الرئيسية / مجتمع / الحـــافلات مســرح لـ ”اللاأخلاقيـــات”

الحـــافلات مســرح لـ ”اللاأخلاقيـــات”

باتت كابوسا يوميا يتقاسمه المسافرون

تحولت حافلات النقل الجماعي، من وسيلة للنقل إلى وسيلة تجمّع مختلف المظاهر السلبية من عنف لفظي، جسدي وتحرش جنسي، واقع مرير يعيشه المسافرون نغّص حياتهم وجعلهم يهربون إلى وسائل نقل أخرى على غرار سيارات الأجرة، القطار والترامواي والميترو والتي قد تخلو من مثل هذه السلوكيات التي باتت لصيقة بحافلات النقل الجماعي.

شجارات، عنف لفظي وجسدي وتحرّش علني بالفتيات اللواتي ضقن ذرعا من تصرفات المنحرفين الذين يحوّلون الحافلة إلى مكان للقيام بتصرفاتهم الشاذة وغير الأخلاقية، هذا واقع النقل عبر الحافلة التي تحولت إلى بؤر ومسرح لهذه المظاهر السلبية التي نغّصت حياة المسافرين، ناهيك عن الازدحام المروري الخانق الذي تعرفه طرقات العاصمة والوضعية الكارثية للحافلات المهترئة والصدئة والتي يجب أن تكون خارج الخدمة منذ وقت طويل، هذا الواقع كان سببا في العزوف عن التنقل عبر الحافلة بالنسبة للكثيرين لاسيما بوجود وتوفّر فرص أخرى قد تكون أسرع، أضمن وآمنة أكثر على غرار القطار، الترامواي، الميترو وسيارات الأجرة.

حافلات منتهية الصلاحية
حافلات مهترئة منتهية الصلاحية هو ما يصلح به وصف نسبة كبيرة من الحافلات التي تتولّى نقل المسافرين بين بلديات العاصمة أو خارجها من الولايات القريبة على غرار ولاية بومرداس، فالوضعية الكارثية والمزرية تجعل هذه الحافلات التي مرّ عليها الزمن سببا في الحوادث والكوارث المرورية عوضا من نقل المسافرين بأمن إلى وجهاتهم، هذه الحافلات الصدئة والمهترئة والتي تبقى في مستودعات التصليح الميكانيكي أكثر مما تقضيه في الطرقات جعلت منها خطرا يترصّد بحياة المسافرين أمام لامسؤولية أصحاب هذه الحافلات الذين يبقى همهم الوحيد الربح على حساب سلامة وحياة الراكب، الذي يضطر إلى التنقل عبر هذه الوسيلة التي قد تؤجّل وصوله إلى وجهته بسبب تعطّلها وسط الطريق، يقول “حسين” في هذا الصدد “أستغرب من وجود هذه الحافلات التي تحسبها من القرن الماضي لازالت تعمل وتنقل ضعف عدد الركاب، فالمسافر بالنسبة له الوصول إلى وجهته هو المطلوب، عيب أن تتواجد هذه الحافلات في عاصمة البلاد، أنا شخصيا أخشى من ركوبها خاصة عند تنقلي من العناصر إلى بئر خادم، معظم الحافلات العاملة عبر هذا الخط لا تصلح للعمل تمشي ببطء شديد كأنها ترجع إلى الوراء”، “نسيم” هو الآخر يضطر أحيانا إلى التنقل من ولاية بومرداس إلى العاصمة فيستقلّ حافلات كبيرة لكنها قديمة جدا، رائحة كريهة واكتظاظ وسير ببطء، معاناة حقيقية لاسيما مع الازدحام الذي يصادفه في الطريق .

بؤر للتحرش والمنحرفين
شجارات، تلاسنات وتحرشات بالعنصر النسوي سواء لفظيا أو بتصرفات غير أخلاقية، هي مظاهر يراها المسافرون عبر الحافلات يوميا، حيث أصبحت هذه الوسيلة مرتعا للمنحرفين والمتسببين في المشاكل، الكلّ منشغل بمشاكله اليومية وعند أول لحظة قد ينفجر في وجه شخص آخر معلنا الحرب حتى لو كان المكان وسيلة نقل عامة، عنفا لفظيا وجسديا تعرفه محطات النقل وحتى الحافلة لاسيما مع ركوب جميع أطياف المجتمع من مدمنين ومنحرفين، دون أن ننسى الشجارات التي أصبحت عادية بين الركاب وقابض أو سائق الحافة خاصة عند التأخر غير المنطقي .
أما التحرش بالفتيات والعنصر النسوي فقد فاق الحدود، حيث تضطر الكثيرات إلى التنقل واقفات في الحافلة خوفا من التأخر عن الدراسة أو العمل، هذا ما يستغلّه بعض المنحرفين الذين يتنوعون بين الشباب وحتى الشيوخ فيجدون الوضع فرصة للاحتكاك بالفتيات، وإذا ما اشتكت الفتاة فإنها تسمع ما لا يرضيها من عبارات أنها من احتكت به وإذا أرادت ألا يلمسها أحد فعليها أن تستقلّ الحافلة أو تبقى في البيت لأن المرأة مكانها الطبيعي هو البيت.

… واعتداءات لفظية وجسدية
وكثيرا ما قد يتطور الأمر إلى محاولة للضرب والتعدي على الفتاة التي لم ترض التحرش بها، وفي السياق تحدثنا “نرمين” وهي عاملة أنها تشهد التحرش اللفظي يوميا إلا أن القيام بتصرفات غير أخلاقية أو الاقتراب منها هي أمور لا تستطيع السكوت عنها لأنها ناتجة عن أشخاص مرضى يعتبرون الحافلة والمرأة الجالسة أمامهم سببا في إظهار عنصرهم الحيواني، تضيف: “مرة كنت جالسة في الحافلة كانت تقريبا فارغة، إلا أن أحدهم جلس أمامي فاعتبرت الأمر غريبا، ولأنني كنت متعبة لم ألاحظ التصرفات الغريبة له، لكن بدأت في الشك واتضح أنه يقوم بأمور غير أخلاقية فتشاجرت معه وخرجت من الحافلة، والغريب أراد تفسير وقاحته بعدم قدرته على تحمل رؤية الفتيات”، “أمينة” هي الأخرى قالت إن التحرش ليس مقتصرا على الشباب فحتى للشيوخ نصيب من الأمر فالجلوس أمامهم أصبح شيئا مستبعدا فليست مرة أو مرتين تشهد تحرّشا منهم، تردف محدثتنا أنها في البداية كانت تحترم أن يجلس أمامها رجل كبير في السنّ لأنه أفضل من جلوس شاب قد يتحرش بها، إلا أنها تفاجأت مرة به يقترب حتى التصق بها محاولا لمسها، فما كان منها إلا أن صرخت عليه أمام الجميع قائلة له إنه لا يحترم شيبه ومن العيب أن يقترب من فتاة في سنّ ابنته أو حفيدته.

مرتع خصب للسكارى والمجانين
لم تعد فقط الأرصفة والطرقات الملجأ الوحيد للسكارى والمجانين والمشرّدين، بل رأوا أنه من الضرورة استعمال حقهم في وسائل النقل كغيرهم من الناس العاديين، خصوصا أنهم لم يجدوا من يوقفهم على متنها، وصاروا يستعملونها بكل حرية ويتحجّج أغلبية السائقين والقابضين أن المتشرد أو المجنون امتطى الحافلة خلسة دون أن يراه أحد، وما على المسافرين إلا تحمّل عاقبة ذلك والتحلّي بالصبر وسط تلك الروائح الكريهة والكلام الفاحش وحتى اللغو الزائد عن اللزوم من طرف بعض المعتوهين.
وقد وضع المجانين والسكارى ومتعاطي المخدرات بصماتهم على متن وسائل النقل، وباتوا الحاضرين الأولين بها بدليل مزاحمتهم للركاب العاديين الذين ملّوا من تصرفاتهم الطائشة والكلام الفاحش المنطلق من أفواههم، وابتزازهم للمسافرين لتتطور تلك الأحداث إلى اشتباكات وصراعات يدفع ثمنها المسافرون.

حروب يومية بين المسافر والقابض
لعلّ أكثر ما يقلق المسافر هو التماطل الذي يعتمده سائقو الحافلات من أجل ضمان أكبر قدر من الراكبين حتى لو كان الأمر على حساب الركاب الذين قد يتسبب لهم هذا التأخر اليومي في الكثير من المشاكل في مناصب عملهم قد تصل إلى الطرد، فالانتظار داخل حافلة في المحطة قد يصل إلى ساعة، رغم التذمر والانزعاج إلا أن السائق يفرض منطقه مبرّرا موقفه أنه يسعى وراء قوت يومه ولا يستطيع الإقلاع بحافلة شبه فارغة، هذا الأمر الذي كثيرا ما يؤدي إلى ملاسنات بين الركاب القلقين من التأخر على عملهم مع قابض الحافلة أو سائقها تصل قد تتطور إلى شجار بالأيدي، في السياق تحدثنا “نوال” وتقول “معاناة يومية أعيشها في محطة النقل بتافورة، أعتبر نفسي محظوظة إذا صادفت الحافلة ممتلئة بالركاب وإلا سأضطر إلى الانتظار لوقت طويل قد يصل إلى حوالي الساعة سيما إذا الوقت قد تعدى موعد خروج العاملين إلى مناصب عملهم”.
وما يزعج الركاب أيضا هو التماطل أيضا في الطريق واعتماد سرعة بطيئة وهي خطة يعتمدها السائقون للظفر بأكبر عدد من الركاب في المحطات المقبلة، وتقول “سعاد” في هذا الصدد إنها تعاني يوميا على مستوى خط حسين داي سعيد حمدين من التماطل الرهيب الذي يتعمّده السائقون، فرغم أن الطريف خال من السيارات إلا أن السرعة بطيئة جدا قد تصل إلى 40 كلم، هذا ما يجعل أعصابها تحترق يوميا فبالرغم من المسافة القصيرة بين المحطتين إلا أن الحافلات التي تتنوع في اتجاهها بين حجوط، زرالدة، تيبازة، بوسماعيل وغيرها يعتمدون جلّهم هذه الخطة من أجل الربح على حساب الركاب البسطاء، -تضيف محدثتنا- أنها لا تستطيع تحمل الوضع سيما عندما تكون متأخرة عن العمل، فتطالب السائق بزيادة السرعة، هذا الأخير يخبرها أنه يتعمّد الأمر من أجل كسب قوته وأنها ليست مضطرة للركوب معه، وتضيف أن هذا الحوار بينها وبين السائق يشعل الوضع داخل الحافلة حيث يطالبه جميع الركاب بإتباع السرعة النظامية لأنه مخالف للقانون ويعطّل أشغالهم.

الطاكسي، ووسائل النقل الأخرى ملجأ الكثيرين
وللهروب من المعاناة اليومية مع حافلات النقل العمومية منها والخاصة يبقى المهرب الوحيد أمام المسافرين التوجّه إلى وسائل النقل الأخرى على غرار سيارات الأجرة، القطار، الترامواي والميترو، ولعلّ ما يضمن الراحة أكثر هو “الطاكسي” لإمكانية التنقل بمفردك حيث أن الوسائل الأخرى بسبب الهروب إليها أصبحت تحمل نفس مواصفات حافلات النقل عدا عن الازدحام، فتقريبا نفس الشجارات والتحرش تقول “أحلام” في السياق “بعد أن أصبح الكلّ يعتمد في تنقلاته على القطار، الترامواي وبنسبة أقل الميترو، إلا أن هذه الوسائل أصبحت مرتعا لهذه التصرفات التي يهرب منها المسافر من التنقل عبر الحافلة فالاكتظاظ الكبير الذي كثيرا ما يعطّل إقلاع القطار يتسبب في وقوع شجارات بين الركاب تصل إلى مراكز الشرطة”، وتضيف محدثتنا “أما التحرش فحدّث ولا حرج حيث يستغل الكثير من المرضى نفسيا وضع الازدحام للتحرش بالفتيات والأغرب في الأمر أن اللوم يلقى على عاتق الفتاة التي كثيرا ما تلتزم الصمت خوفا من الفضيحة أمام جميع الركاب”.
من جهتها، ترى “سميرة” أن سيارة الأجرة هي السبيل الوحيد للتهرب من المضايقات والتحرشات رغم أنها تضطر إلى صرف الكثير من المال إلا أن الوصول في الموعد إلى وجهتها وتجنب الاكتظاظ يجعلها ترضى بالأمر الواقع بعيدا عن حافلات النقل الجماعي التي باتت تنفّر كل مستعمل لها.

فايزة بوشنب

شاهد أيضاً

دعوة إلى تطوير التشريعات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة

لضمان تكفل أمثل بهذه الشريحة أكد مشاركون في أشغال المنتدى الدولي الأول حول ذوي الاحتياجات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *