السحر و عملية ضرب الدين و العقل و الأمة

لقد ذكر القرءان العظيم مسألة السحر في عدّة آيات من مختلف السور، خاصة المكية منها، حيث أن في ذلك الفصل من الدعوة الاسلامية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلّم، عمدت قريش بخبث منهاجها في تعطيل الرسالة إلى نزع المصداقية عن حاملها، بالإشاعة المغرضة و المجانية – كما هو دأب من لا شهامة لهم.

حسيـــــــــن ڤهــــام كاتب وباحـــث في الفكر الإسلامي وإيديولوجيات الحركـــــــــات الإسلاميــــــة فراحت تكيل له التهم الشنيعة في محاولات بائسة و يائسة و خسيسة للحطّ من قدره او عقله أو شأنه أو مصداقيته “وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا {الفرقان/7} أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا {الفرقان/8} ” و الغرض من كل هذا، أن يظهر للناس ضعف نفسانيته فقالوا عنه، كي لا يصغي إليه احد، انه رجل مسحورا، أي صُنع له شيء من الدروشة و الشعوذة التي كانت منتشرة في جاهليتهم كاعتقادهم المتخلف الذي ينص على أن للجن قوّة يقدرون من خلالها على قتل العقل و الاستيلاء على صاحبه “وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ {الصافات/36} ” فهذه عقيدة المشركين الذين لا إيمان له و ليست عقيدة المؤمنين الذين يعلمون أن الجن مخلوق ضعيف لا قدرة له على البشر و لا يملك سلطة التحكم في العباد، بل إن تاريخ الديانات ينقل أن بني آدم هو من مكّنه الله تعالى في إحدى الحوادث من الجن و هو التسخير الذي منّ به المولى على سيّدنا سليمان عليه السلام، لكن قريش ظلت تعتقد ان الجن مخلوقات هائلة فتخوفوا منها أكثر من تخوفهم من الله تعالى فعابهم المولى في سورة الجن قائلا ” وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا {الجن/4} وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا {الجن/5} وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا {الجن/6} ” فهي مقولات لا يتقبلها العقل أولا و قبل كل شيء،حيث أن سيرة سيّدنا رسول الله كانت جدّ عالية ذات الصفات الحميدة و السوية و الصالحة و النافعة و المستقيمةو الهادئة و المتزنة و الرشيدة و الحكيمة …. فهو ليس من سلوك من فقد عقله أو نفسه، كما ينفيه عنه الامر الواقع و البديهية الدامغة و أنه من الناحية الشرعية، حسب معتقدنا نحن المسلمين، لا يمكن ان يقع عليه السحر و لا أن يمارسه و لا أن يؤثر فيه، و لا ان تتلاعب به الجن أو تصل إليه لثبوت عصمته و حفظ الله له من كل شر و مكروه و مسٍ، قال تعالى : ” و الله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {5/67} ” اي أن الله يحميك من كل سوء يريده لك من يكفر بك و الساحر كافر باتفاق المسلمين فلا حول له و لا قوّة على سيّدنا رسول الله، ثم يضيقف القرءان قائلا عن هذه الحماية الاهية لنبيّه “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ .. {الرعد/11} ” فهو مدعوم بملائكة الحفز لا تفارقه لحظو واحدة فكيف يقدر عليه الجن و الساحر ؟ و عن استيلاء الشيطان على العباد، ما هي الا خرافة انتشرت في عهد السلف، فمن زعم أن ابليس متفوّق على المؤمنين و أن رسول الله قد تمّ سحره فقد ادّعى ان رسول الله ليس نبيا و لا رسولا لغياب الحفظ الالهي الموعود في كتابه العزيز و المكفول يقينا لكل الانبياء، فإذا تمكّنت يهودية واحدة على تخريب حياته و عقله بالسحر كما جاء في الحديث المنتشر في العديد من الصحاح و المجاميع، فإن قوّة رسول الله تكون قد تلاشت أمام أتفه يهودية شمطاء عوجاء، فيحق لهم بعدها الافتخار بغلبتهم له من ناحية تعجيزية حيث لم ينفعه دينه في صد عمل الشيطان و الجن و السحرة، لثبوت اجماع بين الشرائع على ان هذا القول منافٍ لجميع أسس الايمان بخصائص النبوات و الرسالات، فلا يُعتدّ المرويات في هذا الشأن، و لاتُعتبر الأحاديث التي رواها البعض في أن يهودية سحرت رسول الله سوى انهاتضليل و دس من طرف المتآمرين على الإسلام في عهد السلف، حيث كثُر الكذب و الحشو لإفقاد الاسلام و كذا نبيّه صفات الوحي و الموحى إليه و افتقارهما لما تأكّد في الاختيار الرباني في السابقين من الأنبياء، و لكي يتسن من جهة أخرى أيضا، ضرب بعض نصوص الاسلام ببعضها فيتبيّن للنقّاد أنه دين مفتعل غير منزّل و أن رسول الله ما هو سوى مفترٍ كما قالت فيه اليهود في زمانه. فليحذر المسلم من الاعتماد على الاحاديث التي تناقض و تنقض القرءان العظيم حتى لا يُرد الوحي كما خُطط له منذ وقت بعيد. لكن ساد في عصرنا الحديث عن أن رسول الله قد سُحر حتى صار كل المسلمين الذين ينصتون للمذهب الوهابي الذي يقود هذه الحملة، يعيشون تحت الذعر المستمر من وحش السحر و الجن و الهلوسة من مخيفات المخفيات و الامرئيات، و هي خطة شيطانية تهدف إلى خلق أمة جبانة تخاف المعدوم و المجهول في حين يوصيهم ربّهم في كتابه العزيز لو كانوا يفقهونه بعكس ذلك ” قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ {القصص/35} ” – ” إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ {الحجر/42} ” – ” فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ {النحل/98} إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ {النحل/99} ” ثم حدّد من هم الذين قد تتلاعب بهم الشيطان و ذكر لهم صفات لا توجد في غالبية الأمة و لا في المسلمين ” إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ {النحل/100} ” فالأمة موحّدة و لا تتولاه، فهل يرى فينا هؤلاء الوهابيون أولياءا للشيطان ام أن الأمة كلها مشركة ؟ إن في عملية زرع العقيدة الفاسدة، لأسرار تجارية و نفوذ استراتيجي يُستخدم كأداة لحماية فئات معيّنة ( لوبيهات) أو تضليل عدو ما للاستيلاء ( بالاستحمار و الاستخواف) على عقله ثم نفسيته ثم ماله و طنه، نفصّل ذلك كما يلي: أن الوهابية تؤمن فعلا بأن الأمة مشركة و كافرة و في أدنى الأحوال مبتدعة و فاسقة، و يعتقدون انه من واجبهم إعادة نشر الإسلام، لأن ما يحويه فهمنا له، هو يردي الى النار و لا يُدخل الجنة، لذا لا يلقون السلام على سائر الأمة الا فيما بينهم، لعدم جوازه فيمن ليس مسلما، و هي مسألة بديهية لا ينكرها الوهابيون الذين يرفعون دعوة محمد بن عبد الوهاب، صاحب المشروع التكفيري و الإرهابي في العالم الإسلامي، و الذي تبنه الغرب الصهيوني كعقيدة يجب نشرها في كل مكان يوجد فيه مسلم واحد، حتى تنطلق عملية الهدم و الدم كما هو الحال اليوم أن في اتهام المسلمين بسقوطهم في شباك الشيطان، توطيد لتكذيب الرسالة المحمدية، حيث يكفرون بالتأكيد الذي جاء على لسان رسول الله في كون الأمة محصّنة من الشرك حين في حجة الوداع … وإني لا أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها كما تنافس من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم ” التنافس على الدنيا: هي اللغز الذي يفسّر انتشار كتب الرقية و السحر و الجن، إنه الربح السريع أو ما يمكن ان أسميّه بـ ” خدمات ما بعد البيع ” service après vente الذي يعين الوهابي المتفقّه لكسب دنياه من دينه، حيث و لما لم يعد لأحدهم أية قيمة و لا مكانة في المجتمع، إذ كما لا يخفى على المراقب أن أتباع هذه الفرقة في غالبيتهم هم من حثالة الناس و سقطاء المجتمع و الراسبين في حياتهم العلمية و المهنية و المهارتية، فلا يجد أحدهم سبيلا إلى اكتساب مكانة في المجتمع أو كسب قوته، إلاّ بالتخفي تحت لحاف الدين، فيجتهد أحدهم في إظهار نفسه بحلية الأولياء و أحباب الله، لينال احترامهم و يحوز على تقديرهم و يصل بذلك إلى فرض نفسه في حياة الناس، بتقديم خدماته المفيدة للمجتمع، فهو القادر على طرد الجن ( و ما اشبه أفعالهم بأفعال إبليس للأسف الشديد) و هو وحده المتمكنبفضل تقواه و بفضل علمه العميق بمكائد الشيطان ( التي لاتخلو في معظمهم) وهو كذلك التاجر الذي يملأ جيبه بتلاوة آيات من القرءان لتخويف الجن ليهرب عن المسكون و يحرره بعد تلاواته، و كأن سائر المسلمين لا تحدث تلاوتهم للقرآن أي مفعول و لا يكون ذلك إلاّ من طريق الوهابيين الذين لا يختلفون عن الشياطين الا من حيث المعدن، أما الطبيعة فهي واحدة: شر و مكر و إفساد في الأرض لو تمعّن المسلمون في كتاب ربهم لعلموا ان الشياطين منها المرئية من الانس و المخفية كالجن، فلماذا تكون الرقية على جهة المخفيين فقط و لا تكون على شياطين الانس الذين تعجّ بهم الساحة الدينية اليوم، بحيث أن المتاجر بالدين، هو أوّل الشياطين و آخر من يحق له التحدّث عن الحق و الصلاح، فهذا رسول الله و هو صاحب الرسالة و الايمان الكامل لم يفتح اي مكتب أو غرفة للعلاج بالقرآن العظيم، فمن أين جاءتنا هذه العادة الخبيثة التي صارت تفتح عيادات للعلاج بالمفعول الديني ؟ هل فات الانبياء ان يؤدوا هذه التعليمة و يتخلفوا عن تطبيقها ؟ السر التابع لذلك هو في ثلاثة نقاط: الأولى استحمار الاتباع، فكلما كان المستهدف غبيا و سفيها كلما كان منقادا و مطيعا، ثم و هي النقطة الثانية : كان مساهما في إخراج المال الذي سينصب في جيب الشيخ الماكر و المتلاعب بالدين و العقول، أما أخطر النقاط فهي تتمثّل في نشر الالحاد، لأنه، كلما شاهد الناس خزعبلات الدين كلما أنكروا الله و تباعدوا عن طريقه، فنحن نعلم أن الاوربيون لم يبتعدوا عن الدين المسيحي الا بعد نضجهم ثقافيا و علميا و فكريا، فصار لديهم وعي مكتسب من المعارف الصحيحة و المنطقية، تنكر مسائل تقوم عليها الكنيسة فاستنتجوا انها لعبة كيدية احترعها علماء الاهوت ( كالتوحيد عند الوهابية) للضحك على الناس، و منه أيضا امكانية شراء مكان في الجنة (الفرقة المناجية) و صكوك الغفران و تقديم المال الى القسيس مقابل قيامه بالدعاء للاتباع و كما أنكروا عقليا إمكانية خورج خالق السماوات و الارض من فرج امرأة، و أن تلده مريم في منطقة جغرافية من المفروض أن يكون هو هالق أمه و البقعة التي تقف عليها و الثدي الذي ترضعه منه، فخلصوا الى نتيجة مفادها: أن الخرافة دليل على فساد الدين و من ثم انعدام وجود الله و العياذ بالله، و هو المسار نفسه الذي تريده الوهابية لصد الناس عن الله تعالى و ما أكثر الملحدين في البلدان التي دخلتها الوهابية و على رأسها السعودية. أخيرا، عادة ما ينتحل الجواسيس و المرتزقة صفة المشايخ و العبّاد، لأن العزف على وتر الدين شيء حساس للغاية و يجلب كل مستمع اليه، و لقد شهد العالم الاسلامي مؤخرا، قائمة تضم قرابة الثلاثمائة عالم دين كالقرضاوي و النابلسي و القرني، و كلهم يفتون وفق إرادة اسرائيل، أي تحطيم سوريا وجوبا و الدعوة الى الجهاد فيها كفرض عين، و لو لم يكن هؤلاء العلماء المتصهينين، ممن يغنّون على مسامع الناس في المساجد، قصص الجن و السحر و الغفلة و النوم و السفاهة، لما تمكنوا من استعباد مآت الالاف من الشباب الذين غرروا بهم و راحوا يقتلون الابرياء و يخربون الدنيا لتستفيد اسرائيل و يخسر المسلمون جميعا كل شيء، فالاستحمار الديني و الاستعباد بالدين، سلاح فرعوني بامتياز يهيئ الارضية لاحتلال الاوطان حين تصير العقول شعب بأكمله يخاف الجن و يتوسوس في كل حين ” وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ {غافر/26} ” فقاتل فرعون موسى حتى لا يزيل الدين الذي به استعبد به رعيّته.

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *