الرئيسية / أقلام / العلاقات الإيرانية- الأمريكية.. وما خفي كان أعظم

العلاقات الإيرانية- الأمريكية.. وما خفي كان أعظم

إن العلاقات الإيرانية- الأمريكية الظاهرية دائماً ما كانت متوترة وأجواء العداء المتبادل تظهر بشكل صريح في خطابات وتصريحات مسؤولي الطرفين, ونعم فإن مقصدي في الظاهري هو أن لهذه العلاقة وجها آخر لا تظهره شاشات الإعلام وتخفيه القنوات الاستخباراتية للطرفين.

فالتعاون الأمريكي الإيراني بشكل عام لم يتوقف يوماً لكن قد يخفت ويبقى على شكل محادثات سرية ثم يتطور ويعود لتبادل معلومات ثم تعاون غير مباشر ثم مباشر على الأرض, هذه النظرة لم أصل لها تبعاً لرأيي الشخصي أو حادثة بعينها وإنما تبعاً لأدلة وتحركات ومواقف للبلدين في أكثر من دولة وأكثر من حادثة, سأذكرها بالتفصيل في مقال قد لا يعجب الكثيرين. المقاتلون الأفغان من المعلوم أن الولايات المتحدة الأمريكية قد دعمت المقاتلين الأفغان والمجاهدين العرب بقيادة أسامة بن لادن خلال حربهم مع الإتحاد السوفييتي سابقاً, هذا الدعم تنوع ما بين الاقتصادي واللوجستي والاستخباراتي والعسكري المباشر, فيما الجغرافيا الأفغانية جعلت من طهران ضرورة لواشنطن لتكون ممراً لهذا الدعم, وبالفعل كان الجانب الإيراني متساهلاً بشكل كبير لا بل طهران نفسها دعمت الفصائل الأفغانية هناك بغية أن تكون لها يد طولى ضمن مستقبل أفغانستان, فيما أكدت المعلومات في وقتها أن مسؤولين أمريكيين قد دخلوا لأفغانستان عبر إيران وبحماية إيرانية, ومع انتهاء الحرب هناك استمرت طهران في تعاونها مع طالبان كما استطاعت من خلال فتح أراضيها لقيادات من القاعدة أن تشكل لنفسها قاعدة بيانات وورقة جديدة تدفع واشنطن للتعاون أكثر فأكثر معهم لاحقاً. الدعم المتوازن بالرغم من الدعم الأمريكي لنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في حربه مع إيران خلال حرب الخليج الأولى إلا أن هذا الدعم كان متوازناً بشكل لا يؤدي لسقوط طهران ولا انتصارها, إلا أن الغزو الأمريكي لبغداد عام 2003 واسقاطهم لنظام صدام هناك أدخل التعاون الأمريكي الإيراني في مستوى جديد, فواشنطن بشكل مباشر سلمت العراق على طبق من ذهب للنفوذ الإيراني, فحزب الدعوة العراقي المتشكل من قبل إيران والتابع لها بشكل مباشر تولى قيادة العراق بمباركة أمريكية, ولايزال هذا الحزب بوجوهه الجديدة تحت مسميات دولة القانون وتيار الصدر وتيار الحكمة يملك اليد الطويلة في قرارات الحكومة العراقية, هذه الخطوة الأمريكية أتت كمحصلة نابعة عن إيمان الإدارة الأمريكية في وقتها أن طهران التي أنقذتهم من مأزق المقاومة العراقية السنية ما بين عامي 2003 و2006 عبر ميليشياته هناك لا تشكل أي تهديد على مصالحهم في العراق والمنطقة. البرنامج النووي مع وصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما لقيادة البيت الأبيض كان مخططه واضحاً بدفع عملية السلام مع طهران من خلال الوصول لحل نهائي بما يخص البرنامج النووي الإيراني ينهي فيه جميع الخطوات العدائية من واشنطن والغرب على طهران ويفتح صفحة جديدة لتصبح العلاقات أكثر علنية يوماً بعد يوم, وفي خضم هذه الأجواء الإيجابية بين الطرفين كانت الأزمة السورية تتطور بشكل متسارع ومن جديد التقت الرؤية الإيرانية والأمريكية في العاصمة السورية دمشق, فواشنطن رأت أن إسقاط المعارضة السورية للأسد عبر العسكرة أمر غير مقبول وأن أي تغيير في سوريا يجب أن يكون مدروسا وعبر حل سياسي, فيما ترى طهران أن سقوط الأسد هو بداية لسقوط مشروعها في المنطقة, وبهذا التلاقي أعطت واشنطن الضوء الأخضر لإيران لتدفع بقوات الحرس الثورية وميليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية في سوريا حمايةً لعرش ديكتاتور حي المهاجرين. الجماعات الجهادية شكل ملف الجماعات الجهادية أكثر الملفات سخونة على طاولة التعاون بين طهران وواشنطن, فالأخيرة التي دعمت وجود هذه الجماعات في أفغانستان كما سهلت تنقلها للشيشان والبوسنة لم تستطع أن تبقي لنفسها يدا ضمنها, فيما شكلت الخبرة الإيرانية في تشكيل هكذا مجموعات نقطة متقدمة لهم, فتمكنت طهران من التغلغل ضمن جسد القاعدة في أفغانستان, كما شكل الأسد في سوريا أداة مثالية في مراقبة الجماعات الجهادية في العراق لصالحهم, كما استطاعت من خلال حليفها في اليمن المتمثل بالحوثيين مراقبة جماعة أنصار الشريعة هناك, كما أن انتشار وتمدد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا لم يكن بعيداً عن مخططات طهران ودعمهم فمعركة الموصل الأولى والتي أنتجت بداية لهذا التمدد مثالا كافيا عن كيفية دعم طهران لهذه الجماعة, ومن خلال هذا الكم من النفوذ والمعلومات استطاعت طهران أن تفرض نفسها كشريك مع واشنطن إلى حين وصول ترامب لقيادة البيت الأبيض. تصدر الجمهوريين مع تصدر الجمهوريين للمشهد الأمريكي بقيادة ترامب رأى البعض أنه بداية لمنعطف خطير على طهران إلا أن الواقع يؤكد يوماً بعد يوم أن هذا المنعطف لم يكن حاداً بالدرجة المطلوبة بعيداً عن الخطابات الرنانة وذات السقف العالي التي يصرح بها ترامب ومسؤولو إدارته من وقت لآخر, فالعقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن على طهران مع سماح 8 دول لإبقاء استيرادها النفط والغاز الإيراني يجعل من وزن وقيمة هذه العقوبات محدود التأثير, كما أن المباحثات لإنشاء الحكومة العراقية خلال الأشهر الأربعة الأخيرة بين ممثلي طهران وواشنطن والتي أنتجت وصول رئيس وزراء حليف لطهران يوضح أن العلاقات بين البلدين لاتزال مستمرة. كما أن الضغوطات الكبيرة التي تفرضها واشنطن مؤخراً على المملكة العربية السعودية لإيقاف حربها على الحوثيين في اليمن ( بالرغم من رفضي التام للجرائم التي يرتكبها التحالف العربي في هذه الحرب ) يشكل دعماً غير مباشر لطهران من خلال فرض ذراعها هناك المتمثل بالحوثيين كشريك في الحل السياسي المقبل في اليمن, كما أن التعامل السلبي لواشنطن بأحداث الأزمة السورية وترك الأسد يعيد فرض نفوذه هناك مدعوماً بموسكو وطهران هو أيضاً دعم لبقاء مشروع طهران التشيعي الميليشياوي في المنطقة عموماً, ففي الوقت الذي تقصف فيه الطائرات الأمريكية قرية الهجين السورية التي تقبع تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية دعماً لتقدم الميليشيات الكردية الانفصالية حليفتها هناك, تقصف المدفعية التابعة للميليشيات الإيرانية القرية نفسها وتعطيهم غطاء ناريا على الأرض. الحنكة السياسية لا يمكن إنكار الحنكة السياسية والعسكرية والاستخباراتية التي امتلكتها طهران خلال الأعوام الأربعين الأخيرة, كما أن فكرة إنشاء ميليشيات وزرعها في دول المنطقة أصبحت تجربة تستنخ من دول أخرى وعلى رأسهم موسكو, إلا أن هذه القوة لم تكن لتظهر وتتوسع لولا عنصران أساسيان, الأول هو الضوء الأخضر الأمريكي مع اختلاف الوجوه والتوجهات, والثاني هو تلاقي المصالح مع تل أبيب التي لاتزال ترى بمشروع طهران في المنطقة خير وسيلة في سبيل دفع الدول السنية في المنطقة للاحتماء بقدراتهم العسكرية أمام هذا المشروع الذي إلى الآن لم يشكل أي خطر على الوجود الإسرائيلي ونفوذه, وبهذا الشكل عندما تستمعون لأصوات جنود مشروع طهران في الشرق الأوسط يصرخون بشعار: الموت لأمريكا والموت لإسرائيل, عليكم تذكر المثل العربي الشهير القائل: ومن الحب ما قتل.

إيفا كولوريوتي/محللة سياسية يونانية

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *