الرئيسية / مجتمع / المتقاعـــدون في الجــزائـــر .. طــاقـــات ضائعــة بيـــن الســاحـــات العـمــــومـيـــة

المتقاعـــدون في الجــزائـــر .. طــاقـــات ضائعــة بيـــن الســاحـــات العـمــــومـيـــة

انتقلوا عنوة إلى الفراغ استعدادا للموت

أكثر من 3 ملايين متقاعد في الجزائر، يضاف إليهم 50 ألف موظف يحالون سنويا على المعاش، يلتحقون بمن سبقوهم إلى الفراغ الذي لم يألفوه ولم يستعدوا له نفسيا ولا جسديا ولا حتى ماديا، فيعيشون آخر أيامهم يترقبون لحظة الموت بعد تأكيد انتهاء صلاحيتهم في مجتمع بالكاد يلتفت إلى هذه الشريحة المحرومة من أغلب حقوقها والتي لا تستطيع أن تتكتل ضمن تنظيم موحد لافتكاك البعض منها ضمانا لحياة كريمة تحفظ لهم القليل من الكرامة المهدورة بين الفضاءات العمومية والحدائق .

يتكدسون في المقاهي والساحات العمومية ومختلف الفضاءات المتوفرة كأجساد رحلت عنها أرواحها، بحثا عن أقرأنهم الذين يعانون نفس الوضع المفروض عليهم بعد مغادرتهم عالم الشغل وتسليمهم شهادة وفاتهم وهم في أوج عطائهم، يفتشون عن نافذة صغيرة يطلون منها على بعض الترفيه والتسلية قبل أن تطوى صفحتهم إلى الأبد ويلتحقوا بالرفيق الأعلى، مقهورين من واقع ظالم لم يرحم فيهم ضعفهم ولا قلة الحيلة لديهم بعد أن فعل الزمن فعله فيهم، على عكس نظرائهم في الدول الغربية الذين يتوقون إلى هذه المرحلة من حياتهم المهنية والتي تمكنهم من قضاء وقت أطول مع العائلة دون أي ضغوطات مهنية ولا التزامات مفروضة، مستفيدين من وقتهم الكثير لأنفسهم لينعموا بالراحة والترفيه .

الروتين القاتل يصنع يوميات المتقاعدين في الجزائر

تختلف يوميات المتقاعدين في الجزائر من شخص لآخر، لكن أغلبهم يركنون إلى الراحة، فتغدو أيامهم متشابهة، يشكلها فراغ رهيب وروتين قاتل في انتظار الأجل، ملاذهم الوحيد هو الفضاء العام والمقاهي كونها تسمح لهم بقراءة بعض الصحف وتوفر لهم لقاء الأقران واستعادة رصيد الماضي من ذكريات تؤنس وحدتهم وغربتهم في مجتمع لا يعترف إلا بالمصلحة التي لا يمكن لماضيهم أن يوفرها لهم مهما كان غنيا وثريا بالخبرات، فلا أحد يهدي هؤلاء هذه الميزة الوحيدة التي خرجوا بها من طفولتهم وشبابهم، مجبرين إياهم اللجوء إلى عالم الخيال للعيش في أحضانه بعيدا عن الواقع، يقول أحد هؤلاء والقاطن بساحة الشهداء إنه ومنذ تقاعده يلتقي برفقاء الماضي في أحد المقاهي المحلية لممارسة لعبتهم المفضلة ممثلة في “الدومينو” والتي تجبرهم أحيانا إلى لعبها خارج المقهى في حالات الاكتظاظ وسبق لهم أن مارسوها حتى في الأجواء الممطرة، محتمين إلى المطريات بعدما حرموا من فضاءات خاصة بهم تجمعهم، ولأن مجالات التسلية لديهم تكاد تكون منعدمة فإن أي وسيلة مهما أحيطت بالمعوقات فهم يتشبثون بها خوفا من الوقوع في الروتين الذي أضحى يقتلهم ببطء دون أن يجدوا من ينتشلهم من الركود المعيشي الذي يحيون فيه .

40  بالمائة من المسنين يصابون بالاكتئاب والقلق

كشفت الإحصائيات الأخيرة أن 40 بالمائة من المسنين في الجزائر مصابون بالاكتئاب وكذا القلق، حيث أن المسبب الرئيس لهذا التقهقر الصحي راجع – حسب الأخصائية في علم النفس سميرة فكراش – إلى تداعيات الإحالة على التقاعد وما تحمله هذه المحطة من ركود نفسي وبدني يلقي بضلاله على نفسية المتقاعد الذي يختزن في قرارة جهازه النفسي  كثير من الأوهام والقناعات السلبية التي تتلخص في كون مهمته في الحياة قد انتهت وأنه بلغ أرذل العمر دون أن يجد يدا تنتشله من الفراغ الذي بلغه في ظل افتقار هذه الفئة لأخصائيين يرافقونهم ويخففون عنهم وطأة الألم النفسي الذي كثيرا ما يؤدي بهم إلى الإصابة بالأمراض الشائعة كالاكتئاب السكري، ضغط الدم وكذا القولون العصبي خاصة مع حرمانهم من مساحات التنفيس ولا مرافق ترفيهية، وهذا بخلاف نظرائهم في الدول والمجتمعات الغربية التي نتقل فيها المتقاعد تلقائيا إلى المجالات الخدمات التطوعية المجتمعية، كما تتوفر لديه جملة من الخيارات الأخرى كالسفر والقراءة والمطالعة. ففي اليابان مثلا تم إنشاء جامعة خاصة للمتقاعدين يدرسون بها لمدة أربع سنوات كل من العلوم النظرية النفسية وكذا الثقافة العامة أما العملية فيدرسون كيفية تربية الطيور والأسماك وتزيين الحدائق وتنظيم الرحلات السياحية. وحسب أخصائيين في الشأن الاجتماعي، فإن الصدمة التي يتعرض لها المتقاعد في الجزائر بعد مغادرته عالم الشغل ليست مقتصرة على غياب برامج التكفل وتجاهل أدوارهم التي أدوها طوال عقود العمل، وإنما راجعة أيضا إلى ذهنية الموظفين عموما في الجزائر والتي تتجاهل دائما أن الوظيفة التي يشغلونها ما هي إلا قطار لا بد أن يتوقف يوما في محطة التقاعد ليفسح المجال أمام الدماء الشابة لتنشيط الدورة الدموية في جسم المجتمع، متناسين هذه الحقيقة التي لا يستعدون لها على كل الأصعدة، وقليلون هم الذين يتكيفون مع الظروف الجديدة .

ما بين التقاعد وقبلهه..فجوة في الراتب يستحيل تجاوزها

الفجوة بين الراتب قبل وبعد الإحالة على المعاش بالنسبة للمتقاعد وأسرته تعد أكبر مشكلة يواجهها كأولى الصدمات التي يتعرض لها قبل أن تتوالى الصدمات الأخرى تباعا، يلتمس خلالها انخفاضا مفاجئا في القدرة الشرائية في مقابل ارتفاع الضغوط النفسية والاجتماعية ما ينعكس على سلوكاته وردّات فعله في مواجهة الإشكالات الصغيرة، مع صعوبة في التأقلم مع الطوارئ المادية، باعتبار أن راتبا لا يتعدى 30 ألف دج لا يمكن أن يستجيب لاحتياجاته وعائلته خاصة مع دفع تكاليف الكراء وفواتير الماء والكهرباء وتأمين لقمة العيش وغيرها من المصاريف التي أضحت تثقل كاهله . وفي ظل هذه الظروف الصعبة، يأمل كثيرون أن تتحسن وضعياتهم لتفادي المشاكل الاجتماعية التي تعجل بهلاكهم جسديا ونفسيا، ملاحقين بذلك تصريحات مسؤولي القطاع بحثا عن أي أخبار تبشر بزيادات محتملة تخفف عنهم ثقل الهموم التي أضحوا عليها، وكان آخر ما تلقوه لا يتعدى 5 بالمائة من هذه الزيادات، حيث أعلن وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، مراد زمالي، قبل أشهر عن إعادة تقييم نسبة الزيادة السنوية في معاشات المتقاعدين وتكييفها حسب مبلغ المنحة، حيث ستصل الزيادات إلى 5 بالمائة في المعاشات أقل من 20 ألف دينار، و2.5 بالمائة للمعاشات بين 20 و40 ألف دينار، و1.5 بالمائة للمعاشات بين 40 ألف و60 ألف دينار، و1 بالمائة من 60 إلى 80 ألف دينار بينما تنخفض إلى 0.5 بالمائة للمستفيدين من منحة تقاعد تتجاوز الـ 80 ألف دينار ما سيكلف الدولة 22 مليار دينار.

مساع للمّ شتات المتقاعدين ضمن تنظيم يحميهم

يسعى كثير من الفاعلين في المجتمع على غرار رئيس جمعية جزائر الخير عيسى بلخضر إلى استقطاب جميع المتقاعدين والبالغ عددهم أكثر من 3 ملايين  للتهيكل ضمن تنظيم  يسمح لهم بالدفاع عن حقوقهم المهضومة والعمل على تفعيل وظيفة تخلت عنها كثير من المؤسسات ممثلة في اللجنة الاستشارية وهي مكتب لقدماء المهن يستعان بهم لضمان أحسن الأساليب المهنية والتربوية والعلاقاتية للجيل القادم، كما تحرص عليه المؤسسات التي تحترم هذه الشخصيات وتحترم أداءهم المهني فتعتمدهم كخبراء مستشارين، وقد أثبتت نجاعتها في حماية الصحة النفسية للمتقاعدين . وكان متقاعدو التربية قد تخندقوا ضمن تنظيم وسطروا أهدافا لمرحلة التقاعد، تنوعت بين خدمة المتقاعد ومتطلباته وبين خدمة القطاع بالتكوين ووضع مختلف الخبرات تحت تصرف التلاميذ وأساتذتهم الجدد، وحسب رئيس التنسيقية الوطنية لمتقاعدي التربية “بوساق معمر” فقد تمكنوا من توفير التوجيهات اللازمة لطلاب البكالوريا كما نظموا  رحلات لصالح المتقاعدين، ويبقى همهم الوحيد وشغلهم الشاغل المحافظة على سقف منازلهم بعد قرار الإخلاء من مساكنهم الوظيفية  . وفي إطار متصل، طالب أساتذة التعليم العالي إلى عدم تهميش خبراتهم المعرفية ودراساتهم الأكاديمية تحت مسمى كبر السن وإحالتهم على التقاعد حتى لا تتعرض الخبرات والتجارب العلمية والمعرفية بدورها للتهميش خاصة أن أي متقاعد من الجامعات لا يحق له الإشراف على الأطروحات العلمية ولا حتى التواجد في لجنة المناقشة رغم أن الدول تستدعي هذه الفئة للاستفادة من معارفهم .

حسيبة. ب

شاهد أيضاً

دعوة إلى تطوير التشريعات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة

لضمان تكفل أمثل بهذه الشريحة أكد مشاركون في أشغال المنتدى الدولي الأول حول ذوي الاحتياجات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *