الرئيسية / أقلام / الانتخابات التونسية ومفاجآت حركة »النهضة«

الانتخابات التونسية ومفاجآت حركة »النهضة«

أثار ترشيح حركة «النهضة» التونسية المواطن اليهودي سيمون سلامة ضمن إحدى قوائمها في الانتخابات البلدية جدالات مثيرة في الأوساط السياسية والشعبية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتصاعدت الاتهامات لـ«النهضة» بدءاً من اعتبار أن الحركة الإسلامية تقوم بمناورة استعراضية، وبالتطبيع مع إسرائيل، وإرضاء الغرب، ومخالفة للشرع وبأنها تحوّلت إلى حركة علمانية، وصولاً إلى انتقادات (وشتائم) أشد بكثير.

من جهة أخرى، دافع العديدون عن قرار الحركة فاعتبر البعض ذلك تفعيلا لمبدأ المواطنة الذي ينص عليه الدستور، ووجد آخرون في الاتهامات مزايدة سياسية، كما دافع البعض الآخر عن خطوة «النهضة» واعتبرها إدماجا ليهود تونس في العملية السياسية والرهانات الانتخابية يساهم في تخفيف مشاعر الاضطهاد.
يدخل قرار «النهضة» المذكور ضمن استراتيجية عامّة لتطوير خطابها وتفعيله من القوالب الصلبة التي ترسخت ضمن الحركات الإسلامية عموماً، وقد قامت، ضمن هذا السياق، بترشيح امرأة لرئاسة إحدى قوائمها الانتخابية، وهي بذلك تخالف اتجاهاً قديما ضمن المجتمعـــــات الإنسانية كافّة، وليس المسلمة فحسب، يحطّ من شأن المرأة ويهينها ويمنعها من دخول الفضاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
تخضع هذه القرارات، عموماً، لتوجّه جديد تحاول حركة «النهضة» تكريسه، بدءاً من إعلانها فصل العمل السياسي عن الدعويّ، وإعلانها عن كونها حزباً سياسياً تونسياً لا يلتزم بقرارات خارجية (بمعنى أنها لا تنتمي للتنظيم الدولي لـ«الإخوان المسلمين»)، وتأكيدها، كما حصل في الأمثلة السابقة، على انفتاحها على الأقليات والنساء، واحترامها للديمقراطية والمؤسسات المدنية ومبدأ تداول السلطة.
أهمّية هذا التوجه في كونه يقدّم مثالاً فريداً ضمن الحركات الإسلامية في وقت تنامى فيه التطرّف الأيديولوجي الدينيّ في العالم بأجمعه، وزادت وحشيّة وتغوّل دول الاستبداد في الدول العربية، وتصاعدت العنصرية في الغرب وراج إعلان كراهية الإسلام رواجا شديدا، وتعمل الدول الرافضة للتغيير والمؤيدة للثورات المضادة على وأد محاولات تحديث الفكر السياسي الإسلامي، وإدراج حركاته ضمن المجال العام، في الوقت الذي تفتح فيه المجال لحركات السلفيّة الرجعيّة المؤيدة بشكل مطلق للسلطات، ولفقهاء السلاطين ووعاظهم الذين لا يهمهم غير تبرير سياسات الحكام.
وسواء اعتبرنا ما تفعله «النهضة» مناورات سياسية وتكتيكات انتخابية، أو وجدنا في اتجاهها محاولة لتحديث حركات الإسلام السياسي وخرطها في قضايا مجتمعاتها الاقتصادية والاجتماعية، فإن الدرس الذي تقدّمه جدير بالاهتمام، ليس من نظرائها في الحركات الإسلامية، بل كذلك من خصومها.

القدس العربي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *