الرئيسية / مجتمع / “الماصو”.. عملة نادرة

“الماصو”.. عملة نادرة

شباب اليوم ينفر من مهنة البناء

إذا كانت مقولة “الماصو والمصروف خاصو” قد تعّبر على حال الكثير من المشتغلين في مجال البناء، فإن هذه المقولة انقلبت عليهم وبات العثور على “ماصو” غير مشغول من سابع المستحيلات، وإن وجد فالمماطلة في العمل تكون سيدة الموقف كون البنّاء الذي سيتولى أشغال “البريكول” في منزلك، ملزم بإتمام بناية كاملة عند شخص آخر، في الوقت الذي ينفر شباب اليوم من هذه المهنة التي تحولت في وقتنا الحالي إلى عملة نادرة.

سعيد الحظّ اليوم من يجد بنّاء يتولى أشغال منزله يكون غير منشغل، فحتى وإن عصرت عليه فلا تتوقع أن يباشر الأشغال فور تلقّيه الاتصال فارتباطه بعمل آخر يحول دون ذلك، فإن كنت في عجلة من أمرك فما عليك سوى مباشرة حملة بحث ثانية لإيجاد بنّاء يكون متفرغا لبداية العمل، ولن يكون ذلك بالأمر الهيّن، وفي السياق يقول “محمد” إنه احتاج لبناء لإتمام أشغال في منزله كان قد خلّفها بنّاء من قبل لم يتممها بحجة أنه تعرض لوعكة صحية والحقيقة أنه كان مرتبطا بعمل في مكان آخر، ويضيف محدثنا أنه وبعد جهد جهيد عثر على “ماصو” آخر والذي لم يتمم الأشغال المتبقية إلاّ بعد 20 يوما وهي لا تحتاج –حسبه- سوى 4 أيام لا أكثر.

رحلة بحث في فائدة “الماصو”

تكثر أشغال الترميم والرتوشات، وحتى عمليات البناء بشكل عام في فصل الصيف كونه الفصل المناسب لمختلف الأشغال سيما إذا كان صاحب المنزل في عطلة ما يجعله يسرع لإتمام كل الأعمال قبل نفاذ أيام راحته، غير أن أيام العطلة قد تنتهي ورحلة البحث عن “ماصو” لم تكتمل بعد، فحسب “حكيم” مقاول في مجال البناء فإن العثور على بنّاء في وقتنا الحالي ضرب من الخيال كون أصحاب هذه المهنة في تناقص كبير، ويضيف محدثنا أنه يملك مقاولة خاصة ويحتاج في غالب الأحيان إلى مساعدي بناء أو بنائين أكفّاء، فغالبا ما يتسبّب عدم عثوره عليهم في تأجيل عمل ما أو الإطالة فيه، ما يجعل صاحب اعمل يتذمر منه غير أنه –يقول محدثنا-“ما باليد حيلة، فالبناؤون الذين يتقنون هذه المهنة نادرون، أما أشباه البنائين فهم كثر، وأنا شخصيا لا أشغّل معي شخصا لا يتقن عمله كما يلزم، كون البناء مسؤولية وعلى الشخص الذي يقوم بها أن يتقنها جيّّدا أو لا يقربها”.

شجارات يومية حول “الميتراج”

إذا حالفك الحظّ وعثرت على “ماصو” فلا تتوقع أن مشكلتك قد حلت فانتظر الكثير والكثير، فإضافة إلى المدة الطويلة العريضة التي يقضيها في أشغال قد لا يتعدى إنجازها يومين أو ثلاثة لا أكثر، فمشكل آخر سيعترض طريقك وربما سيجعلك لا تفكّر يوما في إنجاز أي أشغال في منزلك أو تقوم بها بنفسك، فكثيرا ما دخل البنّاء وصاحب المنزل في شجارات حقيقية سببها الأجرة بعد الانتهاء من الأشغال، فإن حاولت الاستفسار عن ثمن الأشغال فلا تنتظر إجابة منه، كونه يفضّل تأجيل الموضوع إلى غاية الانتهاء من الأشغال، لتكون الصدمة الحقيقية لصاحب العمل الذي يفاجأ بسياسة “الميتراج” التي يشرع فيها “الماصو” بعد الانتهاء من الأشغال ليتكون النتيجة أجرة خيالية يعجز صاحب المنزل على تسديدها، وفي ذات الصدد يقول “سليم” إنه كلّف “ماصو” بتلبيس غرفة واحدة لم يستغرق فيها البنّاء سوى يومين من الزمن، لم يكن يتوقع أن يحتسب له العمل بـ”الميتراج الذي رفع سقف الغرفة الواحدة إلى مليون سنتيم ما جعله يعجز عن تسديدها كونه لم يتفق مع البنّاء بالعمل بهذه الصيغة الأمر الذي اعتبره نصبا واحتيالا كونه لم يتفق معه على هذا المبلغ. جيل اليوم ينفر من مهنة البناء وعلى الرغم من اعتماد الكثير من الشباب حتى من خرّيجي الجامعات لمهنة البناء كمهنة إضافية في الصيف، أو حتى للشباب الذي تسرب من المدارس، إلا أن هؤلاء لا يفكرون في جعلها مهنة مستقبلية لهم، من خلال الاحتكاك الميداني بأصحاب الاختصاص والإسراع لإجراء تكوين في المجال والحصول على شهادة، فحسب “مراد” طالب جامعي سنة ثالثة رياضيات، فإن مهنة البناء تدرّ الكثير من المال حيث أنه يقوم بالعمل كل عطلة صيف كمساعد بناء يكفيه لموسم كامل من مصاريفه الدراسية وغير ذلك، فيما يعمل في باقي العطل أين يغنيه ذلك على سحب منحته الجامعية، كونه لا يقبل بأجرة يومية تقل عن 1800 دينار، ومع هذا يقول محدثنا إنه لا يفكر في العمل في هذا المجال كونه بعيدا عن تخصصه، وأنه يستغل منه عملا ظرفيا لا أكثر. من جهته، يرى “علي” أن عمله في مجال البناء كان هواية مفضلة منذ الصغر أين كان يساعد والده في ترميمات و”روتوشات” في المنزل، غير أن هذا لم يمنعه من ترجمة حبه للمهنة على أرض الواقع أين كان يعمل في عطلة الصيف لتأمين مصاريف دراسته، وبعد أن أكمل دراسته الجامعية في مجال التسويق، بقي “علي” متعلقا بصنعة أحبها منذ الصغر، وأصبح يمارسها نهاية الأسبوع رفقة أخاه “عبد الرحمان” الذي استغل منها مجالا لعمله بعد أن عجز عن إيجاد عمل في مجال تخصصه. في السياق، يقول “حكيم” إن مساعد البناء اليوم يتقاضى أجرا يوميا يتراوح بين 1200 و1800 دينار، فيما يعمل البنّاء براتب يومي لا يقل عن 2500 دينار لليوم، ورغم هذا يقول محدّثنا إن الكثير من شباب اليوم يرفضون تعلّم هذه الصنعة ويعتبرونها ربما إنقاصا من قيمتهم، وعلى عكس ذلك يفضلون العمل في مجال البيع في محلات “الكوسميتيك” ومحلات بيع الملابس والتي يمنحهم أصحابها أجرة يومية لا تزيد عن 1200 دينار لليوم.

غياب التأمين نقطة سوداء

تقرّبنا من بعض المشتغلين في مجال البناء وحاولنا معرفة بعض الخبايا لهذه الصنعة التي حولت “الماصو” لعدّوا للجميع، كانت بدايتنا مع “عمار” الذي قضى قرابة 40 سنة في هذا المجال يقول محدثنا “صحيح أن عملنا يدر الكثير من المال سيما في فترة الصيف أين يكثر البريكول، إلا أن غياب التأمين نقطة سوداء في نشاطنا، فالعامل في هذا المجال يجد نفسه صفر اليدين بمجرد وصوله سن معينة أين لا يمكنه العمل مجددا لدواعي صحية، فهنا يندم على كل وقته الذي ضيعه في العمل بدون تأمين”، فيما أضاف أن البنّاء الذي يعمل لصالحه صحيح يجمع ثروة سريعا ما تزول بمجرد نقص فرص عمله، أما الذي يعمل بتأمين عند المقاولات الخاصة أو حتى العمومية، فإن الجهد الذي يبذله يكون ضعف الراتب اليومي الذي يتقاضاه والذي لا يتعدى في كثير من الأحيان 1800 دينار مع التأمين، وهو ما يجعل الكثيرين من أصحاب هذه الصنعة العمل لصالحهم حتى ولو كان ذلك من دون تأمين. وعلى عكس “عمار” فإن “عبد الحق” 42 سنة، قال إنه تقرب من إحدى شركات التأمين وأمّن نفسه تحسبا لأي طارئ قد يحصل معه ويترك أطفاله الثلاثة من دون معيل، حيث قال إنه يدفع شهريا مبلغا ماليا ويحصل على امتيازات معينة تضمن له مستقبله ومستقبل أطفاله. من جهته، قال “عبد المومن” إنه عمل في هذا المجال طيلة 20 سنة، حيث اشتغل لصالحه في كثير من الأحيان، بعد أن وجد عدم جدوى العمل بالتأمين براتب شهري لا يتعدى 25 ألف دينار، ومعاناة وشقاء بالعمل من الثامنة صباحا إلى غاية الرابعة مساء، وهو ما اعتبره و”عبد المؤمن” أمرا غير مقبول ما جعله يفضل العودة للعمل لصالحه على العمل بهذا الراتب الذي لا يسدّ به مصاريف 15 يوما ليكمل الشهر بالاستدانة، ويضيف أنه يعمل لصالحه إلا أن ذلك أفضل بكثير فهو يؤمن مصاريف أسرته المكونة من 5 أفراد ويدخّر قليلا، إلا أنه ينوي فتح محلّ خاص ببيع مواد البناء، وهو مجال تخصصه فيما لا ينوي التوقّف عن العمل في مجال البناء كونه الصنعة الوحيدة التي يتقنها جيدا.

مطالب بتكوين الشباب في مجال البناء

يناشد أصحاب هذه المهنة الشاقة الجهات الوصية بالعمل على تحسين وضعية القطاع وتوفير الإمكانيات الضرورية اللازمة “للماصو” والتي تمكنه من أداء عمله في أحسن الظروف الممكنة، إلى جانب وضع امتيازات هامة من شأنها استقطاب فئة الشباب لممارستها وبالتالي حمايتها من الزوال والاندثار، وتجسيد مختلف مشاريع القطاع التي تشهد تأخرا بسبب غياب اليد العاملة، هذا إلى جانب الاهتمام الكبير بعملية التكوين في هذا المجال عبر مختلف مراكز التكوين المهني والتمهين المتوفرة عبر مناطق الوطن، من خلال جعلها في مقدمة التكوينات الشبانية في مجال الأشغال العمومية، مع إتاحة فرص الشغل في المشاريع السكنية الهامة التي تقوم بها الدولة، وهو مطلب رحّب به بعض الشباب ممن أحبوا الفكرة والعمل في هذا المجال الذي سيفتح لهم أبواب الشغل، وهنا اعتبر “عبد الحق” أن التكوين مهم جدا في مجال عملهم، مشددا على التكوين الميداني والابتعاد عن النظري لضمان تخرج بنائين ومساعدين أكفاء بإمكان صاحب المنزل أو المشروع منحهم العمل وهو في كامل راحته.

ق.م

شاهد أيضاً

 التكنولوجيا الحديثة تهدّد كيان الأسر

“حملات تفتيشية حازمة” تقودها الزوجات  اجتاح الشك بيوت الجزائريين خاصة مع التكنولوجيات الحديثة، فبقدر ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *