الرئيسية / أدب، فكر وفن / الشعر .. الحاضر الغائب

الشعر .. الحاضر الغائب

يأتي اليوم العالمي للشعر، ويتجدد معه انبثاق الأسئلة الصعبة.. عن راهن هذا الفن الأدبي الذي رافق العصور كلها، وساد الآداب، بصفته قمة التعامل مع اللغة والإنسان.. وعن راهن الشاعر المبدع، متنبي عصره من خلال كتاباته… فالشعر العربي عموما، والجزائري خصوصا، يعيش -على المستوى الملموس- فترة صعبة، فاسحا المجال واسعا أمام الرواية، لأسباب كثيرة، يعود بعضها إلى الشاعر نفسه، وبعضها إلى الظروف التي يحياها.. فما هي أهم مشكلة تواجه الشعر والشاعر في الجزائر حاليا؟ هل من جهود منفردة أو موحدة من الشعراء للتصدي لتهميش الشعر، اجتماعيا وأدبيا؟ هل يرى الشعراء أن ما كتب من شعر في السنوات الأخيرة يواكب التحولات الجذرية التي يعرفها إنسان ما بعد العشرية السوداء؟ أم هل هو منفصل عنها، مكتف بذاته؟ وما هي –إذن- مهمة الشاعر الحقيقي في نظر شعرائنا المحدثين؟

مجموعة من الشعراء الجزائريين والعرب، تحدثوا بأمل وألم عن هذا الراهن، ويبنوا الأسباب والمطبّات.. وتغنوا بزمن أجمل..

شامة درويش ..
الشاعر حرّ غير مكلّف
الشعر.. ذلك الأبدي الكتوم، تلك الصرخة الصامتة المرسومة بالحروف، الساكنة جوف المكان، العامرة بالأمل/ الألم، كيف لي أن أقول أن هناك مشكلة تواجه الشعر وهو الذي يختار موعد خروجه بإرادته هو، لا بإرادتنا نحن. لا مشكلة تواجه الشاعر كذلك لأنه حتما سيكون منتشيا بما يمليه عليه الشعر من جنون. فهو الذي تتلبّسه الحالة أنّى كان. المشكلة في اعتقادي أنّها تنبع من خارج الثنائية (الشعر/ الشاعر) حينما تُوأد القصائد في مهدها، ولا تكاد تسمع لها “وشوشة”. حين تشعر أن حروفك غير مدعوّة لوليمة/ الاحتفاء بمناسبة ما، أو منبر ما. حين تشعر وأنت الذي تتنفس حروفا أنّك غير مرضيّ عنك من جهة أو من غيرها. حين تريد إطلاق صرخة في السماء وتجد الأفق قد ضيّق عليك.
الشعر لم يهمّش اجتماعيا، بل همّش ثقافيا أوّلا. فأن تكون شاعرا يعني أنّك حرّ، تمقت القيود البنيوية على النص، فتفتح أفقا آخر للخروج إلى الوجود. فلو كان يُحتفى بالشعر في كل مكان على أنّه غذاء روحي راقٍ لما انزوى في جهة مبهمة. ألم يكن سابقا ديوان العرب؟ ألم تكن العرب تحتفي حينما ينبغ فيهم (شاعر/ نبي)، فلماذا يختفي الشعر هكذا دون إنذار مسبق؟ أن يكون الشعر حالة اجتماعية يعني أنّه يلامس حالة المجتمع. يعني أن الثقافة مقرّبة من هذا الكيان (المجتمع). يعني أن المواطن يرتاد دور الثقافة. يعني أن الدور تقترب بمختلف أنشطتها. يعني أن صوتها وصل إلى عمق الشعب. يعني أنّ الإعلام يعرفك، وأكثر من هذا أنّ الذي يحاورك قد قرأ لك على الأقل عملا أو عملين. وهكذا يكون الشاعر مرحّبا به. يعني أنّنا جميعا مدعوون إلى وليمة الحرف دون تمييز أو إقصاء، هكذا فقط ستنتعش التكتلات الثقافية والجمعيات جميعها. ولن نكون مضطرين إلى شيء اسمه (التصدي لتهميش الشعر). لأننا في الأصل لم نعلنها حربا.كما أنني أكفر بكل تكتّل يملي علي الحدود ويحاسبني على أساس الحيّز/ البيئة.
وهنا يمكن الإشارة إلى المبادرتين من وزير الثقافة (موعد مع الرواية) و( موعد مع الشعر) فمثل هذه المبادرات إن لم تقتحمها الجهوية ستكون حتما منبرا أساسا في الحياة الثقافية. تبقى قضية الجودة من عدمها فتلك أحكام أحيلها على الدراسات النقدية.
خرج الجزائري من سنوات حمراء بحروف مبحوحة ولغة دامية وتجارب تشبه ال”شبهة” فهناك من آثر النضال لفعل البقاء وهناك من انسحب في صمت، الباقون كتبوا عن الدم والموت، كما كتبوا على ما بعد الموت، ألسنا في عصر المابعديات؟ نعم لامسوا جرح القضية لكنّ أسلوبهم كان مترفّعا عن العامّة. فربما وقعوا في متاهات الترميز والتخييل المبالغ فيه. وهذا أمر يجعلنا نميل إلى تغليب فكرة (الانكفاء على الذات). تشعر وأنت تقرأ بعض النصوص بأنك في الأساطير الإغريقية القديمة. كيف لمواطن بسيط أن يستلذّ ما تقوله ويشعر أنّه الحالة المعبّر عنها؟ ثم كيف سيصدّقك؟ حتى وإن كان النصّ مجروحا يتقاطر حزنا. على عكس الفنون النثرية (الرواية) فقد اتخذت مسارا مغايرا للشعر. حتى أنهم أدب الأزمة.
أولا دعوني أقول لك إنّ الشاعر غير مكلّف، لأنّه في اعتقادي حرّ؛ تلك الحرية تمنحه قدرة هائلة لترصّد الأقرب إلى وجدانه فيبدع فيه. وقد ذكرتُ سابقا قضية الجودة من عدمها فتلك ذائقة، تختلف من متلقٍّ إلى آخر.. ثمّ إنّ عبارة “الشاعر الحقيقي” نفسها تعدّ حكما قيميا مسبقا، فلا ينبغي لنا ونحن في منبر لا يؤهّلنا للحكم بأن نصدر حكما جزافيا هكذا، أقول هذا وقد أصبح كلّ الناس حكّاما، ونقّادا، يجيزون أفرادا وينقدون آخرين. أنا لا أتهم أحدا بكلامي، لكن هناك أمور تترك للمختصين كي يعطوها بعدها الجمالي أكثر.

الشاعر سليم دراجي
الإعلام.. أهمل واجبه تجاه الشاعر الجزائري
كانت مهمة الشاعر قديما تتمثل في كونه لسان قومه أو قبيلته، أما اليوم فتحولت إلى كونها تعبيرا عن كل ما يتعلق بالإنسان كإنسان، بغض النظر عن انتماءاته،إضافة إلى التعبير عما يدور في بيئتيه الصغرى الكبرى.
الشعر هو الشيء الوحيد الأكثر التصاقا بقضايا الإنسان وأحاسيسه وانشغالاته، ولا أعتقد أنه تأخر يوما عن مواكبة الأحداث فالشاعر مترجم صادق لمعاناة الإنسان اليومية، والدليل الشعر الجزائري في العشرية السوداء، والأصوات الشعرية التي تسير جنبا إلى جنب مع مقاومة الظلم أينما كان وبكل أنواعه وإن كان الشعر لا يخلو من التعبير عن الذات وما يدور في فلكها من حب وحزن وغيرهما.
الشاعر في الجزائر لا يعترض سبيله عائق واحد وإلا لهان الأمر، بل عدة عوائق وعقبات تريده أن يبقى يراوح مكانه، ومن بينها الإعلام، باعتباره الوسيلة التي يمكنها تقديم الشاعر ونشره والتعريف بأعماله وصوته وصورته، وبالتالي حضوره الشعري، وبخاصة المرئي منه، فبالرغم من تعدد القنوات إلا أنها لا تغطي أي نشاط أدبي أو شعري إلا من خلال دقيقة في نشراتها في النشاط الذي الرسمي الذي يحضره مسؤول كبير برتبة وزير مثلا، أما فيما غير ذلك فلا نقل لقراءات ولا لأمسيات ولا لتظاهرات شعرية مما يقام على مستوى الوطن، وحتى المكتوبة تراجعت عن نشر الشعر ولم يبق إلا ملحق جريدة الشعب باعتبار رئيس تحريرها الصديق نور الدين لعراجي شاعرا، أو صفحة المساء باعتبار الصديق الأستاذ الطاهر يحياوي أديبا، والمسموعة تبقى على قلة انتشارها بعض برامجها تحاول أن تجعل الشاعر يتنفس لبعض الدقائق مثل الإذاعة الثقافية وبرنامج بيت الشعر الذي يشرف عليه الصديق بخوش مفتاح، وبعض الإذاعات الجهوية، فيما عدا ذلك يبقى الشاعر يتنفس من خلال الفايسبوك الذي تساوى فيه الغث والسمين، إضافة إلى مشكلة الطباعة التي ظلت حكرا على أسماء بعينها، حتى جاء الانفراج بفتح صندوق لدعم الإبداع، ولكنه لم يلبث أن أغلق لينحصر النشر مرة أخرى، إضافة إلى أن النقد في الجزائر لم يجار حركة الإبداع الشعري ليسلط الضوء على الأعمال التي تنتج يوميا ويقدمها للقارئ لسبب أو لآخر، كما أن الملتقيات التي كان الشاعر يسجل حضوره من خلالها على أقليتها توقف معظمها تقريبا ليبقى الشاعر في الجزائر يصنع موته.
وحتى وإن نشر الشاعر في الجزائر فإنه الوحيد الذي يخسر من جيبه لملء فراغهم، شخصيا نشرت في مجلات عربية متخصصة وراقية جدا، فكنت أتقاضى مقابلا ماديا على كل نص، وعندنا يملأون فراغاتهم بنصوصك أو حضورك، وكأنك تسوق سلعة كاسدة.. تبا.
هناك تهميش اجتماعي للشعر، لأن المجتمع لم يرب فيه حب الطقوس الثقافية الراقية خاصة الفكرية منها،ولم ينشأ على تشرب الجمالية الشعرية، وعلموه بأن الشعر ليس من الفنون الجميلة، وبالتالي نشأ عازفا عن متابعة الشعر وحضور التظاهرات الشعربة، لتبقى بعض الجهود من بعض الجمعيات تصنع الحدث باحتشام، وبخاصة أن الجهات الرسمية شحيحة في الإنفاق على الشعر، أما أدبيا فتبقى المجهودات فردية للمحافظة على ماء الوجه.

جمال عبدلي
هناك أبوّة قاسية من الجيل القديم
هناك تغير في ما كتب من شعر في السنوات الأخيرة من حيث مواكبة التحولات الجذرية التي يعرفها إنسان ما بعد العشرية السوداء، ونلاحظ ذلك في اعمال الجيل الحديث، فنرى ان هناك حرية أكثر وجرأة اكبر.. هناك احترافية، غير أن مشكلة تواجه الشعر والشاعر في الجزائر، وهي المناسبات والقيود التي تفرض على الألسنة وتلجمها، ولا أنسى كذلك العوائق والمطبات والعصب الأدبية التي تحتكر كل شيء. لو نتكلم عن الشباب، فهنالك جهود، ولكن اصوات أغلبه مكتومة، ولا تجد سبيلا لتغير تلك الابوة القاسية التي فرضها عليها الجيل القديم.. على الشاعر الحقيقي -في نظري- ان يكون شاعر- وفنان- بأخلاقه قبل ان يكتب حرفا من الشعر.

الشاعر السعودي محمد الجلواح..
“على الشاعر الجزائري اقتحام عوالمنا المشرقية والخليجية”
الشاعر الجزائري بشكل خاص ـرغم إبداعاته العميقة والثرية والكثيفة كَيْفـاً وكَمًّاـ لا وجود له، أو لِـنـَقـُل –في أحسن الأحوال- غير معروف بما يكفي في الأوساط الثقافية والأدبية وسائط العربية والخليجية والمشرقية، ولا نكاد نعرف سوى واحد أو اثنين أو ثلاثة، وبشكل محدود جدا ـ كالشاعر مفدي زكريا، والأمير عبد القادر الجزائري، ود. عبد الله حمادي، والأستاذ عز الدين ميهوبي وزير الثقافة، ود. علي ملاحي.. وحتى هؤلاء.. إنما هم معروفون في الأوساط الشعرية فحسب.
المسألة تهم الشاعر الجزائري في الداخل.. بصفتي غير جزائري، أرى أن أهم أمر (ولا نقول مشكلة) تواجه الشعر هو الانتشار والحضور المعنوي والإبداعي، ثم الجسدي خارج الجزائر، وبالذات في المشرق العربي والخليج .. وأظن أن المسؤولية في ذلك تقع على كل الأطراف، فهناك تقصير، وقصور من داخل وخارج الجزائر.
وحتى وسائل الإعلام الحديثة لم تستطع أن تـُقـَرِّب البعيد بما يكفى، ولم تُـكْسِر هذا الحاجز (إن جاز التعبير)، وتبقى المسألة -في رأيي المتواضع- مسألة اجتهادات شخصية، وعلاقات عامة، ومبادرات ذاتية تأتي من هنا وهناك..
يعني.. ليس بالضرورة أن تكون الجهات الرسمية هي الداعمة دائما في ذوبان مثل هذا الجمود.
كما أن الشعر الجزائري لم يستطع -في الطريق نفسه، وحتى الآن- رسم صورة معينة أو حاضرة للشاعر الجزائري، إلا بشكل محدود جدا، وما زال في دائرة داخلية بحتة، وأتمنى أنني غير مصيب فيما أزعم .
الجهود الفردية بشكل خاص، أو الجماعية -غير الحكومية- أو كما تسمى الجماعات الأهلية، والعلاقات الشخصية وغيرها، كما ذكرنا سابقا.. قد أثبتت نجاحها وفعلها في التصدي لهذا التهميش وغيره.. وأدعو من خلال هذا الملحق الأدبي الثقافي.. كل الأحبة في الجزائر الشقيقة أن يقتحموا عوالمنا المشرقية والخليجية، وحدانا وجماعات، وسيجدون في قلوبنا مكان رحبا لهم..
النتاج الشعري والإبداعي الجزائري الذي تفاعل مع تلك العشرية السوداء المؤلمة، أو الذي واكب التحولات الجذرية التي أعقبتها.. كما جاء في السؤال.. لم يصل إلينا ـ للأسف الشديد ـ، ولا نعرف عنه شيئا .. شعرا أو نثرا.. مع التأكيد على أن الفرح والحزن العربي.. واحد.. من الخليج إلى المحيط.
ـ مهمة الشاعر الحقيقي بل مهماته كثيرة /عديدة، منها -باختصار شديد- تأكيد نشر المحبة والحق والخير والسلام، ونبذ العنف والعنصرية، وتأصيل كل شيء جميل، وأختم بأبيات مختارة قد تكون مناسِـبة للإجابة على هذا السؤال من قصيدة كتبتها عنوانها (كيميائية الحب والشعر):
الحـُبُّ والشـَّعـْـرُ.. “مَخـْلوقان في جَسَـدِ”/ نـُبوّتان ِ، بِلا زيـْفٍ، ولا خـَوَر/ الحـُبّ أصْلـَحَ فِـينا كُلَّ مَثـْلـَبَة ٍ/ وحَصَّنَ القلبَ من غـَيْظ ٍ، ومن شَرر/ ما كانَ في ذي حياةٍ، أو على طـَلل/ إلاّ وأسْفـَرَ بالإشراق، والسَّحَر/ والشـِّعـْرُ عَـلـَّمَنا التحلِيقَ .. فاقـْترَبَتْ/ لنا السّماواتُ.. نـَخـْطـُوها بلا حـَذَر/ الشـِّعـْرُ سِحـْرٌ حَلالٌ.. ليسَ يرفـُضُهُ/ دِيـْنٌ، ولا أمّة ٌ.. تـُنـْمى إلى البـَشـَـر/ ماذا أنـا .. إنْ جَفانِي الحُبُّ وانـْحَسَرَتْ/ عن السّلام فصولُ الوَرْدِ، والزّهـَر؟/ ماذا أنا إنْ جَفا شِعـْرٌ، وقافِـيةٌ/ وسادَ في الكَوْن ِ هـَذرٌ شاع كالخَبَر؟

بلقاسم مسروق
الشاعر استقال من وظيفته.. والشعر فقد مكانته
بعدَ استِقالَة الشّاعر من وظيفتِه، أصبح يعيش حالَة تشتّت فكري رهيبة، وذا ما جعله يكتفي بوصف حالة الضّياع التي يمُرّ بها ، باستثناء بعض الشّعراء الشّباب الذين وجدوا في الحبّ موضوعًا حيًّا يكتبُون فيه ، والتّحوّلات الجذرية التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية، بفعل المتغيّرات الحديثة التي طرأت على المنظومة الاجتماعية والسّياسية، لمْ تمس أشياء بسيطة تتعلّق بالحياة العاديّة للإنسان فقط بل امتدّت إلى الجانب الفكري والأدبي، ولعلّ ما يبرّر هذا هو تقدُّم أجناس أدبيّة وتراجع أخرى.
الشّاعر الحقيقي هو ذاك الذي يمتلك القدرة الكافية على فهم الواقع، والتعبير عنه بلغة لا يستطيع أن يعبّر بها غيره.. الشّاعر في النّهاية مثقّف فاعل يمتلك أرقى آلية للتأثير في الواقع والنّاس.
لا أعتقد أنّ الشعر سيستردّ مكانته -رغم محاولات بعض المؤسّسات الإعلامية وبعض الأشخاص -مادام الشاعر مستقيلا من وظيفته..على الشّاعر أن ينزل من عليائه ويبحث عن سرّ القطيعة مع المتلقّي وعن سبب تهميشه أدبيا, فالمجتمع بحاجة إلى من يحاكي معاناته ويعبّر عن واقعه “لا نغلق على الشّعر في دائرة ضيّقة ونحصر دوره في تغزّل شاعرة برجل أو تغزّل شاعر بامرأة”الشّعر فن رسالي وظيفي، حقيقة هو ينطلق من الذات الشاعرة من دائرة ضيّقة، لكن على الشّاعر أن يوسّع من هامش هذه الدّائرة ليلامس الواقع.. من هذه النّافذة يستطيع أن يسترجع ثقة المتلقي
الشّعر في الوطن العربي عمُومًا وفي الجزائر يعاني خيبات واحباطات فرضتها متغيّرات جديدة وساهمت في طرحها فواعلُ سياسيّة واجتماعيّة واخرى متعلّقة بروح الشّعر بحدّ ذاته “الشّعر قبل وبعد هو روح”…ولعلّ بين الاحباطات التي أرى أنها تعترض الشّعر وتعيق مساره ؛استقالة الشّاعر من وظيفته التي نال بها وسام الاستحقاق “شاعر”فحدثت القطيعة مع المتلقّي باعتباره الزّبون فأصبح الشّعر بذلك بضاعة كاسدة، ثمّ إنّ هيمنة السّرديات تحديدا الرّواية على المشهد الإعلامي واهتمام النّقد بها كبديل في ظلّ غياب الشّاعر الحقيقي الذي ظلّ إلى وقت قريب يسعى إلى توسيع الدّائرة باعتباره المثقّف الفاعل جعل المتلقّي يُعرض عن الشّعر

فاطمة الزهراء بولعراس
ما أكثر الشعراء حين تعدهم..
رحم الله زمنا كان شعراؤنا يعدون على الأصابع.. نقرأ لهم أو يقرأ لنا أساتذتنا شعرهم بحماس زائد، فنعجب ونطرب والأهم نتفاعل.. لأن الشعر في نظري هو مجرد تفاعل وجداني بين إحساس الشاعر وإحساس المتلقي.. هذا الإحساس الذي تحدى الأزمنة والأمكنة وعبرها متسللا إلى القلوب والعقول..
ولا شك أن الشعر الذي وصلنا كان من الجودة أن حفظه المهتمون ودونوه وخلدوه إرثا إنسانيا جديرا بالإعجاب.. ومن الشعر من وصلنا بالتواتر وليس في ذلك عيب مهما أدخل إليه من تدليس أو نسبة إلى غير أصحابه الحقيقيين، خاصة إذا كانت المواضيع مما يخجل منه في زمن ما؟.. ويبقى المهم أن تراثا إنسانيا جميلا وفي مختلف الأغراض وصلنا وأمتعنا وشغل أيامنا وأثرى لغتنا فماذا عن الشعر المعاصر؟
شعر الحداثة والغثاثة: لم يكن الشعر كغيره من أجناس الأدب ليظل على حاله فلا بد أن يتبع عصره وما جد عليه من ظروف الحياة.. وما طرأ من تلاقح وتداخل في الثقافات وتفتح على اللغات، وهكذا ظهر الشعر الحداثي وأنواعه العديدة حتى قصيدة النثر، إن جاز أن نطلق على النثر قصيدة، وكان في البداية محتشما وأقرب إلى الشعر الموزون، ثم تخلخلت أركانه بما دخله من إحداثات يصر البعض على تسميتها بالحداثة، ولكن هذا ليس موضوعنا إنما السؤال هل مازال الشعر يحتل تلك المكانة المرموقة التي احتلها لقرون عديدة؟
لقد أصبح في عالمنا عدد الشعراء يعد بالآلاف وبالملايين، لذلك لا غرابة أن نجد منه الغث والسمين، ورغم أن الشعر نشر وليس طيا إلا أن الغث قد يأخذ مكان الجميل، لأن للسياسة دورا كبيرا في تصنيف الشعراء.. ليست السياسة فحسب.. هناك القُطرية والجهوية والهاتف والرسائل النصية..و المسابقات والجوائز وأشياء أخرى
وماذا عن الشاعرات؟ وبعد أن كنا غارقين في دموع الخنساء الحزينة، أغرقتنا أودية البوح والشجن في عصر أتيح فيه للمرأة أن تتعلم، فاستيقظت موهبتها الكامنة لتنطق بما في سجيتها من بوح وما في فطرتها من جمال، فتنافست مع الرجال الشعراء وأجادت وجادت بقلمها لا يصدها ما تجد من إقصاء ولا يردها ما يقف في طريقها من حواجز.. ومازالت تتصدى للتصنيف والاستعلاء الذكوريين، وتكتب من منطلق إبداعي بحت، وإن كان لكل قاعدة شواذ، إذ قد تُسخر المرأة الشاعرة لخدمة فكرة تسئ إليها كامرأة، وقد يدفع بغير الشاعرة لتكون شاعرة رغم أنف الشعر والشعراء والنقاد وحتى الدكاترة على حد سواء لغرض لا يعرفه يعقوب ولا غيره.
الغاوون يتبعهم الشعراء: ومن هؤلاء الغاوون الذين كانوا يتبعون الشعراء يا ترى؟ لا نريد معرفتهم بقدر ما نحن متأكدون أن الشعراء هم من يتبعون الغاوين.. وهؤلاء الغاوون هم الساسة والحكام وأصحاب الافكار وأصحاب الأموال، وكل قد يسخر الشاعر من منطلق مصلحته لا غير، إذ كثيرا ما نجد الشاعر أداة طيعة في خدمة جهة ما.. ورغم أن هذه الظاهرة قديمة إلا أنها تجدد باستمرار.. وبعد أن كانوا يُسمون شعراء البلاط لأنهم يأخذون ثمنا على أشعارهم بمدحهم للملوك والسلاطين والخلفاء أصبحوا جزء من البلاط الذي يشكل البناء السياسي للأفكار أو الأحزاب أو الحركات.. رغم ادعاء التحرر.. واعتقاد الحرية.
وأين الشعر؟ وأين شاعر الأمة؟ في خبر كان وكل أخواتها ماعدا تلك الأماسي البائسة التي تنظم هناك وهناك وتلك المهرجانات التعيسة التي يتخللها المنكر أكثر من الشعر وتلك المسابقات التي تقزم الشعراء والجوائز التي تزري بهم وبشعرهم….فهذه مصر ولا حافظ أو شوقي لها وهذا العراق ولا جواهري له ولا بدر ولا نازك…وهذه فلسطين بعد أن ثكلت في ابنها محمود لا تزال تبحث عن وريث للشعر المقاوم وهذه الشام لا نزار لها وهذه تونس ولا الشابي لها وهذه الجزائر ولا زكريا لها….لقد تخلى الشعر عن قضايا الأمة وعلى الأصح تخلت السياسة عن ذلك وسدت أبواب الحماسة في وجه الشاعر ولم يبق إلا شاعر يتسلى باللغة وآخر يتغنى بالشمس والقمر وثالث يتغزل بعيني حبيبته.. لقد غاب الشعر كقضية كما كان في القرنين الماضيين اللهم إلا تلك الصرخات التي تنبعث من حناجر مبحوحة تتألم مما يدمى له القلب في فلسطين وغيرها من بلدان العرب ولقد غاب كلغة يتبارى فيها فرسانه كما كان يفعل الفرزدق وجرير والأخطل كما غاب أرباب السيف والقلم ولا متنبي للعصر العربي الحديث هذا رغم أن الجرائد امتلأت والمجلات تجشأت والمواقع ازدحمت بالشعراء والغاوين معا والذي ربما قد يكون من بينهم فحولا ولكن لا الزمان ولا المكان أصبحا يؤمنان بحروب الوجدان وجهاد اللسان
كيفما تكونوا يكن شعراؤكم: ما من وصف يفي بالأمة العربية وما هي عليه من تدهور حالتها وشتات أحوالها.. وتفتت وحدتها وتفكك سلطتها وازدرائها من غيرها في دينها ولسانها فكيف بشعرها وغنائها؟ وقد يكون الشعراء في هذا العصر قد زاد عددهم لكن نقصت عدتهم. قد يكون الشعر تفاقمت أبياته وصفاته لكنه شعر فقد حياته.. لأن الشعر وكما أسلفت تفاعل إنساني فماذا ينفع الشعر وقد مات الوجدان في الوطن العربي؟

عادل سوالمية
حضر الشعر وغاب النقد
أعتقد أن الشعر يفرض نفسه ويستعيد مكانته تدريجيا إن عاجلا أو آجلا، فهو فن خالد، ومكانته تزداد كلما ازداد المجتمع تحضرا. الشعر في الجزائر ليس له اتجاه واحد، وبه تيارات مختلفة، تتباين براعتها وقدرتها على التفاعل مع متغيرات الساعة، فهناك الغارق في وجدانياته، وهناك من يحمل هموم مرحلة لا يحيد عنها، وهناك من يسبح في أفلاك أخرى. مهمة الشاعر الحقيقي أن يرتقي بالأذواق، عن طريق تروية النفوس والعقول من منابع الجمال.. مهمة الشاعر أن يعبر بإدهاش عما يعجز عن التعبير عنه بقية الناس وغيره من الأجناس الأدبية المختلفة، لكن أهم مشكلة تواجه الشعر والشاعر في نظري هي غياب النقد، وهذا ما يمنع غربلة الساحة وحط الغث ورفع السمين، فدون نقد لا يتطور الشعر ولا الشاعر.

شاهد أيضاً

الشاعرة التي خسرت أسرتها من أجل الجزائر

عندما أصدر الشاعر الفرنسي جون سيناك مجموعته “الشمس تحت الأسلحة”، كتب لها إهداء خاصا عام …

تعليق واحد

  1. الدكتورة تمارا حسن... باريس

    اليوم العالمي للشعر … فكرة فلسطينية الأصل( المناصرة – درويش – طوقان ):
    – انعقد مهرجان ( ربيع الثقافة الفلسطينية ) في باريس في ماي 1997 بمشاركة ثلاثة شعراء فلسطينيين عالميين هم : ( عزالدين المناصرة – محمود درويش- فدوى طوقان) وصفته جريدة القدس العربي 2-3-2014 بأنه ( المهرجان ): نقلة نوعية وغير مسبوقة على الصعيد الأوروبي ).
    – أثناء هذا المهرجان وجه الشعراء الثلاثة نداء مكتوبا بعنوان ( الشعر روح الانسان – الشعر جسد العالم ) الى المدير العام لليونسكو الدولية ( انذاك ) فيديريكو مايور طالبوا فيه ب( ضرورة تأسيس يوم عالمي للشعر ). وعندئذ وجهت اليونسكو رسالة الى 30 منظمة ثقافية في العالم طالبت فيها إبداء الرأي فجاءت الاجابة ايجابية ومشجعة – عندئذ أصدرت اليونسكو الدولية قرارها بتسمية يوم 21 مارس يوما عالميا للشعر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *