الثقافة والعلم

نحن دوما نخلط بين المفاهيم والمسميات، ولا نعرف قيمة الأشياء، فما بالك الحكم عليها، فنحن نحكم على العالم بأنه مثقف، والمثقف بأنه عالم، والذي يتكلم في أي موضوع نقول إنه عالم فيه، وكثيرا ما تسمع أحدهم يقول: فلان مثقف في مجال السياسة أو مجال الاقتصاد أو في مجال التاريخ… وهكذا، وهذا خطأ فادح في المفاهيم، فلقد ذكرنا في مقالات سابقة الثقافة وعرفناها بأنها: “معرفة شيء عن كل شيء”، وهذا يعني أن المثقف يجب أن تكون معلوماته موزعة على المعارف والتخصصات، عكس العالم الذي يجب أن يكون عالما بكل التفاصيل في مجال ما. هذه الأفكار كانت تراودني وأنا أشاهد ريبورتاجا في إحدى القنوات الفرنسية، وموضوع هذا الريبورتاج هو شخصية أدبية فرنسية شهيرة، تعد من أقطاب الأدب الواقعي، وهو الروائي الفرنسي الشهير، جي دو موباسان، وكانت الصحفية المقدمة للبرنامج قد دخلت إحدى الجامعات السويسرية الشهيرة، تحمل ميكروفونا تطرح سؤالا واحدا: “هل تعرف جي دي موباسان، وماذا تعرف عنه”، وكانت الإجابة واحدة على لسان كل الطلبة المسؤولين: وهي (لا أعرفه)، وكان الطلبة المسؤولون يدرسون تخصصات متنوعة، فمنهم من يدرس تكنولوجيا، ومنهم من يدرس طب، ومنهم من يدرس تاريخ، ومنهم من يدرس هندسة مدنية… وهكذا، إلى أن عثرت الصحفية على طالب أجاب عن السؤال، وقال إنه يعرفه وتحدث عنه قليلا، وحينما سألته الصحفية عن مجال دراسته قال إنه يدرس الأدب الفرنسي، وحينها استطعت الإجابة عن سؤال طالما راودني وهو: “لماذا هم متفوقون علينا، ولماذا هم متطورون ونحن متخلفون، وكيف استطاعوا أن يقيموا هذه الحضارة ولم نستطع نحن ذلك…”، مع العلم أنني زرت بعض المجتمعات الغربية، وتعاملت مع كثير من الغربيين، ولم أقف على ميزة واحدة تجعلني أقتنع أنهم أفضل منا، فالفرد الأوروبي أو الأمريكي لا يعرف شيئا عن محيطه، وأعتقد أنني عرفت مؤخرا لماذا هم تفوقوا علينا بهذه الثقافة الضحلة البسيطة. نحن أفضل منهم على المستوى الجماعي، بينما هم أفضل منا على المستوى الفردي، فنحن نتكلم في كل شيء، وكل من هب ودب يتكلم في أي شيء، ويفهم كل شيء، وصدق من قال: “العباقرة يتعاملون مع الأفكار، أما التافهون فيتعاملون مع الأحداث” فالمفكر يفكر في كل حدث حينما يتكلم، ولا يتكلم فيه دون تفكير، أما الجاهل فيركب أي موجة، ويتكلم في أي موضوع دون تفكير، والمصيبة أنه يفعل هذا دون أن يجني منه أي فائدة، فقط يريد أن يقول للناس إنني هنا، وإنني أفهم مثلكم أو أفوقكم، إذن فالمسألة ليس فيها إخلاص، وليست من باب “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”، بل هي تندرج تحت إطار المصالح الشخصية، لكن على المستوى الفردي تجد الواحد منا لا يقوم بعمله على الوجه الأكمل، حتى ولو أنجزه فلن يتقنه، والخلاصة أنهم يعيشون لأعمالهم الفردية، ويحاولون تطويرها، للوصول بها إلى درجة الكمال، أما نحن فنعيش للأحداث للوصول إلى مكانة اجتماعية لا نستحقها، وخلاصة القول لو إن كل فرد من المجتمع أتقن عمله الفردي فهذا الإتقان سيعود بالفائدة على المجتمع ككل، أما الفهم الجماعي للأشياء فلا يفيد المجتمع شيئا، ولا يحدث تطويرا إلا في الجدالات العقيمة الجوفاء، ولله في خلقه شؤون.

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *