدة أو بينهم دم، ليلجأ بعدها المظلومون أو حتى الظالم في القضية وقد يكونون كلهم قد ساهموا في الخدع والتحايل، إلى المحاكم للفصل بينهم واستعجال قسمة التركة، وتخليصهم من النوايا السيئة لدى بعضهم، ومحاسبة المتسبب في التأخير، وكل يحاول أن يكون الرابح في القضية دون أن يأبه بحال قريبه وإن كانت أمه، وأغلب القضايا تنتهي بغض النظر عن الحكم النهائي بقطع علاقات القرابة وحلول العداوة وعدم التحادث مكانها. وفيما يلي بعض الحالات التي استوقفتنا في بعض المحاكم والتي تدمع لها العين وتأسف لها العقول.

تزوير، استخدام النفوذ والتهديد لمنع زوجة الأب من الميراث
حضرت “وقت الجزائر” بعض الجلسات المتعلقة بقضايا النزاع حول الميراث، وكانت البداية مع قضية “لامية.ب” التي كانت متزوجة برجل متزوج وله أبناء، وأنجبت ولدا منه هو اليوم في الثامنة من العمر، وحين تدهورت حالة الزوج الصحية جاء أولاده من الزوجة الأولى من أجل أخذه بغرض العلاج لكن منذ ذلك اليوم لم تتمكن من رؤيته، وبعدها بمدة يسيرة تفاجأت بدعوى طلاق رفعت ضدها من طرف الزوجة الأولى وأولادها بدل زوجها الذي كان “فاقدا للأهلية”، حيث أصيب بالخرف وهو ما تم إخفاؤه عن القاضي وذلك من أجل حرمان الزوجة الثانية وابنها من الإرث، وهو ما تم إثباته بفضل “الخبرة الطبية” إلا أن أبناء الزوج استخدموا نفوذهم كون اثنين منهما شرطيان لتأخير “الخبرة” ما جعل حق الزوجة الثانية يضيع بسبب عدم تمكنها من إتمام الإجراءات في الوقت المناسب، ورغم الجلسات المتعددة إلا أنه وحسب ما أفادت به الزوجة الثانية فإن هناك عرقلة للقانون وتزوير من طرف أبناء زوجها حتى لا تحصل على الوثائق في الوقت المناسب للمحاكمة، وحسبها فإن مجريات المحاكمات توحي بأن مصيرها ومصير ابنها سيكون الشارع في ظل عدم قدرتها المادية على المواصلة في القضية.

بعد فصل المحكمة في قضية إرثهم.. طقم أسنان الأم يعيد الخلاف
احتد الخلاف بين أفراد أسرة  “ك.س”، المكونة من ثلاثة أولاد أحدهم متزوج، وبنتين إحداهما متزوجة والأخرى كانت تعيش مع أمها قبل الوفاة، حيث حين توفيت الأم وتركت وراءها أراض وبيتين كبيرين في القرية وآخر في المدينة، استطاع الابن الأصغر أن يتلاعب بأمه قبل أن تموت وكتبت له تنازلها عن بيتها في المدينة دون علم الآخرين، علما أنه كان يتقاضى منحة والده الشهيد بتوكيل منها، ولم يستطع الآخرون الكلام لئلا تنزعج الأم المريضة، لكن بعد الوفاة أرادوا اقتسام التركة فلم يجدوا إلا الأراضي في القرية التي كانت باسم الأم، ليدخلوا في خلاف مع أخيهم الذي رفض الاعتراف بالاحتيال على الأم إلى أن وصلوا للمحاكم وقد فصلت المحكمة باكتشاف التحايل وأخذه أكثر مما تفرضه الوصية، وقد كان ذلك بعد أن قام القاضي بعدة جلسات صلح، ليعود الأخ الأصغر عن ظلمه لإخوته، ليتم إعادة توزيع الميراث حسب الشرع، لكن ما حدث بعد ذلك أن الورثة دخلوا في نزاع آخر وصل لحد رفع أيدي بعضهم البعض واستخدموا الأسلحة البيضاء من أجل أسنان الأم التي كانت من الذهب، حيث أرادت الأختان والأخ الأصغر الاستحواذ على طقم الأسنان، ما جعل الأخوين يطالبانهم به ولما رفضوا اشتد الخلاف وتعاركوا بالأسلحة البيضاء ليصل الأمر إلى المحكمة مرة أخرى ولا تزال القضية سارية لحد اليوم مع قضايا التعدي والسب والشتم، ناهيك عن قطع العلاقات بينهم وتحولها إلى عداوة.

قصر، معوقون وأميون ضحية تحايل أقربائهم
يظهر جليا لكل واحد يحضر الجلسات العلنية حول قضايا الميراث التي تشكل اليوم أهم أسباب تشتت الأسر الجزائرية، الطمع الذي أصبح يسيطر على ضمائر وقيم الناس، بحيث يشتعل فتيل المشاكل والفتن بين أفراد الأسرة الواحدة بمجرد وفاة الشخص الموروث، إلا أن اغلب القضايا التي تصل إلى المحاكم ناجمة عن تحايل أحدهم على بقية أفراد العائلة، ومحاولة الاستيلاء على ممتلكات المتوفي بالقدر الذي يوصله إليه ذكاؤه وأفكاره الشيطانية، ويكون أكثر الضحايا مسلوبي الإرادة، من أميين، مجانين وقصر وغافلين، وكذا المعوقين، حيث تشغل العديد من القضايا المدافعة عن حقوق هذه الفئات المخدوعة الكثير من جلسات المحاكم، أين يظهر في الأخير أن أحد الأقرباء استغل فرصة عجز أو غفلة أو جهل هذه الفئات عن حقها، ليقوم بالاستحواذ على التركة والتصرف فيها دون أن يردعه احد، إلا إذا تدخل احد ليساعد المتحايل عليهم في المطالبة بحقوقهم بجلسات صلح، تبدأ في إطار العائلة لتصل إلى القضاء عند استمرار المتحايل السيطرة على التركة، أين يصل الأمر بعد الحكم إلى تخلي هذا الشخص عن العائلة.

بعدما سكتت لسنوات، المرأة تطالب بحقها في الإرث بالقانون
كانت المرأة في العقود الماضية القريبة ممن لا يعطي لهن العرف حقهن في تركة الوالدين، حيث يتم اقتسامها بين ذكور العائلة، وقد يكون ذلك باتفاق تعسفي متعارف عليه في القرى، وقد يكون مبنيا على تخلي المرأة عن حقها برضاها، عندما تكون في بيت زوجها مكتفية ما أو أنها ترى أن إخوتها هم أحوج إليها إن كثرت عيالهم وغير ذلك، لكن اليوم تخرج المرأة عن صمتها لتطالب بحقوقها في الميراث، مثلها مثل الرجل، ولأن المجتمع الجزائري اعتاد على أن المرأة لا ترث إلا في حالات نادرة، فإنه أصبح اليوم أمر دخولها في الميراث موضوعا يستصعب تقبله من طرف المجتمع المتشبع بالأعراف، خاصة الرجال، ما جعل طلب المرأة حقها في جلسات الصلح مبنية على التفاهم من أعقد الأمور، لدرجة أن المشكل كثيرا ما ينتهي إلى المحاكم حين يرفض ذكور العائلة إعطاءهن حقهن ليعمدن إلى القضاء في إطار عدم ارتكاز المجتمع اليوم على العائلة وكبار القرية في حل المشاكل وعقد الصلح، لتصبح المحاكم وجهة الأخت، زوجة الأب، الأم للمطالبة بالحصول على حقوقهن، وهنا تبدأ القطيعة التامة.

حياة فلاق

شاهد أيضاً

دعوة إلى تطوير التشريعات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة

لضمان تكفل أمثل بهذه الشريحة أكد مشاركون في أشغال المنتدى الدولي الأول حول ذوي الاحتياجات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *