الرئيسية / أدب، فكر وفن / الرحّالة إيزابيل إبراهاردت.. عاشقة وادي سُوفْ

الرحّالة إيزابيل إبراهاردت.. عاشقة وادي سُوفْ

هي الفتاة التي وجدت في الجزائر جنّتها الأرضية, ووطنها المفقود, فاعتنقت دينها الإسلاميَّ الحنيفَ وساندتها في تعرية بشاعة الاستعمار الفرنسي, وساهمت في ثقافتها, وكل هذا بنشاطها، وبقلمها الجريء، وأسلوبها الرومانسي الدافئ تارة، والساخر تارة أخرى, وهذا ما نستشفّه من كتاباتها، ومراسلاتها الصحفية بجريدتي (الأخبار) و(لاديباش ألجريان). كانت إيزابيل إبراهاردت من أكثر نساء جيلها تحرّرا..

تقول عنها الباحثة جوليات ستيفنسون: “إنها كانت الهيبي الأول في التاريخ، كانت تسافر بدون مال، وتعيش بحسب يومها؛ لم يكن لها أيُّ مبدإٍ له قيمة بالنسبة لها، كانت تدخن العفيون، والكيف، وتلبس مثل الرجال”..
رغم أن هذه الرحالة، الكاتبة توفيت صغيرة لا يتعدى عمرها 27 عاما، إلاّ أنّ حياتها كانت حافلة بالأحداث، والإنجازات، والمغامرات ….

البدء ..
عشقت إيزابيل إبراهاردت الواديَ( وادي سوف)..عشقت ‘سُوفْ’ ونخيلَها، وكثبانَها الرملية، وأزقَّتها وآبَارها، وساحاتِها، ومآذنَها، وإبلها فجاءت كلُّها صورا متناسقة منسجمة في كتاباتها عن الوادي، كما كانت واضحة جليّة في ذهنها ومخيّلتها. لقد بلغ عشقُ إيزابيل للوادي حتى أن الذين عاشوا حياتهم كلها في هذه المدينة لا يمكن أن ينافسوها في معرفتها لها، واطلاعها على أتفه الجزئيات، والدقائق في الحياة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والروحية لهذه المدينة حينذاك وهي التي أطلقت على مدينة الوادي: “مدينة الألف قبّة وقبّة”.
لقد عرفت إيزابيل عن سُوفْ خيرها وشرها، جِدّها وهزلها، عفّتها، وفجورها، عاداتها وتقاليدها. عرفت من أهلها صدقهم وكذبهم، غدرهم وإخلاصهم، صداقتهم وعداوتهم.. كل ذلك سجّلته في نصوص سردية جميلة أشبه بلوحات تشكيلية في غاية الجمال.
وصلت إلى مدينة الوادي يوم 4 أغسطس/أوت 1899 بتكليف بمهمة من طرف (المركيز دوموراس- رطزي) للتحقيق في قتل زوجها في سنة 1895 على الحدود الجزائرية- التونسية- الليبية.
وبعد المضايقات التي حاصرتها من طرف الإدارة العسكرية التي كانت تصفها بالعين الشريرة, وعلقت عليها قائلة: “إن هذه المرأة الروسية بالاسم الألماني وبالزيّ الرجالي (زي الفرسان)، والتي تعاشر القبائل, وترسم، وتكتب لاشكّ أنها ميتودية أو جاسوسة!”
فغادرت إيزابيل إبراهاردت الواديَ بعد خمسة عشر يومًا من قدومها, ثم رجعت إليه يوم 2 أغسطس/أوت 1900 باسم مستعار هو (محمود السعدي)، برغبة الإقامة الدائمة, لانبهارها بطبيعة المنطقة وجمال عمرانها, وحسن أخلاق أهلها, وأقامت بمسكن شعبي وكتبت تقول:
“إنني بعيدة عن العالم, والحضارة! ومهازلها المنافِقة, إنني وحدي في دار الإسلام في الصحراء حرة, وفي أحوال صحية جيدة.. الوادي, البلد الذي لا تُعدُّ قبابه, هي البلدة الوحيدة التي أقبلُ العيش فيها للأبد, دائمًا. أريد شراء أرض صالحة للزراعة, وأجعل فيها جِنانا وبئرًا ونخلاً”.
ثم بعد هذا اشترت إيزابيل حصانًا، وأطلقت عليه اسم (سوف)، وبدأت في رحلاتها الطويلة في المنطقة، وتعرفت فيما بعد على الرقيب (السبايحي سليمان هني)، والذي أصبح رفيقها في الحياة, حيث تزوجا طبقًا للشريعة الإسلامية في الزاوية القادرية بالوادي, وتم العقْد لإيزابيل باسم عربي هو مريم، وهو الاسم الذي كانت تُوقّع به بعض رسائلها, وكتبت عن زوجها سليمان:
“اللهُ قد أشفق علي, لأنه استجاب لدعائي, وأعطاني الرفيقَ الأمثلَ الذي كنت دائمًا أرغب فيه, والذي دونه كانت حياتي ستكون مفككة وحزينة”.

إيزابيل الضحيّة
في 29 يناير/جانفي 1901 تعرضت لحادث أليم, وعنيف في منطقة, (البهيمة) شمال مدينة الوادي من طرف شاب يدعى”عبدالله بن محمد” من الطريقة التيجانية, الذي وجّه لها ضربة سيف أصابتها في الذراع, إصابة خطيرة, بدعوى إهانتها للإسلام, عند تشبهها بالرجال, وفي تقمصها لزيّ الفرسان العرب, وعدم احترامها للشريعة التي تُحرّم ذلك, وهذا دون النظر إلى دوافعها في ذلك، وأحوال البلد الغارقة في الخوف والرعب, هذه الضربة أقعدتها في مستشفى الوادي أربعين يومًا, ومع ذلك فأثناء المحاكمة أشفقت على الشاب عبدالله لأنها علمت أن مدبري الجريمة, هم من عملاء الإدارة (بيرو عرب), ودافعت عنه أمام محكمة قسنطينة في 18 يونيو/جوان 1901, ومع كل ذلك, فقد حكمت المحكمة على عبد الله بالأشغال الشاقة, وعلى إيزابيل بالنفي كشخص أجنبي, وكان حُكمًا قاسيًا وعنصريًا لكليهما من قبل القضاء الفرنسي العسكري, وتأسفت إيزابيل على قسوة الحكم علانية, وكتبت خواطرها نحو الرجل:
“إنني بحثت في عمق قلبي عن الحقد نحو هذا الرجل, فلم أجده، ولا الكره كذلك؟”.
وفي رسالة بتاريخ 7 يونيو/جوان 1901 إلى جريدة (لاديباش ألجريان) قالت فيها:
“لا يا سيدي المدير, إنني لست سياسية ولا عميلة لأي حزب ما, لأنني لا أراهم إلا مغرورين في نضالهم, إنني أريد العيش بعيدًا عن العالم المتحضر!! أريد حياة حرة وبدوية وهذا حلمي, لأجل أن أنقل كل ما أراه, وأنقل قشعريرة الحزن والسحر الذي أحسّ به أمام العظائم المحزنة للصحراء, هذا كل ما في الأمر”.
وأثناء إقامتها في الوادي, التي دامت ستة أشهر, قامت بأعمال خيرية وإنسانية, حيث كتبت في الرسالة ذاتها:
“..بعد حادث الاعتداء من قبل المسمى عبد الله بن محمد, لقد قلت في رسالتي الأولى إن أهل (سوف), ومريدي الطريقة القادرية, وكذلك الطريقة التجانية قد أظهروا بالغ حزنهم العميق, وكامل تأثرهم بعد ما علموا بالحادث المؤلم الذي تعرضتُ له خلال محاولة الاغتيال النكراء, لذا فأنا مُدينة لهؤلاء من أهل وادي سوف الطيبين, وما يتصفون به من حنان، ومودة، وإخاء غمروني به خلال استطاعتي في معالجة السكان, بما لي من معرفة في الطب, من أمراض العيون المختلفة, كالرمد, وأمراض أخرى منتشرة في الناحية, لقد وهبتُ نفسي لعمل الخير, وخير الإنسانية في كل مكان أُوجد فيه..”.
من يومياتها بتاريخ: 05/ 11/ 1901 وهي على وشك الرحيل من الوادي، تسجّل مدّة بقائها في الوادي، إذ تقول:
“أتذكّر الوادي.. أتذكّر البيت العزيز المجاور للكثبان الذرورية.. لا زلتُ هناك في المدينة الفريدة”، “من المحتمل جدا أن أسافر مع قافلة 22، يعني بعد سبعة عشر يوما وسينتهي كل شيء، ربّما إلى الأبد. ولن يبقى لي من حياة الستّة أشهر هذه إلاّ الذكرى اللطيفة، الحزينة، والحنين اللامتناهي”.

عاشقة سُوفْ
لأنها تعلقت بالصحراء الجزائرية، وبخاصة ربوع وادي سُوفْ الذي عشقته وهامت به، وهي منْ أطلقت على مدينة الوادي (مدينة الألف قبة وقبة). عاشت سنوات بهذه الربوع، واختلطت بأهلها، وعاشت معهم، واختلطت بهم، ولبست لباسهم. وتحدثت عن جمال سوف الحالم وطبيعتها الأخاذة، عن ضوئها ونورها، عن شمسها المتوجهة، وليلها الحالم ومساءاتها التي لا يشبهها أي مساء في المعمورة، وعن كثبانها، وغيطانها، ورسمت بقلمها لوحة بديعة لهذا الجمال بريشة فنانة ماهرة.

من يومياتها المؤرخة في 18 جانفي 1901 :
“…أنا هنا منذ زمن طويل، والبلد أخّاذٌ جدًّا، وبسيط جدًّا، بتلك الرتابة المخيفة التي تعطيني الشعور بأنّ تعلقي به ليس ضرْبًا من الخيال العابر، أو الأخلاقي.. لا بكل تأكيد ليس هناك مكان آخر من الأرض سحرني وفتنني مثل الوحْشة المتحركة في المحيط الكبير الجاف الذي يمتدّ من سهول ” قمار” الحجرية، ومضاحل شط ” الملغيري” اللعينة إلى الصحاري العطشى في “سيناون”، و”غدّامس”.
وفي موضع آخر من خاطرة لها بعنوان “ساعة صلاة المغرب” تقول:.. “هكذا أول نظرة لي على الوادي، كانت اكتشافا تاما ونهائيا لهذا البلد الفظّ، والبهيّ الذي هو “سُوفْ” لجماله الغريب، ولحزنه الكبير أيضا.. كان ذلك في أوت 1899، ذات أمسية دافئة، هادئة، وأنا آتية من تقرت بعد قيلولة تحت ظلال حدائق واحة “أورماس”.

كتاباتها عن ربوع وادي سُوفْ
“سيدي مرغني هو ممرٌّ ضيّقٌ بين كثيبيْن رمادييْن بمدخل وادِ مزروعٍ بالنخيل أين تختبئ مجموعة صغيرة من المنازل الفقيرة الآيلة للسقوط، المبنية من الحجر الرمادي الخام بنفس لون الصحراء، والتي عوض السقوف تعلوها قبابٌ صغيرة تجعلك في ‘سُوفْ’ يختلط عليك أفق المدينة بأفق الكثبان الرملية.. تسكن هذه الدشرة قبيلةٌ بربريةٌ قدمت من الشمال منذ زمنٍ طويلٍ، وبقيت محافظة على تقاليدها، ولهجتها الشّاويّة.. من على الكثبان الرملية ينفتح الأفق فسيحًا جدًّا، وأزرق جدّا، ونحو الشرق ترى بحْرًا هائجٌا وجامدًا، كثبان وكثبان على مرمى البصر بعضها قممُه حادّة، وبعضها الآخر قممه مسطّحة ..هنا وهناك عبْر الرمل الذهبي نقاط سوداء متناثرة : إنها حدائق نحو الغرب، سهْلٌ فسيحٌ أدكنُ أين تتناثر القباب أيضًا، وعلى جانبي الدروب المبهمة قبور متعذّرة الحصْر، مبثوثة هكذا دون ترتيب، ودون حائطٍ واقٍ، دون أيّ زينة، ولا خوْفٍ”.
“…الصيف صيف، وأحيانًا يتسلّلان خارج المدينة في الليالي المقمرة، ينزلان إلى أسفل الهضبة التي شُيّدت فوقها مدينة الوادي نحو متاهة الكثبان الرملية التي تُواري في طيّاتها الرمادية الحدائقَ العميقة التي تجتذب، وتضخّ برودة المياه الباطنية في أسفل الحُفر الكبيرة التي تشبه الأقماع العملاقة.. عادة ما يختاران الغيطان المهجورة المجاورة لطريق ‘الدبيلة’، وهناك يتمدّدان على بُرنس عبد القادر المُلقى على الرمل، والذي يوفّر لهما ساعتها سريرًا ملكيا أحمر، فيتأمّلان ظلال النخيل الرقيقة وهي تتلاعب على الرمل الأبيض تحرّكها الريح الباردة، ريح ‘سُوف’ الأبدية، كما يتأملان أشعّة القمر وهي تتسلل خلْف الجذوع المتمايلة، وبين عراجين التمر المُصفرّة، ويستمعان لهمْس الجريد، وكأنه صوت أمواج بحرية”..
“..تعصف رياح ‘الشهيلي’، ويسود صمْتٌ كئيبٌ منطقة سوف الناعسة .يغمر ضبابٌ رمادي السماء، ومن الكثبان الباهتة اللون يظلّ الغبار ينهمر إلى ما لا نهاية كالأمواج الخفيفة لبحرٍ تداعبها الريح”.

الوجه الآخر لإيزابيل إبراهاردت
تستنكر الاحتلال, الذي يناقض شعارات الثقافة الغربية, التي ينتمي إليها الاحتلال, فتكتب: “لماذا أتوا بحضارتهم الفاسدة, وأدخلوها لهذا البلد? أين هي حضارة الذوق والفن, والفكر, التي لدى النخبة الأوربية?!”. كانت ضد ظلم، وتعسف أصحاب السلطة الفرنسيين من ضباط، وإداريين، وأعوانهم المحليين للأهالي:
في قصة النقيب تفضح سلوك العسكريين وعنجهيتهم، وسخريتهم، واحتقارهم للأهالي:
– “أيًّا كانوا فإن الأهالي مجبرون على تحية كل الضبّاط..يقول القبطان ‘مالي’، متصلّبٌ، ومتشدّدٌ في المهنة مثل الجندي القنّاص ‘رزقي’..
– آمرك (الطبيب جاك) بالالتزام بعدم القرب من هؤلاء الناس، وتركهم في مكانتهم الحقيقية.. الصرامة دائما دون تهاون.. ذلك هو السبيل الوحيد لترويضهم.
..حاول جاك الطبيب في البداية أن يتكلم في مطعم الضباط، إلاّ أنه اصطدم بالانحياز الراسخ، والعقيدة الصادقة، والعنيدة لهؤلاء الناس ( الضباط)، وخاصة ما جعله يكفّ عن الكلام، لتهكمهم، واستخفافهم”.
– لا زلتَ شابا أيها الطبيب، وتجهل كل شيء عن هذا البلد، وعن هؤلاء الأهالي.. حين تعرفهم، ستقول عنهم مثلما نقول.
قال القبطان هذه العبارات بنبرة تهكمية جعلت جاك يشعر ببرودة مُخيفة تسري في جسمه. وبتعالٍ أكثر يخاطب القبطان الطبيب بصرامة:
– نحن هنا لنرفع العلم الفرنسي عاليا بصرامة؛ وأعتقد أننا نؤدي واجبنا بإخلاص كعسكريين، وكمواطنين، وأيّ تصرّفٍ آخر يصبح تخليا عن الواجب. نحن عسكريون، عسكريون فقط. أردتُ أن أحذّركَ.
كلّ ما في الجزائر جمالٌ وأصالة
كانت تدون يوميات عن تحركاتها، ورحلاتها، ولقاءاتها بالسكان، وتصف بدقة كل ما تقوم به، أو تراه .. كتاباتها تتميز عن غيرها من الضباط الفرنسيين الذين نظروا إلى الأهالي نظرة احتقار، ورأوا فيهم إلا التخلف، والجهل، كتبوا بنزعة استعمارية عدوانية، ركّزوا إلاّ على الحياة الرتيبة، الجامدة، الخالية من الحركية، والشعور بالجمالية، والنظرة التفاؤلية.
رأت هي أن كل ما في الجزائر يومذاك أرضا، وطبيعة، وإنسانا هو جمالٌ وأصالةٌ. كتاباتها سلسة تتفتق من خيال واسع، وتتوشح بالجمالية.. لغة إبداعية أدبية جميلة.
كاتبة تصف حياة المواطنين يومذاك بكل صدق لأنها عاشت بينهم، تحدثت عن كل طبقاتهم الاجتماعية خاصة الفقيرة، والبسيطة، تحدثت عن نشاطاتهم اليومية، عن شعائرهم الدينية، عن عاداتهم وتقاليدهم؛ لأنها كانت سريعة الاندماج مع السكان أينما حلّت، تعيش معهم، تقاسمهم يومياتهم، فكانت كتابتها صادقة.
حلّت الرحالة الصحفية الكاتبة الأديبة وادي سوف الذي عشقته، وهامت به في 04 أوت 1899 لتغادره دون رجعة يوم 25 فيفري 1901 إذ في يومياتها بتاريخ 08/07/ 1901 بعنوان : “الرحيل عن الوادي يوم 25/02/1901”:
“ذهبت صحبة الطبيب حتى ‘تغزوت’ من هناك اتجهنا إلى بيت الشيخ الحسين. قضيتُ الليلة هناك. يوم 26/02/1901 على الساعة 08 انطلقنا رفقة لخضر الدائرة لنلتحق بباقي القافلة المتوغّلة بين الكثبان”.
بقلم : بشير خلف

شاهد أيضاً

أحب التجريب الذي يتيح توظيف التراث

يرى الشاعر الجزائري “عيسى ماروك، إن الحداثة ليست قطيعة مع ماضينا أو تنكرا له أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *