الإنسانية الغائبة في العالم

انخفضت أعداد النازحين السوريين على الحدود مع الأردن إلى نحو 200 شخص أو أقل، بحسب أحدث المعلومات الواردة من هناك. كان مئات الآلاف قد احتشدوا هناك لعدة أيام، لكنهم فشلوا جميعاً في العبور إلى الأراضي الأردنية، عادوا بعد أن يئسوا وبعد أن أدركوا بأن الموت تحت نيران القصف، ليس أسوأ بكثير من الموت بضربة شمس في صحراء قاحلة.

لا يمكن أن نلوم الأردن على إغلاق الحدود، لأن الأردن ضحية للصراع الجاري في المنطقة وليس طرفاً فيه، ويوجد في الأردن نحو مليون لاجئ سوري (الأرقام الرسمية تتحدث عن 720 ألفاً لكن هناك أعدادا كبيرة من غير المسجلين)، ما يعني أن حوالي 12 في المئة من سكان المملكة الأردنية أصبحوا سوريين، كما أن نسبة اللاجئين إلى عدد السكان الأصليين هو الأعلى على مستوى العالم. الأردن لم يعد يحتمل استقبال مزيد من اللاجئين وليست لديه القدرة أن يفعل ذلك، كما لم يعد بمقدور الأردن أن يتحمل أعباء حرب عالمية طاحنة تدور رحاها في سوريا، كما أن الأردن ليس تركيا التي تحتل المركز الـ17 في الترتيب العالمي لأكبر الاقتصادات في الكون.. والأهم من ذلك هو أن المنظمات الدولية والدول المانحة قدمت حتى الان نحو 30% فقط أو أقل من تكاليف استضافة اللاجئين في الأردن، وتركت الأردنيين يتحملون وحدهم عبء ثلثي التكاليف.  المشكلة ليست في إغلاق الحدود إذن، وإنما في تخلي العالم عن هؤلاء اللاجئين السوريين وتركهم فريسة للحرب، فلا العالم تدخل لوقف الحرب والتطهير العرقي، ولا تدخل لدعم الأردن من أجل استضافة اللاجئين الناتجين عن هذه الحروب، ولا حتى الدول العربية التي كانت داعماً تقليدياً للأردن ظلت تفعل ذلك، بل تُفضل اليوم أن تحرق أموالها في حروب وصراعات مختلفة على أن تدفع المساعدات للأردن من أجل البناء والإعمار والتطوير ومنفعة الناس. العالم وصل إلى درجة غير مسبوقة من التردي الأخلاقي وغياب الإنسانية، وهذا ما فهمه الربع مليون سوري الذين وقفوا لعدة أيام تحت الشمس في انتظار أن يعبروا نحو الأراضي الأردنية، فيما دعت الأمم المتحدة الأردن إلى فتح حدوده بدل أن تدعو المتصارعين إلى وقف الحرب، وبدلاً من دعوة الأثرياء لتقديم المعونة والمساعدة، وبدلاً من دعوة الدول المانحة لسداد تكاليف استضافة هؤلاء اللاجئين، وتكاليف تضميد جراح هذه الكارثة الإنسانية. الكارثة الانسانية في سوريا كشفت حجم التدهور الأخلاقي في العالم، وفضحت حجم التغاضي الغربي عن انتهاكات حقوق الإنسان، لكن الأهم من ذلك أنها أعادت إلى الذاكرة «الكارثة الفلسطينية» التي يتجاهلها العالم، ابتداء من كارثة لجوء ستة ملايين فلسطيني وتشريدهم في مختلف أنحاء العالم، وليس انتهاء بالحروب المتواصلة على قطاع غزة، بما فيها حرب الابادة البطيئة التي تتمثل في الحصار الخانق.  والخلاصة هنا، هو أن السوريين والفلسطينيين يدفعون اليوم بكوارثهم ومصائبهم ثمن الانهيار الأخلاقي العالمي، وثمن غياب الانسانية، وما حدث على الحدود السورية الأردنية خلال الأيام الماضية تأكيد جديد على أن العالم لا يُفكر بحقوق الإنسان ولا بأي مبادئ أخلاقية أخرى، ويفتعل الحروب والصراعات ثم يلقي بنتائجها على الآخرين يريد منهم أن يتحملوا أعباءها.

محمد عايش/ كاتب فلسطيني

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *