الطريق إلى المحكمة الجنائية سالك

القانون الدولي وحقوق الأطفال الفلسطينيين:

ساد الصمت أرجاء القاعة الكبيرة وانسابت دموع العديد من الحاضرين والطفل الفلسطيني جلال الشراونة من بلدة دير سامت في محافظة الخليل يروي قصة اعتقاله عام 2015، وإطلاق إحدى عشرة رصاصة عليه وإصابته في رجليه.

حمل إلى السجن وهو ينزف ولم تكترث سلطات الاحتلال بتقديم الإسعاف الفوري له، وتركوه في سجن الرملة لمدة شهر بدون علاج، فتم بتر رجله من تحت الركبة. ضابط المخابرات الإسرائيلي ذهب إلى والدي الطفل وقال لهما ستصلكم بعد أيام هدية. أخذت سلطات الاحتلال الرجل المبتورة ووضعتها في صندوق وكأنها هدية وأرسلتها مع الصليب الأحمر إلى والديه. فتحت الوالدة نعمة الصندوق فوجدت رجل ابنها المبتورة ملفوفة على شكل هدية، ولم يكن لديهما أي فكرة عما حدث لابنها. وبعد أن فاقت من غيبوبتها انتشر الخبر في البلد فقام الناس وأعدوا جنازة مهيبة للرجل المبتورة، ودفنوها في مقبرة القرية، ووضعوا شاهدا عليها كتب عليه «هنا ترقد رجل الطفل جلال». ثم صدر الحكم على الطفل ابن السابعة عشرة بأربع سنوات في السجن. هذه عينة من شهادات عدد من الأطفال الذين شاركوا في مؤتمر في بروكسل، نظمة التحالف الأوروبي للتضامن مع أسرى فلسطين، وخصص بشكل أساسي لمعاناة الأطفال المحتجزين لدى سلطات الاحتلال، وما يعنيه ذلك من انتهاك صارخ للقانون الدولي وكيفية تفعيل ذلك القانون.
هذه عينة صغيرة من ملفات ضخمة توثق الممارسات الإسرائيلية بحق الأطفال الفلسطينيين، وتشمل الاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل والإرهاب والتنكيل والتعطيل عن المدارس وغيرها الكثير. فكيف يمكن للقيادات الفلسطينية والعربية الشريفة أن تتعامل مع هذه الحالات التي يجب ألا تمر مرور الكرام، وكأن الأمور عادية؟ كيف يمكن أن تمر مثل هذه الجرائم التي لم يشهد التاريخ أبشع منها بدون عقاب، لأن كيانا نصب نفسه فوق وأدار ظهره للقانون الدولي والأعراف والمبادئ؟
القانون الدولي ومسألة الأطفال
اعتبرت الأمم المتحدة في العديد من الاتفاقيات أن الطفل هو أكثر الفئات الضعيفة هشاشة، أي أنه أضعف من ذوي الاحتياجات الخاصة والمرأة والسكان الأصليين وكبار السن، لأن الطفل لا يملك قراره بيده، ولا ذنب له في ما يجري حوله ولا يستطيع أن يدفع الشر عن نفسه. فالطفل، كما نصت اتفاقية حقوق الطفل «بسبب عدم نضجه البدني والعقلي، يحتاج إلى إجراءات وقاية ورعاية خاصة، بما في ذلك حماية قانونية مناسبة، قبل الولادة وبعدها».
فبالإضافة إلى العديد من المعاهدات الدولية العديدة التي تشمل الإنسان بشكل عام مثل، الإعلان الدولي لحقوق الإنسان، والمعاهدة الدولية لمنع التعذيب والمعاهدة الدولية لمنع العنصرية والتمييز العنصري، والمعاهدة الدولية لمنع الإبادة الجماعية واتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة، والمعاهدات المتعلقة بالسكان الأصليين، والاتفاقية الدولية حول مسؤولية الحماية، وغيرها من المعاهدات، إلا أن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، التي تم التصويت عليها في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 نوفمبر1989 ودخلت حيز الإلزام في 2 سبتمبر1990 تظل أهم اتفاقية متخصصة تماما في موضوع حقوق الأطفال. لقد جمعت الاتفاقية أكبر عدد من الدول المنضمة لها، إذ بلغت 196 دولة، بما فيها الفاتيكان وفلسطين، ولم يبق خارجها إلا دولة واحدة هي الولايات المتحدة. كما انضمت إليها إسرائيل عام 1991 وبالتالي وضعت نفسها في موقع المساءلة.
أضيف لتلك الاتفاقية المهمة ثلاثة بروتوكولات اختيارية، واحد يتعلق بالأطفال والصراعات المسلحة (2000) والثاني يتعلق بتحريم الاتجار بالأطفال واستغلالهم جنسيا (2000) والثالث يتعلق بحق الأطفال بتقديم شكوى بطريقة مباشرة للجنة حقوق الطفل (2011). إن أهم ما جاء في تلك الاتفاقية المكونة من 54 مادة التعريف بالطفل وحقوقه الشاملة، حيث تنص المادة الأولى على أن الطفل هو أي إنسان دون سن الثامنة عشرة. وتنص المادة الثالثة على رفض التمييز ضد الطفل، بناء على من هم أبواه أو بناء على اللون أو الجنس أو اللغة أو العرق أو الدين أو الموقع الاجتماعي، أو الرأي السياسي، أو الملكية أو الإعاقة. أما المادتان 37 و38 ففيهما تفاصيل حول حقوق الطفل السياسية وحمايته في أوقات النزاع. أنشأت الأمم المتحدة لجنة متخصصة لمراقبة التزام الدول في تنفيذ الاتفاقية، وتقوم اللجنة بعملية مراجعة دورية لأداء الدول في تنفيذ نصوص الاتفاقية. تقوم اللجنة بتنبيه الدول بالانتهاكات التي ترتكبها ضد الأطفال وتقدم لهم مجموعة توصيات لتحسين أدائها وكمرجعية للمراجعة المقبلة. كما استحدثت الأمانة العامة بموجب قرار الجمعية العامة 77/51 عام 1996 مكتبا يتعلق بالأطفال والنزاعات المسلحة، يرأسه ممثل خاص برتبة وكيل أمين عام، يركز مهماته على ستة انتهاكات: تجنيد الأطفال، قتلهم وتشويههم، تعريضهم للعنف الجنسي، الاعتداء على المدارس والمستشفيات، اختطاف الأطفال وحرمانهم من الحصول على المساعدات الإنسانية. واعتمد بعد ذلك مجلس الأمن العديد من القرارات المتعلقة بحماية الأطفال في مناطق النزاعات المسلحة. كما أن مجلس حقوق الإنسان أخذ على عاتقه التحقيق في الجرائم التي ترتكب ضد المدنيين، خاصة الأطفال في كثير من النزاعات المسلحة.
إسرائيل والانتهاكات الجسيمة
تعتقل إسرائيل سنويا نحو 700 طفل، غالبا أثناء الليل وباقتحام بيوتهم وتضعهم في معتقلات بدون محاكمة. ثم تخضعهم لتحقيقات قاسية. ويقول نحو 73% من المعتقلين إنهم تعرضوا للعنف البدني بعد الاعتقال. كما واجه 64% منهم الإساءة اللفظية أو الإذلال أو التخويف، و74% من الأطفال لم يتم إعلامهم بشكل صحيح بحقوقهم، و96% تم استجوابهم بدون حضور أحد أفراد الأسرة، و49% أجبروا على التوقيع على وثائق باللغة العبرية وهي لغة لا يفهمونها. وهنا أقتبس بعض ما ورد في بعض التقارير حول انتهاكات حقوق الأطفال الفلسطينيين:
في تقرير 2002 أعربت لجنة اتفاقية حقوق الطفل عن «قلقها العميق إزاء الادعاءات والشكاوى بمعاملتها غير الإنسانية وممارساتها المهينة والتعذيب وسوء المعاملة للأطفال الفلسطينيين، خلال المداهمة والتحقيق والاعتقال».
أما تقرير سنة 2013 فيؤكد على أن معاملة إسرائيل للأطفال الفلسطينيين ساءت أكثر وأنها «أهملت تماما التوصيات التي قدمت لها، كي تكون في حالة التزام بالقانون الدولي».
وقد فصلت تقارير دزموند توتو عن أحداث بيت حانون 2006، وتقرير غولد ستون عن حرب 2008/2009 وكذلك تقرير شاباس عن حرب 2014 تفاصيل لاستهداف المدنيين بمن فيهم الأطفال، كما أشارت إلى احتمال وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ففي تقرير أخير للجنة حقوق الإنسان للتحقيق في أحداث مسيرات العودة جاء فيه، أن لجنة التحقيق التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان في مايو 2018، «أن القوات الإسرائيلية من المحتمل أن تكون قد ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قتل وتشويه المتظاهرين الأطفال في غزة». وأوصت اللجنة بنقل المواد التي جمعتها إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وطلبت من أعضاء الأمم المتحدة أن يفكروا «بفرض عقوبات فردية ، مثل حظر السفر أو تجميد الأصول، على أولئك الذين حددتهم اللجنة». ويقول التقرير إن القوات الإسرائيلية قتلت 189 شخصا بين 30 مارس و 30 نوفمبر 2018 وأطلقت النار على أكثر من 6100 آخرين بالذخيرة الحية، بالقرب من السياج الذي يفصل بين المنطقتين. وقالت اللجنة في بيانها إنها وجدت «أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن القناصة الإسرائيليين يطلقون النار على الصحافيين والعاملين الصحيين والأطفال والمعوقين، مع العلم أنه يمكن التعرف عليهم بوضوح على هذا النحو». وذكر التقرير أن 35 من القتلى كانوا من الأطفال، و3 من المسعفين، الذين تم تحديدهم بشكل واضح و2 من الصحافيين. وكل هذه الممارسات ترقى إلى مستوى «جريمة حرب».
وللعلم فإسرائيل تعامل الفلسطيني فوق سن 16 سنة على أنه رجل، بينما يبقى الإسرائيلي طفلا إلى أن يصل الثامنة عشرة. والحد الأقصى لاعتقال الطفل الإسرائيلي 40 يوما وللفلسطيني 188 يوما، والطفل الفلسطيني يحاكم في محكمة عسكرية للأحداث، حتى لو كان عمرة 12 سنة، بينما الطفل الإسرائيلي يحاكم في محاكم مدنية للأحداث، والطفل الإسرائيلي بعد الخروج من السجن ينضم إلى برامج إعادة التأهيل المحروم منها الفلسطيني. وقد يحكم على الطفل الفلسطيني بين سن 16 و18 بالسجن لمدة عشرين سنة، كما أن 60% من الأطفال الفلسطينيين يحتجزون في معتقلات داخل إسرائيل وهذا الإجراء انتهاك لاتفاقية جنيف الرابعة.
طريق المحكمة الجنائية الدولية إذن سالك تماما. فقد أصبحت فلسطين منذ إبريل 2015 العضو 124 في المحكمة الجنائية الدولية. وقامت الخارجية الفلسطينية في 22 مايو 2018 بطلب إحالة للمدعي العام فاتو بنسودا لفتح تحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل. لكن هناك تثاقلا وتراجعا بعد تهديدات ترامب لقضاة المحكمة. فهل سيتابع المسؤولون القانونيون في السلطة الفلسطينية هذه الإحالة حتى لا تضيع بين الأوراق، فالقانون لا يطبق نفسه بنفسه، إنه يحتاج إرادة قوية وآليات فاعلة لتطبيقه.
عبد الحميد صيام/ كاتب فلسطيني

عن Wakteldjazair

تحقق أيضا

مستقبل فلسطين يملكه المتمسكون بأهداف التحرير والعودة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهووس بالصفقات والبيع والشراء، وصاحب باع طويل في الابتزاز وانتزاع الحقوق …

الفــلاشا ويهــودية الدولة… إذ ينقلــب السحر على الساحــــر

تذهب معظم الدلائل التاريخية، ومقولات المفسرين، إلى أن مملكة سبأ كانت تقع في اليمن، إلا …

الحماية للشعب السوداني

ما يجري الآن في السودان لا علاقة له بالمعنى المتداول والمعروف لمفهومي السياسة والصراع السياسي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *