الرقاة يحيلون الأطباء النفسانيين على البطالة

الاكتئاب، القلق والضغوطات يحلّها الراقي

يبدو أن الراقي في بلادنا بات “حلاّل” لجميع المشاكل التي تصيب الجزائريين، فبعيدا عن السحر والعين التي معروف أن المصاب بها يتجه نحو الراقي، فإن أمورا كثيرة أخرى يقصد أصحابها الرقاة على رأسها الأمراض النفسية وحتى الجسدية في بعض الأحيان.

لا تتفاجأ إن سألك شخص عن مكان راق ما في منطقة أخرى فلا تنصحه براقي الحي أو حتى الحي المجاور، فإنه على الغالب قد جربهما ولم يفيا بالغرض، أو أنه سمع أن راقيا آخر يفيد في أمور أخرى أصابته مؤخرا مثل الاكتئاب، القلق، أو الوسواس وغيرها من الأمراض النفسية التي باتت تعالج هي الأخرى عند الرقاة، وهو ما أجمع عليه الكثير ممن تحدثنا معهم والذين وجدوا في الرقية الشرعية حلا لمثل هذه المشاكل الصحية، التي وعلى الرغم من خطورتها وضرورة استشارة أهلي الاختصاص إلا أن فئة كبيرة من الجزائريين اليوم تستعين برقاة لإزالة الاكتئاب أو الوساوس التي تصيب الشخص، وحتى التلاميذ أو الطلبة المقبلين على اجتياز امتحانات مصيرية فإن أول ما تفكر فيه العائلات هو اصطحاب ابنائها إلى راق كفء لعله يتسبب في نجاحهم في الامتحان ويخفف عنهم تلك الضغوطات النفسية الكبيرة.

أغلب زبائنهم من النساء

القاصد لمختلف العيادات الخاصة بالرقية الشرعية -إن صحت تسميتها-، يلمس الأعداد الكبيرة المتوافدة على المكان، سيما إن كان الراقي قد ذاع صيته خارج الولاية، فإن انتظار سلسلة طويلة من المتوافدين أمر لا بد منه، خاصة يوم عطلة نهاية الأسبوع السبت، فإن دورك ساعتها سيأتي بعد طول انتظار أو ربما لا يأتي، فما عليك سوى الرجوع في يوم آخر للحصول على الاستشارة عند ذلك الراقي، أو تغييره إن كنت في عجلة من أمرك والذهاب إلى راق آخر علّه يجد شفاء لعلّتك.  مشاكل كثيرة تعرض على الراقي فيكفي أن تحضر جلسة رقية واحدة من الأحسن أن تكون للرقية الجماعية حتى تكتشف مختلف الأمراض الجسدية والنفسية التي يعالجها الراقي، ومن خلال جلسة رقية عند أحد الرقاة بالقبة بالعاصمة دامت لأقل من نصف ساعة، تعرفنا على هذه الطريقة الجماعية في الرقية التي تتم من خلال جلوس المرضى على كراسي مصففة على كامل القاعة على شكل حلقة، ويكون الراقي في وسط الحلقة يقوم بتلاوة آيات أو سور من القرآن الكريم على أن تغمض المريضات أعينهن لمدة 10 دقائق إلى ربع ساعة تقريبا، بعدها يقترب الراقي من كل مريضة ويطلب منهن فتح أعينهن ويسألهن عن شعورهن أثناء تلاوة القرآن، وهنا كل مريضة والحالة التي حصلت معها، فبين من تبكي بكاء شديدا بصوت عال، تقوم أخرى بتصرفات غريبة تختمها بالسقوط أرضا، فيما يتقرّب الراقي من هذه الحالات ويواصل قراءة القرآن عليها، ويتحدث أحيانا مع الشخص أو الأشخاص الذين يسكنون بهن، ويأمرهم بالخروج حالا من أجسادهن، هذه الحالات على الأرجح أنهن مصابات بمسّ، أما حالات أخرى فيقمن بالتقيؤ مع صراخ شديد وفي بعض الأحيان يذكرون بعض التفاصيل التي تخص منازل أو أشخاص على الأغلب أنهم تناولوا بها سحرا، وهنا يأمرهن الراقي بمواصلة جلسات الرقية مرات ومرات إلى غاية تقيؤ الشيء الذي تناولن فيه السحر، قبل أن يواصل الراقي جلسة الرقية من خلال تكرير العملية مرتين أو ثلاثة حسب الزبائن الذين ينتظرون خارجا، وفي ختام الجلسة يقوم برقية المياه أو الزيوت التي جلبتها تلك المريضات ويعطيهن طريقة الاستعمال، أما الحالات الخاصة اللاتي يحتجن إلى وصفات خاصة فإن الراقي يتوفر على مختلف اللوازم الخاصة بالرقية من عسل طبيعي، وزيت زيتون، ومختلف الخلطات، أما إذا استدعت الحالة تدخلا للمنزل ورقية لكامل أفراد العائلة فإن الراقي سيتنقل شخصيا لحل مشكل العائلة وربما العثور على “الحرز” الذي وضع للكل وتخليصهم من المشاكل والأمراض التي تلحقهم. الراقي يحلّ محلّ النفساني عبّر لنا الكثير من زبائن عيادات الرقية المنتشرة كثيرا بمختلف ربوع الوطن، أنهم يقصدون الراقي لأمور كثيرة من بينها إصابتهم بالسحر، العين، قلة الحظ، وأمراض نفسية أخرى مثل الاكتئاب، القلق، والوسواس، وفي السياق قالت “نسيمة” إنها كلما أحست بضيق وقلق كبيرين تقصد راقيا بالقرب من مسكنها أين تحس أنها ارتاحت بمجرد زيارته، وتضيف أن تلاوته المميزة للقرآن الكريم تجعلها ترتاح نفسيا، حيث أصبح بمثابة الطبيب النفسي بالنسبة لها، ولدا سؤالنا لها عن سبب زيارتها للراقي بدلا من الطبيب النفسي بحكم أن هذا الأخير هو الذي من المفروض أن يساعدها على الراحة النفسية وتجاوز قلقها وهمومها، قالت محدثتنا إنها لم تزر يوما طبيبا نفسانيا وأن زيارته على حسب اعتقادها مرتبطة بالمشاكل العقلية أو الجنون وهي بكامل قواها العقلية، فيما قالت إنها لا تعرف أصلا طبيبا نفسانيا ولم تصادفها يوما عيادة من هذا النوع. نفس الشيء قاسمها إياه “محمد” الذي قال إنه كلما اقترب موعد الامتحانات يقصد راقي الحي حتى يرتاح من الضغط النفسي الذي يتعرض له أيام الامتحانات، وبالفعل قال إنه يجتاز فترة الامتحانات في راحة وطمأنينة أمام النصائح التي يأخذها من عند الراقي إضافة إلى قارورة الماء المرقي التي لا تغادره طيلة الامتحانات. مرضى مهووسون بالرقاة ومن خلال جلستنا بالعيادة المذكورة، صادفنا إحدى السيدات التي قالت إنها باتت مدمنة على راقي حيها، بعد الراحة الكبيرة التي تجدها كلما قصدته، إضافة إلى النتائج الملموسة التي حصلت عليها، فكثيرا ما عثرت على “حروز” في منزلها بعد اصطحاب الراقي إلى منزلها، إضافة إلى شفاء أبنائها من العين والسحر وزواجهم، بعد أن كانوا “مربوطين” -حسب تعبيرها-، وبكل ثقة قالت محدثتنا إن هذا الراقي تحول إلى حلال لكامل مشاكلها، وبعد أن أثبتت الرقية نجاعتها، باتت تنصح كل شخص يمرّ بالمشاكل المذكورة أن يتقرب من الرقاة ويختصر أمامه الطريق خاصة إذا تعلق الأمر بتأخر الزواج، وصعوبة إيجاد عمل، أو القلق الدائم والاكتئاب وغيره من الأمراض النفسية. أما “سميرة” فتقول إن الماء المرقي لا يخلو من منزلهم حيث أن استعماله يكون في مختلف الأمور، خاصة إذا تعلق الأمر بالمشاكل المنزلية بين والديها، وبين إخوتها الذكور، فإن رشّ القليل من الماء المرقي على جدران المنزل مفيد جدا للتخلص من العين التي تصيب إخوتها.

الرقية مهنة من لا مهنة له! 

يكفي أن يكون لك صوت عذب وتتقن فنون تلاوة القرآن مع حفظ بعض السور القرآنية، أضف إليه البحث عن بعض المعلومات التي تخص الرقية الشرعية وشروطها، وأعراض مختلف الأمراض التي تصيب الإنسان وتحتاج إلى كلام الله للشفاء، في السياق نذكر قصة الطفل “أيمن” وهو في سنّ العاشرة من عمره، رغم بذله للكثير من المجهود لتحصيل معدل فوق المتوسط إلا أنه لا يفلح في ذلك في كل مرة، وسبق له وأن أعاد السنة مرتين، حيث كانت إجابته لوالدته التي قالت له يوما إنه في حال ما أخفض في دراسته في سنّ مبكرة فلن يجد عملا يعمله مستبقلا، أنه سيكون راقيا في المستقبل سيرتدي ساعتها القميص الأبيض ويحفظ بعض السور القرآنية على مرضاه ليحصّل مصروف يومه من خلال ما يقبضه عن كل مريض، وهو ما شاهده الطفل من خلال جلسة رقية حضرها رفقة والدته.

وسيلة لعموري

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *