الرئيسية / أقلام / الطائرة الروسية في سيناء.. كارثة سياسية أيضا

الطائرة الروسية في سيناء.. كارثة سياسية أيضا

بعد ستة أسابيع من سقوطها في وسط سيناء، الطائرة الروسية في سيناء… كارثة سياسية ايضا خرجت السلطات المصرية أمس لتعلن انه “لم تتلق” حتى الآن اي دليل على ان الطائرة الروسية المنكوبة تعرضت لعمل ارهابي(..)، الا انها لم تعلن أي نتيجة محددة للتحقيقات في الكارثة التي اسفرت عن مقتل جميع ركاب وأفراد طاقم الطائرة وعددهم 224 شخصا، بالاضافة الى خسائر اقتصادية هائلة تقدر حتى الآن بثلاثة مليارات جنيه مع انهيار السياحة، مكتفية بالقول “ ان لجنة التحقيقات مستمرة في عملها بشأن التحقيق الفني”.
ويبدو ان هذه اللجنة تعيش في كوكب آخر، اذا لم تسمع عن اعلان دول عظمى مثل روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا إن الطائرة وهي من طراز ايرباص ايه 321 تابعة لشركة متروجيت الروسية اسقطت بقنبلة على الأرجح، او اعلان جماعة “ولاية سيناء” التي بايعت تنظيم “الدولة” الارهابي أنها أسقطت الطائرة بوضع قنبلة بدائية الصنع قامت بنشر صورتها. بل ان التحقيقات الروسية توصلت الى رقم المقعد الذي وضعت تحته القنبلة، وهو الاخير في الصف الايمن، واعلنت ان الصورة المنشورة تتفق مع مواصفات العبوة الفعلية.
وحيث ان اللجنة ليس عندها جديد عمليا، فقد يستغرب البعض انها خرجت ببيان امس، الا انه اذا عرف “السبب بطل العجب “ كما يقال. فقد اعلنت السلطات المصرية امس ايضا انها كلفت شركة امن عالمية لتقييم الاجراءات الامنية في المطارات الرسمية سعيا لاقناع بريطانيا وروسيا باستئناف الرحلات السياحية الى شرم الشيخ الشهر المقبل، وكان لا بد من ان “تقول شيئا” مع هذا الاعلان بخصوص التحقيقات التي قرر الروس اغلاقها رسميا، ورصدوا خمسين مليون دولار لمن يساعد في الارشاد عن مرتكبي هذه الجريمة الارهابية، بل واستصدروا قرارا من مجلس الامن يتيح لهم التدخل عسكريا في اي مكان لمعاقبة الجناة، مستندين الى مبدأ “الدفاع عن النفس” الذي يقره الميثاق العام للامم المتحدة.
ويطرح هذا التناقض الصارخ اسئلة مشروعة على اكثر من مستوى، اهمها بين ملايين السياح الذين يفضلون قضاء اجازاتهم في مصر مهما كانت الظروف، وكانوا ينتظرون ان تتعامل السلطات المصرية بشفافية كاملة ،كما تعهدت، مع هذه الكارثة، وهو ما يعد ضروريا لاستعادة ثقة العالم واستئناف الرحلات السياحية.

ومن بين هذه الاسئلة:
اولا: من يجب ان يصدق العالم، الاستخبارات الروسية والغربية التي نادرا ما تتفق، لكنها اجمعت هذه المرة على وجود عمل ارهابي، ام السلطات المصرية صاحبة المصلحة في التهرب من العواقب المالية والقانونية لوجود ثغرة امنية ادت للكارثة؟
ثانيا: كيف تتوقع الحكومة المصرية التي تعد الايام بل والساعات لاستئناف الرحلات السياحية ان يثق العالم فيما اعلنته من “توظيف شركة امنية للتأكد من اجراءات الامن في المطارات” ، بينما مازالت الشكوك تحوم حول مدى صدقيتها فيما يتعلق بالتحقيقات؟
ثالثا: لماذا لم تطلب مصر رسميا من روسيا تزويدها بالادلة التي اعلنت عنها بشأن “العمل الارهابي”، خاصة ان العلاقات الثنائية بين البلدين في احسن حالاتها منذ نحو نصف قرن؟
ام ان موسكو رفضت الافصاح عن تلك الادلة؟ وما السر وراء ذلك؟ وماذا عن الادلة التي اكدت المخابرات البريطانية وجودها، واضطرتها لتسيير عشرات الرحلات الخاصة لاجلاء سياحها من شرم الشيخ بدون امتعتهم؟
الواقع ان اسلوب تعامل الحكومة المصرية مع الحادث منذ البداية، لا يقل كارثية من النواحي السياسية والامنية والاعلامية عن سقوط الطائرة نفسه، سواء من جهة التعتيم او الاصرار على الانكار بأي ثمن، اذ ان حجم التعويضات، مهما بلغ، يبقى اقل كثيرا من حجم الخسائر المتراكمة بسبب اخفاء الحقيقة، خاصة بعد ان تحولت شرم الشيخ الى “مدينة اشباح” كما وصفتها صحيفة بريطانية مؤخرا، فيما تضطر فنادق فيها الى الاغلاق وتسريح العمال.
واخيرا فان مثل هذا الحادث الذي لم تتورع روسيا عن استغلاله سياسيا وعسكريا الى الحد الاقصى، باعلانها عن “ثبوت سيناريو القنبلة” بعد ساعات فقط من هجمات باريس، ربما يشكل جزءا من صراعات او تصفية حسابات مخابرات اقليمية او دولية. لكنه في النهاية اودى بحياة عشرات الابرياء في السماء، ودمر حياة مئات الآلاف على الارض من الذين يعتمدون على السياحة كمصدر دخل وحيد، وليس من الانصاف التمييز سياسيا في التعامل معهم، اذ انهم ضحايا للارهاب نفسه الذي يضرب انحاء المعمورة من بنغلادش الى تونس الى تركيا الى كاليفورنيا.

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *