الرئيسية / أقلام / الفــلاشا ويهــودية الدولة… إذ ينقلــب السحر على الساحــــر

الفــلاشا ويهــودية الدولة… إذ ينقلــب السحر على الساحــــر

تذهب معظم الدلائل التاريخية، ومقولات المفسرين، إلى أن مملكة سبأ كانت تقع في اليمن، إلا أن ذلك لا ينفي وجود بعض الآراء تتحدث عن تواجد هذه المملكة في إثيوبيا، وبغض النظر عن موقعها التاريخي، فقصة مملكة سبأ وملكتها الشهيرة، التي وردت في التوراة والقرآن تحمل تأثيرها الكبير على التدين المسيحي في إثيوبيا، فالملوك الإثيوبيون القدماء يرون أنهم من السلالة التي تمتد إلى النبي سليمان وزوجته بلقيس، أو ماكيدا أو كنداكة، ليؤسس ذلك لاختلاف جذري بين الثقافة الإثيوبية وبقية الأمم الافريقية القريبة.

يتداخل تاريخ إثيوبيا مع اليمن بصورة معقدة، ومن مدخل هذه العلاقة الشائكة والاحتلال الحبشي الطويل والمرهق لليمن، حدثت تأثيرات كبيرة تتعلق بالديانة اليهودية، التي ازدهرت لفترة من الزمن في اليمن، ومن ثم تعرضت للاضطهاد، فكان طبيعياً أن تجد الجماعة اليهودية بوصفها الوظيفي، كما شرحه بإسهاب الدكتور عبد الوهاب المسيري، مكاناً لدى المنافسين الرئيسيين لأهالي اليمن في إثيوبيا، ولذلك وجدت المجموعة اليهودية التي تسمى بالفلاشا، وبقيت تؤكد على انتمائها اليهودي، الذي يختلف كثيراً عن بقية الجماعات اليهودية الشرقية والغربية. تشكلت الجماعة اليهودية في إثيوبيا، وبقيت تتأرجح بين اعتناق المسيحية الديانة الرسمية والعودة إلى اليهودية، كما سمحت الكنيسة الإثيوبية بعمليات تهويد يمكن أن توضع تحت مجهر التساؤل كثيراً، خاصة أن الديانة اليهودية تختلف عن المسيحية والإسلام، في كونها ديانة غير تبشيرية، وليست معنية بإتاحة فرصة الخلاص للإنسانية بأسرها، ويطرح هذا تساؤلاً حول العناية بوجود هذه الفئة من اليهود في مشروع الدولة الصهيونية. تعاني (إسرائيل) من إشكالية ديموغرافية جوهرية، تتمثل في وجودها في محيط يمتلك ثقافة واحدة، على الرغم من التباين الكبير في أصوله العرقية، وهذه الثقافة ترفض الممارسة اليهودية التي كانت تهدد سلامها الداخلي منذ قرون طويلة، ويجب الفصل بين الموقف العربي من الجماعة اليهودية بشكل عام، وهو متشابه مع مواقف بقية الأعراق من ممارساتها الانعزالية والوظيفية، والموقف الذي يحمله العرب تجاه الهجرة الصهيونية، التي أتت لتحل المسألة اليهودية في أوروبا على حساب الشعب الفلسطيني، فالموقف الأول يمكن تسويته بصورة أو بأخرى، وربما لم يشهد اليهود في تاريخهم مساحة من التسامح، كما كانت الحالة مع العرب. على الرغم من ذلك، بقي الهاجس الصهيوني متعلقاً بفكرة إحداث نوع من التوازن الديموغرافي، وكانت الحلول تأتي من اليهود الشرقيين ومعدلات الخصوبة المرتفعة بينهم قياساً بيهود أوروبا، إلا أن ذلك كان يتناقض مع الصراع بين الشرقيين المتعالين بتجذر وعمق ثقافتهم وتقاليدهم اليهودية، والإشكناز القادمين من أوروبا بأفكار هشة وغير متماسكة، وتأثيرات عميقة من الحاخامات المبتدعين في التراث اليهودي، وبطبيعة الحال، فمركزية الإشكناز في المشروع الصهيوني، بوصفهم الكتلة غير المرغوب فيها على مستوى أوروبا، كانت المخاوف من صعود اليهود الشرقيين قائمة، ليأتي الحل السحري في تشكيل كتلة يهودية أخرى على قدر من المرونة، بحيث يمكن أن تحدث توازناً في الصراع الثقافي المبطن بين اليهود الشرقيين والغربيين، وبالطبع كان الفلاشا، الذين عاشوا في وسط إثيوبي مسيحي وإسلامي في معظمه، واستمروا في السياحة بين الانتماءات الدينية، يمثلون كلمة السر في هذه المعادلة. يتزاحم العديد من النظريات حول هجرة اليهود الفلاشا من إثيوبيا، خاصة أن جزءاً منها أتى من خلال عمل استخباري، وعلاقات تحت- الطاولة السياسية، وخارج الأطر القانونية والشريعة الدولية، إلا أن ربط الهجرة بالفقر والظروف المعيشية السيئة التي كانت تعانيها طبقات مهمشة في إثيوبيا يبقى على قدر كبير من المنطق، فوجود فرصة الهجرة إلى الحلم الذي تشكله (إسرائيل) بمعدلات الأداء الاقتصادي القائمة كان عاملاً مغرياً لادعاء الانتماء للفلاشا واعتناق الديانة اليهودية. وحققت (إسرائيل) ما تريده نحو مشروعها لدولة يهودية، كما أدت إلى تحسين نسبة اليهود مقابل العرب والدروز داخل الديكور المتحضر لدولة المواطنة العلمانية، الذي كانت اسرائيل تحاول تسويقه في مرحلة من تاريخها، كما وفرت نظرياً بديلاً معقولاً من الأيدي العاملة الرخيصة والمتواضعة، التي لا يمكن أن تزاحم في الوظائف التي يحتلها اليهود الغربيون وتصنع تأثيرهم السياسي في إسرائيل. تفاعلت العنصرية اليهودية تجاه الفلاشا، وبمجرد دخول الفلاشا إلى المجتمع الإسرائيلي تحركت عقدة الواقعين سابقاً تحت الاضطهاد، بإيجاد موضوع يمارسون الاضطهاد تجاهه، فالعنصرية الصهيونية التي تجد جذوراً في الانعزالية الوظيفية اليهودية، أطلقت براثنها لتأكل أحلام الفلاشا، وتحاصرهم في صورة الجماعة الهامشية المنسية، التي يمكن استغلالها من وقت إلى الآخر، بدون أن يتواجد أي تفكير في الاستثمار الحقيقي في الطاقات البشرية للفلاشا، وبالطبع لم تكن ثمة طريقة لاعتبار حادثة مقتل مراهق من الفلاشا على يد شرطي اسرائيلي خارج أوقات دوامه، مجرد حادث عرضي، فلو كان الفتى الذي أقدم على حركة مشبوهة أبيض البشرة لتواجدت طريقة للتفاهم معه، وتجنب اطلاق النار. مثلت الحادثة الفرصة المثالية لإطلاق مظلومية الفلاشا، وحاولت الدولة الاسرائيلية أن تغطي على الاحتجاجات التي اتخذت المنحى العنيف، بدون وجود مخرج معقول من الأزمة، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في افتقاد الفلاشا لشكل سياسي يمكن أن يدفع بإحراج (إسرائيل) وفضح عنصريتها، ولذلك فمن المتوقع أن تخفت الاحتجاجات مع الوقت، إلا أن الباب الذي فتحته سيبقى موارباً بصورة دائمة، وربما تتطلب البراغماتية أن تتحرك جميع الفعاليات المناهضة لإسرائيل للتركيز على عنصرية دولة اسرائيل المرشحة أصلاً للتصاعد مع الفورة اليمينية في الأوساط السياسية، ومحاولتها تشكيل الحكومات من خلال استمالة المتطرفين اليهود، بوصفهم رمانة الميزان، وفي هذه الزاوية استطاعت الأحزاب الدينية المتطرفة أن تشكل القوام السياسي الذي تفتقده الفلاشا، ومن غير المتوقع أن تستطيع إنتاجه في الظروف الراهنة. ليس من المناسب تماماً أن تنتقل ساحة الصراع مع اسرائيل من الاحتلال غير القانوني إلى مساحة الدولة العنصرية، التي يمكن إعادة تأهيلها في المنطقة كعنصر طبيعي، ولذلك فالتعويل على قضية الفلاشا يشكل فخاً كبيراً بالنسبة للعرب المناهضين لإسرائيل، وللعرب الذين يسكنون في دولة (اسرائيل)، والخيارات الصعبة بين التمسك بما يقع في إطار الحق ويتعلق بوضعية الاحتلال، وما يمكن أن يترجم في إطار المطالب التي تقع ضمن ما يقبل الأخذ والرد. مع ذلك، فما يحدث في اسرائيل يبقى عنصرية يجب إدانتها وشجبها من حيث المبدأ الإنساني، وبغض النظر عن حسابات السياسة وخلفياتها.

سامح المحاريق/ كاتب أردني

شاهد أيضاً

الحوثيون والتحالف العقائدي والسياسي مع طهران

ينظر حسين بدر الحوثي إلى زعيم الثورة الاسلامية في إيران الخميني، على أنه «مثل أعلى»، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *