الرئيسية / أدب، فكر وفن / الشاعرة التي خسرت أسرتها من أجل الجزائر

الشاعرة التي خسرت أسرتها من أجل الجزائر

عندما أصدر الشاعر الفرنسي جون سيناك مجموعته “الشمس تحت الأسلحة”، كتب لها إهداء خاصا عام 1957، بعد أن اعتقلت وحكم عليها بالسجن: “إلى آني فيوريو، إذ يشهد الوجود أن الشمس لن تبقى تحت السلاح، ولكن في قلوب شعبنا”..

قد لا يعرف الكثير أن الشاعرة آني فيرجين بلانش فيوريو ستينر (المعروفة باسم آني ستينر) تتقن العربية الفصحى منذ طفولتها، حيث تعرفت على أسرار البلاغة، وحفظت أشعار الجاهلية واطلعت على الأدب العربي الحديث، وذلك عندما اختارت أن تكون اللغة العربية هي لغتها الثانية في المدرسة، حتى حصولها على الباكالوريا، وهو أمر لم يكن معروفا بين الأوروبيين القاطنين بالجزائر إلا نادرا.

حب خاص للغة والشعر العربيين..
وعن ذلك، تقول آني ستينر في حوار مطول نشر في كتاب، تحت عنوان “المجاهدة آني ستينر.. حياة من أجل الجزائر”: “في سيدي بلعباس، كان علي أن اختار لغة في المدرسة”.. “سجلني أبواي في قسم الانكليزية”.. “تحملت الانكليزية بصعوبة، ثم ذهبت لأرى أستاذة اللغة العربية، إنها امرأة بروتونية تزوجت جزائريا، وشرحت لها إني ارغب في أن أدرس اللغة العربية، وذكرت لها أن عليها أن تثق بأني سوف اشتغل على اللغة العربية في المساء مع والدي”.
وتضيف: “في ذلك الوقت، لم يكن هناك عدد كبير من التلاميذ، بالكاد عشرون، يدرسون اللغة العربية منذ عام”.. “نظرت إليّ جيدا ثم سألتني إن كان والداي يعلمان بكل هذا، فأجبتها إنهما موافقان، وهو ما لم يكن صحيحا، وزدت أن اخترت اللغة العربية كلغة أولى حتى الباكالوريا.. كنت قد اخترت اللاتينية قبلا، ولكن اختيار اللغة العربية كان مرتبطا بوالدي، الذي تعلمها، إنها عربية الجنوب القريبة من اللغة الفصحى”.
.. “عند دخولي المنزل أعلمت والدي بأني سجلت في قسم اللغة العربية، كانت ردة فعل أبي انه ذكرني أني لا اعرف قراءة أي شيء باللغة العربية ولا الكتابة بها، ولأنه كان عارفا جدا باللغة العربية فقد قلت له: حسنا، سوف تعلمني أنت.. في الأشهر الثلاثة التي سبقت موته علمني أبي القراءة والكتابة باللغة العربية، لقد توفي في ديسمبر 1941، بعمر 41 عاما، بأزمة قلبية”.
.. “لقد كان والدي يترك لي حرية التصرف، ويشاركني خيالاتي، كان صديقا لي، عندما توفي كنت في الـ13 من العمر. أمي، التي تنحدر من بيئة فرنسية كاثوليكية جدا، لم تتزوج أبدا بعده. وتابعت دراسة اللغة العربية، ولكن بمفردي هذه المرة، وفي نهاية السنة نلت جائزة الامتياز. وفي وقت لاحق، اجتزت امتحان الباكالوريا الكتابي باللغة العربية الفصحى”.. “اللغة العربية لغة جميلة، أتذكر انه كان لدينا معلم بالبليدة، اسمه محمد الحاج صدوق، كان يأتي إلى الفصل مرتديا بدلة رسمية ذات ثلاث قطع، مع شاشية اسطنبول، قال لي يوما: آنسة فيوريو، عليك أن تكوني معلمة لغة عربية.. في ذلك الوقت لم أكن اعرف ماذا اختار.. درسنا على يده الكثير من النحو، ولذلك أنا أتصيد يوميا الأخطاء النحوية التي تقال في التلفزيون”..”السيد صدوق علمنا الشعر”..

مآسي الأهالي في عيون شابة أروبية
كانت “آني ستينر” في الثامنة والعشرين عندما اتهمتها الصحافة بأنها من واضعات القنابل في المقاهي الأروبية في الجزائر، وذلك عشية إلقاء القبض عليها وعلى عدد من زملائها الاوروبيين والجزائريين، الذين كانوا يعملون على دعم جبهة التحرير الوطني لوجيستيا في العاصمة.. وهي في عامها الرابع والثمانين، وقعت إصدار الإعلامية “حفيظة عميار” التي ألفت كتابا عن حياتها، عبر حوار مطول، استغرق 186 صفحة.
وقدمت حفيظة عميار، مؤلفة كتاب “المجاهدة آني فيوريو ستينر.. حياة من اجل الجزائر”، قائلة: “تزوجتْ يوم 20 ديسمبر 1951 من السويسري “رودولف ستينر” وأنجبت منه بنتين: إديث عام 1953 وإيدا عام 1955 بالجزائر”.. “سليلة عائلة من الأقدام السوداء منذ ثلاثة أجيال على الأقل، في كنف والدها كبرت آني في وسط الموظفين المحمي، وحيدة أهلها، لم ينقصها شيء، ولم تعرف، إذن، البؤس ولا المتاعب المادية التي ضربت آنذاك الأغلبية من الجزائريين.. كانت ستتمتع بطفولة مدللة، غير ان والديها، الذين كانا يعملان في مجالين مهمين –الصحة والتعليم- قررا أن يمنحاها تربية صارمة، وان يعلماها قيما معينة”.
وتقول آني ستينر في الكتاب ذاته: “قررت أن أتكلم، لأحارب النسيان. أتكلم اليوم لأن المجاهدين والمجاهدات قد رحلوا اليوم، الواحد تلو الآخر، ولأننا نرى أيضا كيف يخدعون المجاهدين الحقيقيين، وكيف يحتقرونهم، لذلك قررت أن أتكلم، وان اترك بعض الأثر”..

أول نوفمبر..
في 01 نوفمبر 1954، كان مثل قصف الرعود الفجائي على الأحياء الأوروبية الراقية الهادئة.. تقول عنه آني: “كان مثل قصف الرعد في سماء الجزائر الصافية.. في كل الأحوال فقد كان الأمر، بالنسبة إلي، قصفا رعديا.. كنت في ذلك اليوم بالمنزل، مع زوجي وصديقين، وبحركة عفوية رحت اصفق، زوجي ورولان سيموني –مهندس من عين بنيان- ابتسما، لكن ردة فعل الضيف الآخر كانت سيئة، وقال لي: “هل تصفقين للقتلة؟”.. فأجبته: “نعم”، فلم نره مجددا، لكننا بقينا على علاقة طيبة مع رولان”.. “كنت قد وصلت إلى نقطة من التململ ضد اللاعدل، الذي اكتشفته شيئا فشيئا، وجدت أن الثمرة قد أينعت، وحين نجد أن الثمار قد أينعت فيجب علينا أن نقطفها”.
.. “خلال نوفمبر وديسمبر 1954، أو في بدايات عام 1955، لم أكن اعرف الجزائريين كفاية، كي أثق فيهم.. في ذلك كنت اشتري الكتب من مكتبة صغيرة تعود إلى الحزب الشيوعي الجزائري، متواجدة على زقاق يطل على شارع إيزلي، شارع العربي بن مهيدي حاليا، آخر كتاب اشتريته من ذلك كان يشرح شركات التروستات، حاولت ان أتحدث مع صاحب المكتبة عن ذلك، كان رجلا متفتحا جدا، كانت هناك امرأة مثقفة تدعى إيليان شوراكي، سمحت لي بالحديث معه. وفي وقت ما، أخبرت صاحب المكتبة أنني مستعدة للانضمام إلى صفوف جبهة التحرير الوطني. حدق بي ولكنه لم يقل شيئا، لأنه في مثل هذه المواقف لا يقول المرء شيئا. خاصة وأنني لست سوى زبونة عنده، ثم من كان ليثبت له أني لست عميلة مبعوثة إليه من قبل الشرطة الفرنسية؟”.
..”في ذلك الوقت كنت اشتغل في المراكز الاجتماعية، التي كانت تقع بشارع لوسياني سابقا، الأبيار، كنت متصرّفة بمكتبة المراكز الاجتماعية، كانت معي بالمكتب امرأة فرنسية، من فرنسا: فرنسيو فرنسا كانوا مختلفين عن الأقدام السوداء، كانت لديهم آراء أخرى.. كانت لدي علاقة طيبة مع تلك الزميلة، التي أصبحت صديقة، عرفت لاحقا أنها كانت ضمن جبهة التحرير الوطني. في يوم مشرق قالت لي: سنذهب للقاء أحدهم. عرفت لاحقا انه البشير حاج علي، سكرتير الحزب الشيوعي الجزائري السري في ذلك الوقت الذي كنا نتأهب فيه لملاقاته”.
.. “التقينا أنا وصديقتي، في فيلا قرب سان أوجين، استقبلني حاج علي في دهليز، كان هناك بالتأكيد أناس معه، استمرت المقابلة بضع دقائق، سألني إلى أي حد يمكنني ان أصل في التزامي مع جبهة التحرير الوطني، فأجبته: سألتزم كليا. فقال لي: جيد، سنعطيك إشارة”.

الاعتقال..
بمقر المراكز الاجتماعية، كانت آني ستينر أول من اعتقل، وتلا اعتقالها العديد من التوقيفات في تلك المراكز، حتى عام 1962، حين أطلقوا النار على ستة موظفين هناك، كان من بينهم الكاتب الجزائري مولود فرعون، صالح ولد عودية، علي حموتان ومارسيل باسي.
تقول عن نفسها: “إنني مجاهدة لم تفعل الكثير بالنظر إلى ما قدمه آخرون كثر، لم استطع القيام إلا ببعض المهام، لأنني كنت من أصول أروبية، كان علي ان لا تكتشفني الشرطة، وكنت مجهولة تماما”.. “عرفت مجاهدات.. مجاهدات حقيقيات، لكل منها مزايا وخصائص، ولكنهن كن كلهن شجاعات، قالت لي أخت في المعتقل: هل تعرفين يا آني، إننا نحبك، جميعنا، كثيرا، لماذا؟ لا ندري. وأنا بدوري أحبهن واراهن بعيوني وبقلبي”.
..” كنت عون اتصال.. عون اتصال معناه أن يفعل المرء كل ما يطلب منه، وفي هذا المجال سيعرف الكثير من العناوين”.. “كنت امتلك سيارة، وكنت استطيع التحرك بكل سهولة، حملت مطويات لم افتحها أبدا طبعا، بصفة عامة، فإن من يعمل لصالح الثورة كان عليه أن يكون متكتما للغاية”.. “في تلك الفترة، كنت اتصل بصادق هجرس، الذي كان مسؤولا في الحزب الشيوعي الجزائري، منذ سنوات نشر مقالا في ‘يومية وهران’ وذكر فيه أني كنت عون اتصال لدى الحزب الشيوعي الفرنسي من اجل الاتفاق بين الحزب والجبهة!”.
.. “كان لدي مهام أخرى، منها نقل القفف، في تلك الأيام لم يكن هناك أكياس بلاستيكية، بل قفف”.. “قفف احمل فيها ما أعطوني إياه، ولم يطلب مني أبدا أن أضع قنبلة، لم أكن لأرفض ما دمت قد التزمت كليا، ولكنهم لم يطلبوا مني ذلك أبدا. عملت لصالح مختبر لصنع القنابل، كان يديره دانيال تيمسيت، شخصيا لم اذهب أبدا إلى ذلك المختبر، ولكن حسيبة بن بوعلي وبوعلام أوصديق عملا به.
..”عندما نكون من الأقدام السوداء، وعندما نناضل، فإننا لا نتحدث بذلك في أوساطنا. لم أقل أبدا لزوجي ما الذي كنت افعله، هذا هو عمل عون الاتصال. كنت اعلم أن علي أن لا أخبر أحدا أبدا، وهذا قدم لي خدمة كبيرة، لأنه يوم إيقافي، في أكتوبر 1956 لم يعلم البوليس شيئا عن اتفاق الحزب الشيوعي الجزائري وجبهة التحرير الوطني، وهذا يثبت أيضا ان الأشخاص الذين كنت اعمل معهم كانوا يعرفون كيف يصمتون”.. “كان لدي اسم مستعار، هو ‘مارسيل’، على اسم والدي الذي مات”.
“هناك أناس اعترفوا باسمي من شدة التعذيب.. رجال الشرطة (دي.اس.تي) قدموا إلى المراكز الاجتماعية، استقبلهم السيد آغاس في مكتبه ثم استدعاني، وعندما رأيتهم فهمت كل شيء، ثم ساقوني إلى بيتي للتفتيش”.. “ألقيت نظرة على ابنتي إيدا التي كانت تبلغ عاما ونصف العام آنذاك، بمريولها ذي المربعات البيضاء والزرقاء، وقلت لها: ستأتي ماما ثانية يا إيدا.. احد رجال الشرطة الحاضرين علق: هذا يدهشني كثيرا”.
..”في نهاية مارس 1957، حكمت علي المحكمة العسكرية بالجزائر العاصمة علي بخمس سنوات سجنا، كان الحظ إلى جانبي”.
خالدة.م

شاهد أيضاً

أحب التجريب الذي يتيح توظيف التراث

يرى الشاعر الجزائري “عيسى ماروك، إن الحداثة ليست قطيعة مع ماضينا أو تنكرا له أو …

2 تعليقان

  1. محمد بونيل

    موضوع المجاهدة والشاعرة الأوروبية آني فيوريو ستينر، رائع، هو بمثابة تكريم لها وإحياء للذاكرة الجماعية، سيدة أفنت شبابها -بورتري الصورة الفوتوغرافية، الأولى- في خدمة الجزائر قبل وبعد الإستقلال، كبر سنها في -بورتري الصورة السفلى-، تبدوا عليها أي (الصورة)، في صمتها ونظراتها العميقة وتجاعيد وجهها توحي بعميق الذكريات التي لاتزال تحتفظ بها في ذاكرتها الأزلية، وكأنها شريط فيلم وثائقي بل هو كذلك، تلك الميزات السابق ذكرها تعكس شخصها وإيمانها الراسخ والثابت بمبادئ القضية الجزائرية، وقد إبتليت في خدمة مسعى إستقلال الجزائر بلاء عظيما، وهي في ذلك الآنسة والسيدة الإنسانة لما لها من قيم المحبة والإنسانية تكن بها للآخر، لقد قرأت لها يوما فيم معنى ما صرحت به لإحدى اليوميات الوطنية الصادرة باللغة الفرنسية كتب عنها ذلك على الصفحة الأولى بالبند العريض – كفوا عن القول فلان بطل، الفلان الآخر بطل، بل كل من شارك في القضية الجزائرية وإستقلالها، يعتبر بطلا…- هي من أعطت إشارة خروج ثلاث شاحنات معبئة بالمواد المتفجرة والأسلحة والذخيرة من ثكنة بئر مراد رايس للمجاهدين، في فترة الثورة التحريرية، فباغتوهم المجاهدين في كمين، وستولو على الشاحنات العسكرية التابعة للقوات الفرنسية عن آخرها، هذا ما جاء به نص الحوار المطول مع السيدة المجاهدة ستينر..

  2. محمد بونيل

    تصويب: يرجى الإعتماد على هذا المقال.

    صاحبة المبادئ والقيم الإنسانية
    آني فيوريو ستينر.. المجاهدة والشاعرة الجزائرية

    بقلم: محمد بونيل

    موضوع المجاهدة والشاعرة الجزائرية المولد -وأوروبية الأصل- آني فيوريو ستينر-متميز ورائع- الذي نشر على صفحات –ملحق الأدب، الفكر والفن- لصحيفة –وقت الجزائر- ، في عددها -2183- الصادر بتاريخ يوم الثلاثاء 22 مارس 2016، وهو أي الملحق نصف شهري تشرف عليه صاحبة الفكر والإبداع الجميل -الصحفية المتميزة خليدة بوريجي- رئيسة القسم الثقافي بصحيفة -وقت الجزائر- (مجمع الوقت الجديد)، هو بمثابة تكريم -رمزي- لها –السيدة آني فيوريو ستينر- إذ هو بمثابة إحياء للذاكرة الجماعية وللشعر في يومه وشهره العالمي كونها شاعرة تجيد توظيف الحروف والكلمات العربية الفصحى وبإمتياز، سيدة أفنت شبابها -بورتري الصورة الفوتوغرافية، الأولى- في خدمة الجزائر قبل وبعد الإستقلال، كبر سنها في -بورتري الصورة السفلى- تبدوا عليها أي (الصورة)، في صمتها ونظراتها العميقة وتجاعيد وجهها توحي بعميق الذكريات التي لاتزال تحتفظ بها في ذاكرتها الأزلية، وكأنها شريط فيلم وثائقي بل هو كذلك، تلك الميزات السابق ذكرها تعكس شخصها وإيمانها الراسخ والثابت بمبادئ القضية الجزائرية، وقد إبتليت في خدمة مسعى إستقلال الجزائر بلاء عظيما، وهي في ذلك الآنسة والسيدة الإنسانة لما لها من قيم المحبة والإنسانية تكن بها للآخر، لقد قرأت لها يوما ما صرحت به لإحدى اليوميات الوطنية الخاصة الصادرة باللغة الفرنسية، كتب عنها ذلك على الصفحة الأولى بالبند العريض – كفوا عن القول فلان بطل، الفلان الآخر بطل، بل كل من شارك في القضية الجزائرية وإستقلالها، يعتبر بطلا- هي من أعطت إشارة وتوقيت خروج شاحنات عسكرية معبئة بالمواد المتفجرة والذخيرة من مخبر -بئر خادم- آنذاك للمجاهدين في جبهة التحرير الوطني، في حقبة الثورة التحريرية، فباغتهم المجاهدون في كمين، وإستولوا على الشاحنات العسكرية التابعة للقوات الفرنسية عن آخرها، هذا ما جاء به نص الحوار المطول مع المجاهدة والشاعرة، السيدة ستينر الجزائرية قلبا وقالبا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *