الرئيسية / أدب، فكر وفن / القيثارة التي لم يقتلها الموت

القيثارة التي لم يقتلها الموت

جاءت إلى العاصمة ذات يوم من 1969.. تحلم بالكلمة، تخلت عن اسمها الحقيقي “زهرة رابحي”، واتخذت آخر أكثر محليةً: “صافية كتو”.. التحقت بعالم الصحافة عام 1973، واشتغلت في قسم التحقيقات الصحفية بوكالة الأنباء الجزائرية، وساهمت في العديد من الجرائد والمجلات.. أصدرت عددا من الأعمال قبل أن تضع حدا لحياتها من على جسر تيليملي بالعاصمة، آخذة معها صوت نيرودا وآلام ابن الملوّح..

سعيد خطيبي .. صوتُكِ يرقد في أعماق الذاكرة
عن الشاعرة صافية كتو، يقول الكاتب سعيد خطيبي: “حين أصدرت صافية كتو مجموعتها الشعرية ‘صديقتي القيثارة’ (1979)، تنبّأت لها الصحافة الجزائرية بمسيرة متميّزة. وحين أصدرت مجموعتها القصصية ‘الكوكب البنفسجي’ (1983) انتفضت ضدها، وحاولت التقليل من شأنها… وحين توفيت بطريقة تراجيدية، التزم الجميع الصمت، ليحلّق سؤال واحد: هل مصير الشعراء الانتحار؟
صافية كتو، عند سعيد خطيبي هي “صاحبة الذاكرة المضطربة والمرأة الباحثة عن خلاص”، التي “استطاعت خلخلة بعض القناعات الملازمة للحركة الأدبية في جزائر الثمانينيات، مثل تمجيد مفاهيم الاشتراكية والثورة الزراعية، وتكريس البنية انفردت بتأسيس تيار ‘كتابة الخيال العلمي’ في الأدب المغاربي، وجددت مفهوم الدفاع عن القضايا النسوية السياسية القائمة”.
ظلت أعمال صافية كتو بقيت بعيدة عن القارئ الجزائري، يقول خطيبي، وظلّت الكاتبة تعيش منفيّة داخل وطنها. حتى 29 جانفي (يناير) 1989، حيث صنعت نهايتها.. لماذا انتحرت صافية كتو؟ كيف تركت أصدقاءها -أمثال الطاهر جاووت الذي سيسقط لاحقاً برصاص المتطرّفين- ينتظرون مسرحيتها “أسما”؟ وماذا عن روايتها التي قالت “إنها تغوص في الجانب السيكولوجي من حياة الفرد”؟ هل سنقرأ يوماً تلك الرواية التي ترفض عائلتها، حتّى الساعة، الكشف عن أوراقها؟

عبد القادر ضيف الله.. اغتيال أم انتحار
عبد القادر ضيف (رئيس جمعية صافية كتو الأدبية)، يقول عن انطفائها المفاجئ: “لحظتها كتبت الشرطة بالعاصمة أن الموت كان انتحارا، قال رفاقها صافية تنتحر.. وقالت المدينة بعيون الصمت أن هذا الفعل لا يجب أن يعاد الحديث فيه (..).. تمت صلاة الجنازة، وُوريت صافية كتو التراب الذي غادرته ذات مساء من سنة 1969 صوب العاصمة..
ويضيف: ” وقفت على الجسر وأنا أعيد رواية واسيني الأعرج إلى جراب محفظتي خوفا من أن يتسلل بطلها من بين يدي ويرمي بنفسه في الهاوية. مشيت يومها وأنا صامت، وإذا بسيارة أجرة تتوقف في آخر الجسر.. لا أعرف كيف وجدت نفسي داخلها وأنا أحدث ذاك السائق عنها وعن موتها التراجيدي، فجأة أدار بأصابعه مرآته العاكسة وراح يبصر فيّ بعمق، بعدها زفر وهو يسألني إن كنت أعرف صافية حقا.. تذكرت حينها أخت صافية الصغيرة، التي قالت لي يوما أنها لا تصدق أن صافية أقدمت على ذاك الفعل… لحظتها تابع السائق كلامه: تلك فترة انعطاف في حياة هذه البلاد، أتعرف الرئيس الذي كان في تلك الفترة.. كان يريد أن يقدم بعض الأسرار عن تلك التحولات المتسارعة والانهيارت التي بدأت تمس البلاد، وقد جيء بصافية لتكون هي مسجلة تلك الأسرار.. وحينما خرجت صافية في ذاك اليوم بعد ذاك اللقاء، غابت وبعدها كان خبر موتها يا صديقي..
ويختم بن ضيف الله: “ترى، هل اصدق قصة انتحار صافية كتو أم قصة اغتيالها؟”.

محمد عاطف بريكي.. لماذا انتحرت؟
محمد عاطف بريكي، مترجم أشعار صافية إلى العربية، يقول عن رفيقة حرفه: “ذات شتاء حزين، استيقظت السماء على وقع جثة يانعة همدت تحت سنابك موت اختارت له صافية عينين وتاريخا ومكانا: فأما العينين فهما لقيثارتها المكسرة وأما التاريخ فهو يوم شتاء رصاصي المذاق 29/01/1989 وأما المكان فكان لأناس آخرين لم يذوقوا طعم الحرقة في صمت تلك الغزالة التي لم يرحموا أنوثتها ولم يقدروا حق وجودها بينهم وهي التي لم تقل سوى شعرا بسيطا بساطة منبعها وقصصا من عمق خيالها الجامح”..
ويتحسر: “.. لكنها في خضم الحياة وفي يوم ما ولظرف ما لم تستطع أن تواصل العيش فاختارت الموت.. إن مسألة انتحار صافية كتو تعتبر مسألة خاصة تتعلق بصراع نفسي شرس عانت منه الشاعرة في دواخلها قبل أن تحسم الأمور أسفل الجسر”.

من شعر صافية كتو:
“إذا مت بينكم يوما
ولكن أتراني سأموت حقا؟
لا تتلوا من أجلي آيات من القرآن
دعوه لمن يتاجرون به
لا تجزوا لي فدّانين من
فردوسكم
فدان واحد على هذه الأرض يكفي
لسعادتي
لا تنثروا على قبري بذور التين
المجففة
كي تأتي طيور السماء
وتأكلها
لا تزوروني مرة في السنة
لأن ليس عندي شيء أقدّمه لكم
لا تقسموا بخلاص روحي، لا
صدقا
ولا حتى زوراُ..”.

خالدة.م

شاهد أيضاً

أحب التجريب الذي يتيح توظيف التراث

يرى الشاعر الجزائري “عيسى ماروك، إن الحداثة ليست قطيعة مع ماضينا أو تنكرا له أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *