الانحراف، الرذيلة، والإدمان مصير أطفال الطلاق

عندما تدفع البراءة ثمن أخطاء الكبار

يعتبر أطفال التفكك الأسري أكثر عرضة للانحراف وما يصاحبه من مخاطر قد تصل إلى درجة ارتكابه جرائم شنيعة تصل حدّ القتل، في وقت يرجع الكثير من المختصين أسباب هذا الانحراف إلى غياب الاهتمام والرعاية من طرف الوالدين الذين أعلنوا الشقاق وتركوا الأطفال في مفترق الطرق.

يعد التفكك الأسري من الظواهر الاجتماعية التي عرفت انتشارا كبيرا في السنوات الأخيرة، والأكيد أن لهذا الوباء الاجتماعي انعكاسات سلبية جدّ خطيرة، على الأبناء الذين يكون غياب أحد الوالدين على البيت والأسرة، سببا كافيا لجرّهم للانحراف، فغالبا ما يكون الطفل هو الضحية سيما إذا قرّر الوالدان إعادة حياتهما من جديد تاركان طفلا في مفترق الطرق، وفي السياق يقول “مروان” في عقده الثاني إنه وعلى الرغم من الرعاية التي حظي بها من طرف جدته/ إلا أن زواج والدته من جديد وزواج والده قد أثّر في نفسيته كثيرا وبات طفلا منعزلا ولا يثق في كل من حوله حتى أنه حاول عدة مرّات وضع حدّ لحياته لولا تدخل أفراد من العائلة ووجهوا له النصيحة والمرافقة النفسية الضرورية لكانت الكارثة. طلاق والديه كان سببا في دخوله عالم الإدمان “أنا حاليا مدمن مخدرات، وهذا كله نتيجة حتمية للطلاق والدي اللذان لم يكترثا لا لحالي ولا لحال إخوتي، وأصبحا يلعبان بنا مثل الكرة بينهما”، هذه هي العبارة التي بادر بها “حسام” عند سؤالنا له عن السبب الذي جعل منه مدمن مخدرات. ويقول “حسام” إنه أصبح مدمن على المخدرات وهو في سن الـ16، محملا المسؤولية لوالديه اللذين قررا الانفصال ووضع حد لعلاقتهما بعد مشاكل كبيرة بينهما، والتي كانت سببا في لجوئه إلى الإدمان كحلّ أنسب للابتعاد عن المشاكل والضغوطات النفسية الكبيرة التي عانى منها. ويضيف محدثنا، أنه بات يقضي كامل وقته في الشارع على العودة إلى البيت، وهذا لأن الحياة باتت لا تطاق في بيت كان يجمع شمل كامل العائلة، ليصبح بيتا بلا طعم بعد طلاق والديه، ويقول “حسام” إن تلك الشجارات والصراعات الدائمة التي كان يقوم بها والده على مرأى عينيه أثّرت على نفسيته وجعلته شخصا عنيفا وشخصا مدمّر نفسيا، وهو بالتأكيد ما انعكس بالسلب على دراسته ودفعه إلى التخلي عنها، رغم أنه كان من التلاميذ المتفوقين، “فأنا في هذه الفترة أصبحت لا أرى مستقبلا لي، ووجدت في المخدّرات المؤنس في وحدتي ومخلّصي من مشاكلي، إلا أني كنت مخطئا وأنا الآن أبحث عن العلاج من هذا السمّ الذي سيطر عليا”.

“غياب الحبّ والحنان، هو ما جرّني إلى الانحراف”

على غرار “حسام ” “أماني” هي الأخرى من ضحايا الطلاق، تقول هذه الشابة والتي تبلغ من العمر 20 سنة إن انفصال والداها كان له أثرا كبيرا عليها، وتضيف أن والداها انفصلا وهي في الـ 15 من عمرها وهي السن الحساسة في حياة كل شاب وفتاة، وتقول إنها في هذه المرحلة العمرية كانت في أمس الحاجة لوالديها، ولكنهما وللأسف لم يهتما بها ولا بمستقبلها، وكان كلّ همهما هو مصلحتهما وفقط، مطبّقين المثل الذي يقول “أنا والطوفان من بعدي”. وتضيف محدثتنا، أن والدها وبعد طلاقه من أمّها مباشرة قام بإعادة الزواج من امرأة أخرى، فيما بقيت هي عند والدتها في الفترة الموالية لطلاقهما، أين كان ينفق عليها، أما فيما بعد امتنع عن الإنفاق، قبل أن تعيد والدتها الارتباط من رجل آخر، وتضيف “يبدو أن هذه الحياة  ليس لي مكان فيها، فوالدتي لم تكترث بي وتركتني  لجدتي والتي كانت عجوز كبيرة في العمر”، فهذا الإهمال وعدم الشعور بالمسؤولية تجاهها  جعلها تبحث عن الحب والحنان خارجا، والذي لم تحضا بهما من قبل والديها. في نفس السياق تقول “أماني” وهنا استغل رفاق السوء الوضع والحالة النفسية التي كنت فيها، وبدأوا يجرّونني إلى الانحراف ونصحوني بربط علاقات عاطفية مع الشباب، وهكذا بدأت رحلتي مع الانحراف، والتي امتدت إلى ارتكاب الرذيلة معهم، والتدخين ووصول إلى تعاطي الكحول، وتقول “أنا أحمّل كامل المسؤولية لوالداي اللذين أكملا حياتهما ونسيا أن لهما ابنة، ولكن والحمد لله أنا الآن وبفضل الله أعدت كل حساباتي ورأيت أن الطريق التي كنت فيها هي طريق لا تؤدي إلى الخير”.

مختصون نفسانيون: “الإهمال هو السبب الرئيسي لانحراف الأبناء”

أكد مختصون نفسانيون أنه لا يمكن اعتبار العلاقة بين طلاق وانحراف الأبناء علاقة سببية، غير أنه في حالة الطلاق الأطفال يكونون عرضة أكثر إلى الانحراف إذا كانت المشاكل موجودة في الأسرة. ويرى مختصون آخرون أن لجوء الأبناء إلى الانحراف مردّه غياب التعويض من طرف الآباء، والذي نقصد به غياب الحبّ والحنان والعطف الذي يقدمه كل من الوالدين، في حال حصول الطلاق، أين يكون الطفل أو المراهق في أمس الحاجة إليه، وهذا التعويض يكون أيضا بعدم سماح الأمّ للأب بزيارة الأبناء وأيضا إعطائهم صورة سيئة عنه، أو العكس الأب يرسم صورة سيئة للأبناء عن والدتهم أو أن هذا الأخير لا يسمح للأم بزيارة أولادها. وفي ذات السياق، يقول المختصون إنه في بعض حالات الطلاق يلجأ الطفل إلى الانحراف إذا تزوج أحد الطرفين سواء الوالد أو الوالدة، هنا يتحول غياب التعويض إلى إهمال والذي يكون إما إهمال مادي ويكون هذا في الأمور المادية كالإنفاق على الطفل من مأكل وملبس وغيرها من الأمور المادية التي يكون الطفل في حاجة إليها، أو إهمال نفسي  والذي يكون من  الناحية النفسية كغياب الحب، والحنان، والعطف والأمن باعتبار أن الطلاق هو غياب الأمن وفي غياب أحد الولدين يكون الطفل في حاجة إلى الحب والحنان الذي يقدمه كلاهما.

مختصون اجتماعيون: “تخلّي المجتمع على المطلقة سبب لضياع الأبناء”

يرى مختصون اجتماعيون أن وضعية الأطفال بعد الطلاق مرتبطة بالعديد من الوضعيات التي يكون فيها الأولياء، فالوضعية الأولى تكون فيها الأم غير متعلمة وغير عاملة هنا تكون عملية التحكم في الأبناء جد صعبة لأنها فاقدة لآليات التحكم في الأبناء وخصوصا في الشارع، وفي نفس الوقت ليس لها راتب  وبالتالي هي في وضعية هشة أي أنها لا تستطيع الإنفاق على أبنائها،  بالرغم من  أن النفقة التي يقدمها الأب إلى أبنائه زهيدة لا تكفي فهي في بعض الأحيان تقدّرها المحكمة بـ2000 إلى 4000 دينار  دون أن ننسى أن الأسرة في الوقت الحالي ليست كالماضي فقد أصبحت لا تتكفل بأبناء الأخت أو أبناء الابنة، وهذا راجع إلى تخلي المجتمع عن القيم . ويبرّر المختصون انحراف الأطفال بعدة عوامل منها انشغال الأم بتوفير لقمة العيش، وعدم وجود سلطة خاصة بالنسبة للمراهقين، وبالتالي كل هذه العوامل تؤدي -حسبهم-  إلى تمرد الطفل لاسيما المراهق على أسرته، أما بالنسبة لوضعية الأم المثقفة والعاملة هنا تكون عملية التحكم في الأبناء سهلة فهم لا يشعرون بالفراغ وهذا من ناحية المصاريف والرعاية أي أنها تقوم بالتحكم في آليات الرعاية، من خلال توفير الاكتفاء لهم فالأبناء لا يشعرون بغياب الأب وبالتالي نادرا جدا أن نجد أبناء منحرفين في هذه الوضعية. وفي الوضعية الثالثة الأبناء بعد حالة الطلاق يعيشون حالة مزرية، وخصوصا من الناحية النفسية فهم يعيشون احتراق نفسي على الأب لأن بعض الآباء بعد الطلاق يخلطون بين طلاق الزوجة والأبناء، فصفة الطلاق يمارسها على باقي أفراد الأسرة، لأن ثقافة الطلاق عندنا عدوانية، وأما في الوضعية الأخيرة انشغال معظم المطلقات بدوامة أوراق الطلاق والمحاكم، وتنسى أن لها أبناء يجب عليها رعايتهم.

أئمة يردون:  “الشريعة الإسلامية شرّعت طلاق الزوجة وليس طلاق الأبناء”

أكد الإمام “ع. ب” أن الشريعة الإسلامية حثت على ضرورة الاهتمام بالأبناء وخصوصا بعد الطلاق، وهذا من جانب الأم وأيضا الأب، فالله عز وجل شرع الطلاق بين الزوجين ولم يشرعه على الأبناء، فالوالد لابد له أن ينفق على أبنائه وهذا ضروري ومن واجباته كأب بل هو فرض عليه، ولكن للأسف هناك بعض الآباء يتخلّون عن مسؤولياتهم متجاهلين أن هذا الإنفاق هو فرض من الله تعالى. وأضاف الإمام القول أن الاهتمام الذي أمر الله به الآباء تجاه الأبناء لا يقتصر على الجانب المادي فقط، وإنما يمتد إلى الجانب النفسي فيجب عليهم أن يحيطهم بالحب والحنان، ويعوضوهم عن البعد الذي بينهم بالمزيد من العطف والاهتمام.

محامون: “المشرّع الجزائر كفل للطفل حقوقه بعد انفصال والديه”

أكدت المحامية “أ.ع” أن المشرع الجزائر كفل للطفل حقوقه بعد انفصال والدية وهذا وفقا للمادة القانونية 62 والتي تنص على ما يلي: “الحضانة هي رعاية الولد وتعليمه والقيام بتربيته على دين أبيه والسهر على حمايته وحفظه صحة وخلقا ويشترط في الحاضن أن يكون أهلا للقيام بذلك”، وأيضا المادة 64 التي تتكلم عن حقّ الحضانة فالمشرع كفل مجموعة من الحقوق من بينها الحضانة والتي تنتقل بين الأم والأب، وأيضا النفقة التي هي من واجبات الأب تجاه أبنائه أو المحضون حتى يبلغ سنّ معين، بالإضافة إلى الحق في المسكن، فالقانون الجزائري يلزم الأب بتوفير المسكن للأبناء سواء بإيجاره أو بشرائه حتى لا يعيش الطفل في الشارع وبالتالي نحميه من الانحراف ومختلف الآفات الاجتماعية التي تحدق به.

ق. م

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *