“البومرداسيون” متمسكون بـ”الحنّة” في أعراسهم

رغم هاجس السحر

لا تزال أعراس بومرداس كمثيلاتها من الولايات الجزائرية محافظة على الكثير من العادات والتقاليد ولعل أشهرها تقليد ربط “الحنة”، هذا التقليد الذي تحرص كل من العروس والعريس على إقامته حسب عادات زمان فيحضر “الطبق” بمختلف مستلزماته لتتقدم إحدى النسوة لربط الحنة للعروس التي عادة ما تتزين بارتدائها “الجبة القبائلية”، ولابد أن يترافق كل هذا بالأقوال الملحونة “التعليلة” التي تترافق مع الزغاريد .

لا تزال العائلات الجزائرية متمسكة بمختلف العادات والتقاليد التي تكون الأفراح والأعراس مناسبة لإحيائها، ورغم كل ما أصبح يميز أعراسنا في الوقت الحالي إلا أن عادات كـ”الحنة” لا زالت باقية تصارع من أجل البقاء ولا زالت تميز أعراس البومرداسيين خاصة رغم هاجس السحر، ويتجلى ذلك في حرص العائلات على القيام بهذا التقليد سواء للعروس التي تحنى مرتين في بيت والدها أو العريس الذي يحنى ليلة الدخلة. تتميز ليلة الحنة بأن لها ما يرافقها من عادات جزائرية خالصة كالزغاريد و”التقدام” أو ما يعرف بـ”التعليلة”، تلك الأقوال الملحونة المنتقاة من عمق تراثنا الجزائري الأصيل التي تقولها النسوة والتي تقشعر لها الأبدان هي نكهة الحنة في العرس “البومرداسي”، فانعدامها يغيب المعنى الحقيقي للحناء لأنه أحلى شيء في العرس، “التقدام” هو روح السهرة الذي يترافق مع الزغاريد التي تشعل المكان بعد كل مقولة، وتقديم “التاوسة” للعروس حسب الرغبة والمقدرة، يفتتح “التقدام” عادة بمقولة “بسم الله بديت وعلى النبي صليت” ثم ذكر ومدح العروس وزوجها وأفراد العائلة وتمني السعادة للعروس وغيرها من التمنيات، من بين الجمل التي تقال أيضا “يا بنتي العروسة يا شجرة الخوخ، أنت رايحة للأرض البعيدة وأنا بيك نزوخ”، كما أن “التقدام” كما يفرح العروس بمدحها يمكن أن يبكيها بتذكيرها أنها ستعيش بعيدا عن أهلها بانتقالها إلى حياة جديدة مع أناس جدد. “حنتان” للعروس البومرداسية تقليد “الحنة” يعطي للعرس نكهة خاصة خصوصا أن العروس “البومرداسية” معروفة أنها تحنى مرتين في بيت أهلها المرة الأولى فيما يعرف بـ”الحنة الكاذبة” والتي تقوم عائلتها بالإشراف عليها قبل يوم من عرسها، أما الحنة الثانية فتكون يوم عرسها والتي تتكفل عائلة العريس بربطها سواء يوم أخذهم للخروف مع الجهاز أو يوم عرسها في بيت والدها، ولا يتم تقليد الحنة إلا بوجود ما يعرف بـ”الطبق” الذي يحوي مستلزمات الحنة من شموع خاصة، حناء، ماء ورد، بيض، حلوى “الملبس” أو كما يعرف بـ”ليدراجي”، قطن وقفازات خاصة بالعروس وأشياء أخرى على غرار العطور والصابون، كما تقوم عائلة العريس بأخذ “الجهاز” والتعريف به للحاضرين في العرس، ويعتبر هذا من التقاليد التي زالت تقريبا في الأعراس الجزائرية، كما أنه لا يمكن أن يتم تقليد الحنة دون “التقدام” والزغاريد مع إعطاء الحاضرين المال للعروس كل حسب قدرته. تقول “أمينة” سيدة من بومرداس إن مهمة ربط الحنة لا تتكفل بها إلا امرأة كبيرة في السن لربطها للعروس والتي قد تكون الجدة، العمة، الخالة، أو الأخت الكبرى، وما يميز الحنة هو تزيين العروس بأحد الألبسة التقليدية والتي يترأسها الزي القبائلي أو زي تقليدي آخر على غرار القفطان والجبادور على خلاف الماضي أين كانت العروس تحنى وهي لابسة برنس خاص بالحنة أو كما يعرف بـ”البنوار”، وبعد الانتهاء من حناء العروس يقوم أحد أفراد عائلتها أو والدتها بوضع بعض الحناء على أيدي العازبات الحاضرات خصوصا الكبيرات في السن كفأل جيد بالزواج بعد العروس، ويوم العرس وفي تقليد لا يزال منتشرا لدى العائلات البومرداسية ولو بصورة أقل من الماضي، تتجه عائلة العريس إلى بيت العروس لأخذ “جهاز العروس” ليعرض على المدعوين ثم ربط الحنة لها، حيث يتقدمن بطبق الحناء إلى طاولة مخصصة بجوار كرسي العروس، ومع تعالي الزغاريد و”التقدام” تتقدم أم العريس أو جدته بوضع الحنة للعروس ثم الرقص بالشمعتين حتى تنطفئان مع التصفيق والزغاريد. حنة العريس.. تقليد لابد منه العريس البومرداسي لم يتخل هو الآخر عن تقليد الحنة فبعد قدوم العروس إلى منزله وانتهاء العرس الخاص بالنساء يأتي الدور على العنصر الرجالي الذين يجهزون مكانا خاصا في الحي أو صالة الأعراس، حيث يلتقي الأقارب، شباب الحي والأصدقاء في مكان واسع مزين بالورود والمصابيح مملوء بالكراسي التي تتقدمها طاولة العريس المزينة بالورود ويتربع عليها طبق الحنة والشمعتين المحمولتين من طرف طفلين من العائلة، كما لا تخلو حنة العريس من “التقدام” بمكبر الصوت الذي يتولى مهمته أحد العارفين من العنصر الرجالي بالتقدام أو أحد العجائز من العائلة وأم العريس، فيما تسترق النظر النسوة من داخل المنزل إذا كانت الحناء في مكان مفتوح خارج المنزل، يحني العريس إصبعه ثم يطلق العنان للاحتفال إلى الصباح يحتفل مع أصدقائه والعائلة بالرقص على وقع “الدي جي” أو الزرنة أو مغني أعراس. السحر يؤرق العائلات خوفا من السحر وإصابة العروس بالضرر لاسيما أن الكثير من العرائس من ضحايا السحر في حنتهن إما طلقن أو حرمن من الأولاد، وقعن فريسة ضعاف النفوس والمشعوذات اللاتي يقمن بالتربص بحنّة العروس لاستعمالها في السحر والشعوذة والأذية، جعل من العائلات تقوم بتطويق أمني حول العروس وطبق الحناء الذي يختفي مباشرة بعد الانتهاء في مكان آمن بعيدا عن أيدي الفضوليين فإن قررت العروس ربط الحنة فعلى الجميع الحذر والحيطة. حنة العروس للعازبات كفأل خير لهن، هو تقليد في طريق الزوال بسبب الخوف من السحر الذي أصبح هاجسا يطارد العائلات الجزائرية التي لم تتخل عن هذا التقليد، حيث أصبحت العائلات تأبى القيام بوضع حنة العروس للعازبات وإن وضعت فبشرط أن بعد مدة قصيرة تحت أعين أحد أفراد عائلة العروس.

فايزة.ب

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *