الــوطنيــــة والإيديولوجيا

مساهمة

إن الخلاف الحاصل – دوما – بين النخب لا يخرج عن كونه إيديولوجيا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون وطنيا، لكن النخب عندنا تعودت الخطاب الشعبوي، والتعبئة الشعبوية، فالخطاب عندنا الهدف منه – عادة – كسب تأييد وخلق أتباع ومريدين، وليس إيصال رسالة معينة، كما أن خطاب النخب عندنا يفتقر إلى الحجة الدامغة، إذ يفتقر هذا الخطاب إلى الأسس المنطقية والمعرفية التي يبنى عليها الخطاب، فقد جاء عند ميشال فوكو في كتابه ( علم آثار المعرفة ): “ إن لغة الخطاب ليست مجرد تجمعات من الكلام تتبلور حول موضوع أو قضية، ولا هي مجرد مجموعات عبارات تنشأ من إطار مؤسسي بعينه، بل هي تكتلات شديدة الإحكام من الكلام أو العبارات لها قوة داخلية تخص الخطاب نفسه. “ فالخطاب له شخصية بذاته، وهذا على المستوى الأكاديمي، أو في عالم المثقفين، لكن المثقفين عندنا لا يصلون إلى هذا الفهم العميق للخطاب، أو بالأحرى لا يريدون أن يصلوا إلى ذلك، لأنهم توارثوا تراكمات من المفاهيم لم يريدوا أن يبرحوها أو يتخلوا عنها، فحينما نقرأ ما يكتبه المثقفون أو يقولونه في حواراتهم نجدهم يتكلمون عن الإيديولوجيا بشكل ساذج ومبتذل فهم لا يفرقون – أو لا يريدون أن يفرقوا – بين الإيديولوجيا والماركسية، ولا يخفى على أي مثقف أن الماركسية ما هي إلا أنموذج سياسي وفكري يُعتبر – ككل النماذج السياسية – يعتبر كل أنموذج فكري مخالف خيانة له وللبلد الذي يكون فيه – وهذا لا يختلف كثيرا عن المفهوم الشعبي للاتجاه السياسي، وهذا ما عبر عنه الروائي الراحل الطاهر وطار في حوار مع الصحفي الخير شوار، وهو حوار أجراه ضمن مجموعة من الحوارات جُمعت في كتاب تحت عنوان: إخوة النار، فقال – فيما معناه – أن كل جزائري وطني، ولكن كل واحد وطني بطريقته، لكننا ما زلنا نحيل كل خلاف إيديولوجي إلى محك الوطنية والخيانة، وهذا الفهم ينطبق على المثقف ورجل الشارع البسيط، وهذا – طبعا – لا يعني أننا لا نفرق بين مستوى المثقف ورجل الشارع، بل المشكلة أن المثقف أيضا يتعامل مع الإيديولوجيا كما يتعامل معها رجل الشارع البسيط، لا كما تقتضيه مفاهيم الخطاب الأكاديمية، وهذا لأن المثقف يبحث عن مكانة وتموقع داخل المجتمع، وهذا ليس أسلوب مثقف يريد أن يبلغ رسالة، بل هو أسلوب سياسي يريد أن يتقلد مناصب، وهو ما أدى بخطاب المثقف عندنا إلى الميل إلى الشعبوية، والشعبوية مطية السياسيين لا المثقفين، ولهذا فلا فرق عندنا بين المثقف والسياسي، فكلاهما يريد مكاسب ومناصب، ولم يصل خطاب المثقف عندنا تلك الدرجة من الرومانسية والتجريد ككل خطابات المثقفين في كل أصقاع الدنيا، ونحن نعرف أن قياس رقي العقل من عدمه تقاس بقدرته على التجريد وعدم حاجته إلى التفسير المادي للأشياء، ولله في خلقه شؤون.

د.لطفي حمدان

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *