الرئيسية / أقلام / الشهيد عرفات و”مناكفة نوفمبر” السنوية

الشهيد عرفات و”مناكفة نوفمبر” السنوية

قيادات فلسطينية كانت سابقاً تتولى عمليات التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وكانت تدير سجوناً في الضفة وغزة تزدحم بالمناضلين والوطنيين، أصبحت مؤخراً تتصدر قوائم منتقدي هذا التنسيق، وتدعو لاستعادة إرث الرئيس الراحل ياسر عرفات، وإحياء ذكرى اغتياله، كما توجه انتقادات لاذعة لحركة فتح وقيادتها ولجنتها المركزية.

ومنذ أن أعلنت أمريكا ضرورة وقف الحرب في غضون شهر واحد هرع التحالف لتكثيف العمليات العسكرية على المدينة المذكورة لكي يضمن موقفا أفضل عند الجلوس على طاولة المفاوضات. وبرغم وضوح الموقف منذ فترة بان الأزمة اليمنية لن تحل إلا بالتفاوض، إلا أن كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا استمرتا في المشاركة في العدوان عن طريق خبرائهم الذين يعملون ضمن مراكز القيادة والتحكم في الرياض وعلى الحدود بين البلدين. الحقيقة المؤكدة أن صمود اليمنيين في الدفاع عن أرضهم أحرج التحالف وداعميه بشكل غير مسبوق. فالفارق الشاسع بين مستوى التسلح العسكري للطرفين كان يرجح حسم الحرب في غضون أسابيع بعد انطلاقها في 26 آذار/مارس 2015. ولكن القصف السعودي ـ الإماراتي لم يحقق سوى الدمار الهائل للبنية التحتية والتاريخية اليمنية. كان يفترض أن يلاحظ هؤلاء المعتدون “الحكمة اليمانية” متجلية بالقرار الشجاع الذي اتخذته جماعة أنصار الله وحلفاؤهم بالانسحاب من عدن في الشهور الأولى بعد الحرب. فقد سيطروا على المدينة بسهولة ولكن حساباتهم اللاحقة أقنعتهم بعدم جدوى الاستمرار في ذلك لأنه لا يحقق هدفا استراتيجيا بالإضافة إلى انه سيؤدي لحالة استقطاب تدفع الجنوبيين لدعم التدخل السعودي ـ الإماراتي. كما أدركوا أن بقاءهم سيجرهم للمواجهة مع تنظيم القاعدة ويشتت جهودهم المحدودة. لذلك انسحبوا وركزوا جهودهم على الاحتفاظ بالعاصمة صنعاء وميناء الحديدة واثبتوا للعالم أنهم هم المسيطرون الحقيقيون على الوضع في اليمن. وعلى مدى أكثر من ثلاثة أعوام لم تنجح عمليات التدمير الهائلة في كسر شوكتهم برغم التحالف الذي لا يمكن أن يضاهيه تحالف آخر. فهو يضم 14 دولة عربية وإسلامية بالإضافة لأمريكا وبريطانيا. من هنا جاء قرار التحالف وقف العدوان على مدينة الحديدة تعبيرا عن إدراكه استحالة تحقيق نصر حقيقي على من يسمونهم “الحوثيون” خصوصا بعد أن سقط أكثر من 1000 من المقاتلين المدعومين من التحالف. وعلى مدى الأسابيع الثلاثة الماضية أصبحت قوات التحالف مدعاة للسخرية لأن أبواقها الإعلامية كانت تخدع جماهيرها يومها بادعاءاتها السيطرة على المدينة، مع علمها أن الأمر ليس كذلك. ولا بد من الإشارة إلى دور المنظمات الدولية ونشطاء حقوق الإنسان ومعارضي الحرب في إجبار واشنطن على محمد عايش القيادات الفلسطينية ذاتها، المشار إليها، تحاول أن تجعل من الرئيس عرفات ومن قضية اغتياله بالسم الإسرائيلي “قميص عثمان” الذي تريد أن تلقي به في وجه الرئيس محمود عباس، لتوظيفه في نهاية المطاف من أجل خدمتهم في الصراع السياسي والتنظيمي معه، وهو صراع لا حاجة للشعب الفلسطيني به، وليس له أي أهمية في مشوار النضال الوطني الفلسطيني، بل إنه خلاف تنظيمي داخل حركة “فتح” يحاول البعض أن يجعل منه انقساماً داخل الحركة، ويحاول المختلفون مع أبو مازن الإيحاء بأنهم “تيار فلسطيني” أو “تيار فلسطيني ثالث”، في إشارة إلى أنه قد يكون البديل عن حركتي فتح وحماس. منذ عدة سنوات بات شهر نوفمبر/تشرين الثاني موسماً للمناكفات الفتحاوية، إذ بدلاً من إحياء ذكرى رحيل ياسر عرفات، وبدلاً من المطالبة بالكشف عن المتواطئين بتمرير السم الإسرائيلي إلى جسده، فإن بعض القيادات الفلسطينية تحاول أن تحيي الخلاف الداخلي في حركة فتح، أو الخلاف بين فتح وحماس، مستخدمين في ذلك اسم عرفات وذكرى استشهاده، مستغلين كونه “الرمز” وكونه القاسم المشترك الأكبر لدى الفلسطينيين. لا يختلف الفلسطينيون على عرفات، فلا حركة فتح ولا من انشقوا عن صفوفها، ولا حماس ولا غيرها من القوى الفلسطينية يختلفون عليه، بل خلال سنوات حصاره الثلاث في رام الله، كان خالد مشعل من بين أشخاص قلة يتواصلون بشكل يومي مع عرفات، في الوقت الذي قاطعه كل الحكام العرب والمسؤولين الدوليين وكثير من قيادات الفصائل الفلسطينية وتواطأوا جميعاً على تركه محاصراً وحيدا في المقاطعة يقاوم بجسده النحيل السم الإسرائيلي. من المؤكد أن عرفات لو كان حياً فلم يكن سيقبل بأن يكون مادة للصراع الداخلي الفلسطيني، فضلا عن أنه لا يمكن أن يقبل بصراع داخل حركة فتح، التي أفنى حياته كاملة من أجل تأسيسها ورص صفوفها، ولذلك فمناكفة نوفمبر السنوية داخل فتح أو في الشارع الفلسطيني، لا معنى لها سوى أنها تقسيم المقسم وتفتيت المفتت وتعذيب من هم في النار أصلا، أي من هم تحت جمر الاحتلال. من كان يحب ياسر عرفات فعليه أن يجمع كلمة الفلسطينيين ويوحد صفهم ويلم شملهم، لا أن يدعو أنصاره للخروج إلى السرايا أو دوار المنارة أو غيرهما من الميادين، لحشد الشارع ضد فتح أو حماس أو ضد عباس أو السلطة أو غير ذلك، فهذا لا يعني في نهاية المطاف سوى مزيد من الشحن الفصائلي في الشارع، الذي يؤدي إلى مزيد من الانقسام الداخلي. من كان يحب ياسر عرفات فعليه أن يعمل على جمع كلمة الفلسطينيين ويوحد صفهم، فما كان عرفات سيقبل بـ”تيار جديد في فتح” ولا كان سيقبل بخلاف بين حماس وفتح، ولا بانقسام بين الضفة وغزة، ولا بترك القطاع وحيداً محاصراً معزولا يواجه طائرات العدوان بمفرده. الفلسطينيون بحاجة اليوم إلى من يوحد صفوفهم وينهي انقسامهم، وهذا يستوجب رص صفوف حركتي فتح وحماس وإعادة الالتحام بينهما، وتنظيم انتخابات عامة شاملة يُشارك فيها الجميع وتنتهي بنخبة فلسطينية جديدة غير تلك النخبة التي تبيح لنفسها التنسيق الأمني، لكنها تحرمه على غيرها، وتستخدم ذكرى وفاة عرفات كـ”قميص عثمان” من أجل إشعال نار الخلاف الداخلي الفتحاوي.. هذه النخبة ليست مؤهلة لإعادة إنتاج الحياة النضالية الفلسطينية، وإنما يحتاج الفلسطينيون لغيرهم.تغيير سياستها بالاستمرار بدعم طرف مهزوم من اجل الحصول على المال فحسب. كما لا يمكن تجاهل دور الجريمة التي ارتكبت في اسطنبول وانعكاساتها المدمرة على السعودية وكشف ورطة كبارمسؤوليها في واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت بوقاحة متناهية. فقد أضيفت تلك الجريمة لقائمة طويلة من المبادرات والخطط الفاشلة التي قام بها ولي العهد السعودي وورط نفسه وعائلته وبلده بها وأضعف وهجها السياسي والدبلوماسي والعسكري. يضاف إلى ذلك بعد آخر يشير الى الهزيمة النفسية التي منيت بها قوى الثورة المضادة عندما صمد الفلسطينيون في غزة بوجه العدوان الوحشي الذي شنته قوات الاحتلال الأسبوع الماضي. وبرغم كثافة القصف والدمار الذي أحدثه إلا أن رد الفلسطينيين كان رادعا، فاضطر رئيس وزراء العدو للقبول على مضض بوقف إطلاق النار ضمن مشروع هدنة شاركت فيه مصر. وربما هي المرة الأولى التي يستقيل فيها وزير دفاع العدو احتجاجا على تلك الهدنة التي وصفها بـ “الاستسلام” لحماس. هذه العوامل مجتمعة أربكت موقف تلك القوى، خصوصا مع تراكم هزائم التحالف السعودي ـ الاماراتي في اليمن. وأصبح واضحا أن مشروع الحرب الذي بدأه محمد بن سلمان قد مني بهزيمة كبيرة تضاف إلى الفشل في قضايا أخرى كخطف رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، واجتياح البحرين واستهداف قطر وأخيرا قتل خاشقجي. ولكن ماذا بعد؟ تعرف السعودية والإمارات أن وقف العدوان على اليمن سوف تترتب عليه استحقاقات مالية كبيرة تضاف للهزيمة السياسية وفقدان المصداقية. ومسألة التعويضات واحدة من أكثر قضايا الحروب تعقيدا وخطرا على البلدان التي تعتدي عسكريا على الآخرين. وهناك حالات عديدة كانت مسألة التعويضات فيها قضية مؤلمة للمعتدين. فمثلا وقعت ألمانيا مع “إسرائيل” في 1952 اتفاقية تدفع بموجبها تعويضات لإعادة إسكان اليهود وكذلك لضحايا الاضطهاد النازي. أما العراق فقد اجبر على دفع تعويضات مالية متواصلة للكويت مقابل الغزو الذي حدث في 2 اغسطس 1990. وبعد انتهاء الحرب نص اتفاق الاستسلام على دفع التعويضات. ومنذ سقوط نظام صدام حسين في 2003 قررت الأمم المتحدة تخصيص نسبة 5 بالمائة من مدخول النفط لدفع التعويضات للكويت. فقد اعتبرت الأمم المتحدة أن العراق هو الذي بدأ الحرب وان عليه ان يعوض الخسائر الناجمة عن ذلك التدخل. وبرغم علاقات إيران الوطيدة مع العراق، فان بعض مسؤوليها يثير مسألة التعويضات بين الحين والآخر خصوصا عندما يكون هناك اختلاف بين البلدين، أو حين يطلق مسؤولون عراقيون تصريحات تغضب الإيرانيين. وثمة قضية أخرى تكشف عمق ممارسة حق التعويض. فقانون جاستا مشروع قانون معلق في كونغرس الولايات المتحدة يضيق المفهوم القانوني للحصانة السياسية عبر تعديل قانون حصانات السيادة الأجنبية وقانون مكافحة الإرهاب. مشروع القانون أقره مجلس الشيوخ بدون أية معارضة في أيار/مايو 2016، وفي أيلول/سبتمبر 2016 مرر كذلك بالإجماع من مجلس النواب. القانون لا يذكر هجمات 11 أيلول / سبتمبر أو المملكة العربية السعودية، إلا أنه سيسمح ضمنيًا بإجراء دعاوى قضائية ضد المملكة من قبل الضحايا وأسرهم. وبرغم عدم ذكر السعودية بشكل صريح لكن هناك فهما عاما بأنه يهدف لامتصاص المزيد من الأموال السعودية لتعويض الضحايا. وهناك كذلك مطالبات بتعويض القطريين عما لحقهم من أضرار نتيجة السياسات السعودية والإماراتية تجاه هذا البلد العضو بمجلس التعاون لدول الخليج العربية. فهناك حصار جوي وبحري وبري فرضته تلك الدول على دولة قطر العام الماضي وأدى إلى أضرار غير قليلة بمصالح القطريين العاديين، الأمر الذي يتنافى مع التزامات الرياض وفقا للقوانين الدولية.لقد حققت سياسات ولي عهد السعودية ومعه ولي عهد الإمارات انتكاسة استراتيجية لبلديهما فانحصرت قوتهم بالمال النفطي وليس بالقوة العسكرية أو السياسية. لقد تحولت حرب اليمن إلى مستنقع للمشاركين في الحرب، وسيكون المخاض العسير للخروج منها تحديا شديدا لن يستثني أيا من المشاركين في الحرب العبثية التي ستسجل في التاريخ العسكري أنها واحدة من اغرب الحروب وأكثرها عبرة. فإذا كانت تعبيرا عن صراع سعودي ـ إيراني على النفوذ فستكون إيران الرابحة الكبرى لأنها لم تقدم خسائر تذكر بينما سيخرج حلفاؤها من تلك الحرب بنصر كبير. وتقول التقارير أن السعودية تنفق ملياري دولار شهريا في هذه الحرب، بينما تنفق إيران 30 مليون دولار فقط. هذه نتائج أربعة أعوام من تجربة مرة عاشتها السعودية في ظل حكم شاب دعمته أمريكا و”إسرائيل” فخيب ظنهما تماما واستعدى أهله الأقربين وأغضب جيرانه. فما مدى جدوى “رؤية 2030” إذا كانت من نتاج هذه العقلية السياسية الفاشلة؟

 د. سعيد الشهابي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *