الرئيسية / روبورتاج / الطارف تديـــــــر ظهرها للجمـــال و تتحول إلى قبلـــــــة للتهـــــريب

الطارف تديـــــــر ظهرها للجمـــال و تتحول إلى قبلـــــــة للتهـــــريب

“لدي ابنة كبيرة وأخرى صغيرة وولد، ماكثون جميعا بالبيت فلا مكان يذهبون إليه ولا عمل يقومون به” كانت إجابة عجوزين كانا يرعيان بقرتين في أعالي واد الزيتونة التي لا يفصلها عن تونس إلا جبل صغير موحش، لا هاتف، لا كهرباء وجلب المياه لا يكون إلا بشق الأنفس، أما التواصل مع السلطات فيعتبر نوعا من المستحيلات لأن القرية تبعد عن البلدية بأكثر من 60 كلم، والاتصال المباشر بالمسؤولين استثناء قد لا يحظى به سكان المناطق الحدودية أبدا.

أكثر من 50 بالمائة من السكان مشردون في قراهم ومشاتيهم بعيدا عن أنظار السلطات المسؤولة عنهم، أوضاعهم صعبة للغاية وهم في حضن مناظر ساحرة لم تمتد إليها يد التخريب بعد، يصارعون للبقاء أحياء في ظل ظروف معيشية جد صعبة، وقفنا عليها في تنقلاتنا إلى أغلب المشاتي الواقعة في أعالي السفوح الجبلية، أقساها ظروفا كانت قرية تابعة لبلدية واد الزيتونة بلغناها بعد أكثر من ساعتين من السير عبر طرق كثيرة المنعرجات ومهترئة استعصى على الحافلات الكبيرة الحجم اختراقها، كانت الساعة تقترب إلى الثانية عشرة زوالا والكل قلق بسبب طول المسافة بين البلدية والقرية والذي سيعرقل التنقل إلى القرى المجاورة، لكن لا أحد فكر في العودة أدراجه وهو مأخوذ بسحر الطبيعة التي لم تكن تكشف شيئا من أسرارها إلا بعد اختراق الربوات السهبية الكثيرة ولوهلة بدا لنا المكان وكأنه قطعة من أمريكا اللاتينية وأننا بلغنا المكسيك أو الأرجنتين خاصة مع منظر السهول الشاسعة التي ترعى فيها الخيول جنبا الى جنب مع البقر يحدّها عن السهول الأخرى حاجز أخضر من نبات التين الشوكي الذي يحيط أيضا بمنازل السكان البسيطة المتناثرة هنا وهناك، هدوء آمن ومغرٍ للمكوث بعض الوقت لاستكشاف ما تخفيه هذه المناظر من أسرار أخرى لا يمكن معرفتها إلا على لسان سكانها الذين بالكاد يبالون بالقادمين، فقد تعودوا على رؤية الوجوه الغريبة القادمة من كل مكان للاستمتاع بجمال المنطقة دون أن تزيح عنهم هذا الفقر الذي تعايشوا معه والذي حرمهم حتى من الاستمتاع بالتميز الذي تتمتع بهم قريتهم.

تحفة مـحمية عالميا منسية مـحـليا
لن نبالغ إذا تمادينا في وصف الجمال الطبيعي الذي تحظى به الطارف التي تطل على البحر الأبيض المتوسط، ولن نتمكن من إعطائها حقها وهي التي تستحضر كل أشكال الإبداع الرباني، في كل شبر منها في انسجام يستعير روعته من الجنة بين اخضرار يمس 57بالمئة من مساحة الولاية تتنوع فيها كل أنواع النباتات خاصة الفلين، الكافور وتشكيلة نادرة من الأعشاب الطبية وشجيرات الفواكه البرية مثل التوت وبين سواحل تمتد على مسافة تتجاوز الـ 90 كلم ـ على رأسها شاطئ مسيدا المحروس الذي يوصف بكونه من بين السواحل الأروع عالميا ومعها خلجانها التي ينمو فيها المرجان، وكذا بحيراتها التي تطلبت تدخل المنظمات العالمية لجعلها محميات كبحيرة طونقة وبحيرة فزارة المحمية بواسطة إتفاقية “رامسار” العالمية لحماية المناطق الرطبة.
كما تتمتع المنطقة بسحر خاص بفعل إطلالتها على البحر والبحيرات الأربع المشهورة، خاصة على مستوى دائرة “القالة” التي تتوّفر بها “الحظيرة الوطنية” وهي تزخر بإمكانيات سياحية رهيبة لم تشفع لها لتتبوأ مكانة مرموقة رغم الإقبال عليها من قبل السياح الذين يكتفون بمجرد المرور عليها وفي أحسن الأحوال قضاء يوم كامل بها ونادرون الذين يستقرون بمرافقها السياحية التي تعد على الأصابع ولا تستجيب للمقاييس الدولية في هذا المجال، إذ لم يتم استغلال الإمكانيات الكبيرة لها لخلق مدينة سياحية بامتياز، في وقت لم ينعكس هذا الأمر أبدا على السكان الذين لا يزالون يعانون الأمرين في توفير لقمة العيش ويشكون نقائص تنموية بالجملة جعلتهم يتذيلون ترتيب أكثر السكان تهميشا على غرار باقي المناطق الحدودية في الجزائر.

أمية، جهل وركود كلي في التنمية
كشفت إحصائيات السكان بالطارف أن أكثر من 50 بالمئة منهم يعيشون خارج المدن، وإن 32 بالمئة يتمركزون في أعالي الجبال وسط الغابات والسهوب في مناطق يطلق عليها اسم مشاتِ لكونها لا ترقى إلى مستوى قرية، بل مجرد عائلات متناثرة في كل بقعة وتشكو الكثير من الصعوبات والعراقيل التي حالت دون تمتعهم بمستوى معيشي يرقى إلى مستوى تطلعاتهم باعتبارهم يجبرون الاعتماد على أنفسهم في توفير لقمة العيش دون تدخل من الدولة التي هي أبعد من أن تستمع إلى انشغالاتهم الجدية. وضع تلمسناه على مستوى جبال “بوقوس”، “واد الزيتونة”، “عين الكرمة” وغيرها والتي تعيش تحت خط التنمية… عجوز طاعنة في السن ترتدي ثيابا رثة تقاسم زوجها المريض مشقة التكفل ببقرة بعدما ماتت لهما واحدة قبل أسابيع، يأويان إلى كوخ أقرب إلى الإسطبل منه إلى مسكن، تقول إنها لا تعرف كيف تتواصل مع السلطات المحلية حتى تمكّنها من مسكن يحفظ لها كرامتها باعتبارها بلا أولاد كما أن الجميع في قريتها منهمكون في مشاكلهم الخاصة والكل يبحث عن الخلاص في معزل عن الآخر وأنها تعبت من هذا العمل الذي بالكاد يسد جوعها خاصة أن زوجها لم يعد يقوى على صعوبات الحياة.
عجوز أخرى في الجهة المقابلة وكأنها تشكو نفس المأساة مع تفصيل صغير إضافي، أنها وجيرانها محرومون من الكهرباء والهاتف وحتى المياه التي يضطرون إلى التنقل لجلبها وهو ما يقوم به أولادها الثلاثة الذين بالكاد يعرفون الأحرف الأبجدية باعتبارهم لم يحظوا بالتعليم الذي يتطلب تنقلهم حتى إلى بلديتهم الواقعة على بعد أكثر من 60 كلم لتحصيله عبر طريق مهترئة وكثيرة المنعرجات، فركنوا إلى هذه الحياة البدائية بين رعي وجلب للمياه واللجوء إلى مزارع الخرشف الشاسعة لطهوها في حالة انتهاء المؤونة.
وحسب أحد المواطنين بالحدود فإن أهم مشكل يشكو منه الشباب في هذه المنطقة هو الفراغ القاتل في ظل انعدام فرض عمل وغياب مناصب شغل ومعها افتقار المنطقة إلى المرافق الرياضية والمساحات الكفيلة بامتصاص هذا الخلل الاجتماعي ـ قائلا إن الطارف ككل لا تحظى إلا بملعب واحد، في حين المرافق الجوارية تنعدم تماما.

الاستثمــــــار على الحـدود أحـــــد المستحيــلات السبع
يعزف المستثمرون تماما عن الاستثمار في هذه البقعة الشرقية من الوطن، وتقل طلبات تجسيد مشاريع تنموية بالمنطقة التي يعتبر الخوض فيها ضربا من التحدي وقد لا يميل إليه كثير من رجال المال والأعمال الذين يصوّبون أنظارهم إلى أهداف معينة كفيلة بتحقيق الربح، بالنسبة للطارف الأمر أقرب إلى المستحيل كون المنطقة تطل على بلدان تشكو أوضاعا أمنية متدهورة وقبلها لم تعرها السلطات أهمية باعتبارها تتموقع بعيدا عن الدوائر المركزية، وتكاد الحركات الجمعوية المطالبة بحقها في مصانع وشركات تمتص البطالة غائبة، وحسب عدد من الشباب فإن الفرص المتوفرة لا تخرج عن نطاق الميناء من خلال الصيد، السهوب للرعي، وكذا الفلاحة وهي جميعها لا ترقى إلى مستوى تحقيق متطلعاتهم، خاصة أنها لا تزال في طابعها التقليدي.
بعيـــدا عــن الأنظـــــار.. البيروقراطية تقتل في الطارف أكثر من 15 بلدية تابعة لولاية الطارف التي تحاذي تونس تعيش قراها عزلة منقطعة النظير، وتفاجأنا ونحن نستفسر عن مكان تواجد مقهى الانترنيت بأن المرفق غير متوفر أصلا ولم يسبق أن سمعوا به، شأنه في ذلك شأن كثير من الأمور التي من المفروض أن الزمن تجاوزها منذ قرابة عشريتين، غير أن الأمر في هذه البقعة محصور في كيفية ضمان لقمة العيش البدائية من توفير للغذاء وفقط، أما أساسيات الحياة الأخرى فأبعد من تصل إليها طموحاتهم.

لا صوت يعلو على صوت التهريب
لا يمكن أن تزيح فكرة التهريب عن عقول كثير من الشباب الذين جعلوه مصدر رزقهم، ولا يمكن أن تقنعهم بضرورة الاستثمار في الإمكانيات المتوّفرة في المنطقة وإنعاش الاقتصاد معتبرين أن الأمر يجب أن تحله الدولة، وحسب رئيس بلدية السوارخ الحدودية ضيف خضراوي، فإن الشريط الحدودي يشكو جملة من التهديدات وعلى المواطن أن يكون صمام أمان و«نحن حريصون على تنشيط المنطقة الحدودية لإبعاد الشباب عن المخدرات والتهريب والأفكار المتطرفة”، مشيرا إلى إنشاء مرفق رياضي ومكتبة تستقطب الشباب. في وقت أكد العياشي بن سلامة محافظ قدماء الكشافة في الطارف أن الإيرادات التي يتحصل عليها الشاب من عمليات التهريب تجعله يصرف النظر تماما عن الطرق الأخرى.
روبورتاج/ حسيبة. ب

شاهد أيضاً

دعوة إلى تطوير التشريعات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة

لضمان تكفل أمثل بهذه الشريحة أكد مشاركون في أشغال المنتدى الدولي الأول حول ذوي الاحتياجات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *