الرئيسية / أدب، فكر وفن / المسرح الجزائري… إشكالات الوجود

المسرح الجزائري… إشكالات الوجود

يبدو المسرح في الجزائر في صراع وجودي قاس.. فبعد أن حطمت العشرية السوداء الجهود التجريبية والتجديدية المسرحية الجزائرية، التي وصل صداها إلى أكبر مسارح العالم ومدارسه المسرحية، عاد الجيل الجديد من الشباب، ومن نجا من رحى الموت العشوائي، ليعيد قاطرة المسرح إلى مسارها الصحيح.. الجهود كثيرة، لكن المسرح الجزائري لا يزال نخبويا، بعيدا عن الجمهور لسبب ا لآخر، كما أن أزمة النص تطرح نفسها بشدة، على الرغم من وفرة الكتاب وتعدد مذاهب الكتابة في الجزائر.. فهل هناك قطيعة كلية أو جزئية بين المسرح والنص الأدبي؟ هل مازال المسرح غير متجاوب مع الهموم اليومية للمواطن؟ ولماذا تراجع الجمهور إذن؟ وهل ساهمت اللغة الفصيحة التي اعتمدتها مسرحيات غير قليلة في ابتعاد الجمهور عن المسرح؟ أم هي هزيمة المسرح في معركته الكبرى مع وسائل الاتصالات الحديثة..
في هذا الملف، أحلنا الكلمة إلى مسرحيين من الجزائر وخارجها، للحديث عن همومه، ووصف حاله واقتراح بدائل..

سليم سوهالي..
لا ازدهار دون تجريب.. واللغة بريئة

لابد أن نذكر القارئ الكريم بشيء مهم، وهو أن الأدب ظل بكل أجناسه، على مدى قرون متعاقبة، هو الخطاب الأكثر شعبية عند كل الأمم، وكان هو الممثل الوحيد والحقيقي لضمير أية امة، والعلامة على تميز ثقافتها، ولم يكن لدواعي المتعة الفنية فحسب، بل انه كان المفتاح للدرس العلمي بكل مناحيه التاريخية والاجتماعية والنفسية. غير أن هذه الصورة الثقافية التقليدية قد أخذت بالتغير في زمننا هذا، ولقد جاء التغير مع اختراع الصورة المتحركة كوسيلة للتعبير في السينما أولا، ثم التليفزيون. بعدها حصل الانفجار الكبير مع ظهور البث الفضائي التلفزيوني، الذي عمم الصورة، ووحد الاستقبال، ولم تعد الصور التليفزيونية حكرا على امة دون أخرى، أو موقع دون آخر.
فقد عمت الصورة البشرية كلها، وتساوت العيون في رؤية المادة المصورة مبثوثة دون رقيب أو وسيط، وهذا تغير جذري من المدونة -التي هي روح الأدب وعنوان الثقافة الأصلية- إلى الصورة السينمائية أو التليفزيونية، التي هي لغة من نوع جديد وخطاب حديث له صفة المفاجأة والمباغتة والتلقائية مع السرعة الشديدة وقوة المؤثرات المصاحبة. وبذلك، تغير النمط الثقافي القديم من حيث من الخطاب الأدبي إلى خطاب الصورة، ومن ثقافة النص إلى ثقافة الصورة.
فقد جاءت ثقافة الصورة هذه لتكسر ذلك الحاجز الثقافي والتمييز الطبقي بين الفئات، وفرضت نوعا من ديمقراطية المعلومة المصورة، فوسعت دائرة الاستقبال، وشمل ذلك كل البشر، لأن استقبال الصورة لا يحتاج إلى إجادة القراءة، ما سهل وسمح لفئات لم تكن محسوبة على قوائم الاستقبال الثقافي بالتفاعل والاستفادة، وأدى إلى زعزعة مفهوم النخبة، وصار الجميع سواسية في التعرف على العالم واكتساب معارف جديدة والتواصل مع الوقائع والثقافات، فتوسعت بذلك القاعدة الشعبية للثقافة البصرية بل وأصبحت هي المسيطرة هذا ساهم في تراجع الكثير من الفنون، وخاصة الأدبية ومن بينها الفنون الركحية، بل وأصبح من الضروري تطعيمها ببعض تقنيات الصورة، والاعتماد على الفنون البصرية، حتى لا تموت، فالفرجة الكلاسيكية أصبحت شيئا من الماضي، لا يربطنا به إلا الحنين والنوستالجيا. ففي مجال السينوغرافيا، مثلا، تخلص المهتمون بتأثيث الفضاء الركحي من تلك الديكورات الكلاسيكية، بل ان معظمهم يلجا إلى الاستعانة بما يسمى السينوغرافيا الافتراضية، والتي تعتمد على الضوء لتحديد الأجواء التي يفرضها العرض، فهناك بعض التجارب التي تحاول استعمال شخصيات افتراضية على الركح لمصاحبة الممثل، وهذه مغامرات تستحق التثمين، فالمسرح سيخضع بدوره لتغيرات حسب متطلبات العصر. إذن، علينا الانخراط في مثل هذه المسارات، فالنص لم يعد الأساس في العرض المسرحي، بالقدر الذي كان به سابقا، فلا يزدهر المسرح كأي فن من الفنون الإنسانية الأخرى بدون التجريب الدائم والمغامرة المستمرة، مع الجديد لان المسرح يستهدف سبر أغوار التجربة الإنسانية المتحولة دوما والمتغيرة دوما والتي ترفض بطبيعتها الحية الفاعلة عن الثبات والجمود والانحصار في أية قالب أو قوالب محددة فالقالب قيد والحياة تدفق عارم يستعصي على التكبيل.. فكما يقال، القالب سجن والحياة انفلات مستمر من الأغلال.

المسرح فن وإبداع، فهو يلبي حاجيات الناس ومجتمعاتهم، كما انه يعبر عن همومهم وطموحاتهم، فمنذ بداياته الأولى كان وسيلة للتعبير، والمسرح كغيره من الفنون رافق الإنسان في مسيرته الطويلة، كما انه كان سلاحا ذو حدين استعمله المفكرون لإيصال أفكارهم وإيديولوجياتهم إلى الجمهور العريض، فهو فن يمكن عن طريقه تشكيل الوعي وغرس الأفكار. فالمسرح عمل نخبوي، فإن كانت النخبة منحازة إلى الطبقات الدنيا فالمؤكد أن هذا المسرح سيحمل هموم الناس، وسيحاول إيجاد إجابات لتساؤلاتهم، أما ان كانت هذه النخبة تعيش بعيدا عن هموم الجماهير فستكتفي بتقديم مسرح يعكس تصوراتها البعيدة عن الواقع المعاش.
في السبعينات من القرن العشرين، استطاع المسرح في الجزائر الوصول إلى أعماق الأرياف، والتبشير بالثورة الزراعية والأفكار الاشتراكية، ومن قبل في الحقبة الاستعمارية، تمكن رجال المسرح، أمثال المناضل الأوراسي شبّاح مكي، من الوقوف في وجه الإدارة الكولونيالية وأعوانها. والمعروف أن هذا الرجل تعرض لأبشع معاملة، إذ قام باشاغا بسكرة، بن قانة، بجره مقيدا إلى حصان من طولقة إلى غاية بسكرة، وهذا بسب كتابته مسرحية تحت عنوان “الفرعون”، حيث فضح ما كان يقوم به هذا الباشاغا من أعمال شنيعة ضد أبناء وطنه، خصوصا أثناء مجاعة الأربعينيات من القرن العشرين. في الفترة نفسها كان هناك مسرح ناطق باللسان الجزائري يتمتع برعاية الإدارة الاستعمارية، وأنا لا أريد ان أقدم أسماء، لكن المراد من قولي هذا أن المسرح يقف إلى جانب الناس حين يكون نابعا منهم.

المسرح بالدرجة الأولى يعتمد على لغة الإيحاء، فنحن في بعض الأحيان لا نحتاج إلى اللغة كلغة لإيصال أفكارنا وأحاسيسنا إلى الناس، فالمطلوب من المبدع هو الصدق في إبداعه. إذن، في رأيي: اللغة ليست حاجزا، إن كان العرض ناجحا فسيفهمه المتلقي بأي لغة كانت، واللغة الفصحى لها جماليتها، وأنا شاركت في عدة عروض كانت بالفصحى وناجحة، من غير منطقي ان نلصق عجزنا باللغة، عربية كانت أو فرنسية أو أمازيغية.. هذه طروحات يحاول أصحابها تغطية الشمس بالغربال.

يمكن للمسرح ان يبقى (رغم ثورة الاتصالات الحديثة) إن حاول الإفلات من القولبة والاكتفاء باجترار تجارب السابقين، علينا أن نستفيد من هذه الثورة الرقمية، ففي زمننا هذا سقطت النخب التقليدية، وأصبحت الثقافة جماهيرية معولمة، والعقل معرض يوميا لقصف إعلامي مركز، فالوقوف كمتفرجين سيدفع بنا إلى صفوف المهزومين المستهلكين لكل ما سيأتي من الفضاء، وحالة مسارحنا لا تبشر بالخير ما لم تحرر من هيمنة الممارسة البيروقراطية وهيمنة الإداريين على المبدعين، فالمسرح يجب أن يكون فضاء للإبداع وليس مؤسسة تستهلك ميزانية دون تقديم أعمال في مستوى تاريخ هذه الأمة.. على الهيئات المعنية استقدام ذوي المواهب من المبدعين وإعطاؤهم حق تسيير هذه المؤسسات، التي نال منها الجمود، كما انه من الضروري مطالبة المسئولين عن هذه المؤسسات الثقافية بتقديم مشاريع وتصورات، بدل الاكتفاء باجترار بعض الأعمال التي تقدم تحت عنوان الاقتباس أو إعادة إنتاج ما تم إنتاجه منذ سنوات مع بعض الرتوشات.. فالوقت ليس في صالحنا، علينا أن نصلح أنفسنا قبل أن نتحول إلى مجرد قطعان بدون نخب مستنيرة، فالنخب هي التي تغذي المجتمعات بالأفكار والرؤى، وليس العكس، فإن حيدت هذه النخب فسنتلاشى مع الوقت. إذن، فالمعركة ليست معركة المسرح، بل معركتنا نحن، معركة البقاء أو التلاشي والذوبان في ثقافة الآخر، فلا يجوز لبلد كبلدنا والذي أنجب أبوليوس والقديس أوغسطين ومفدى زكريا وغيرهم أن يتراجع إلى مصاف الأمم الضعيفة..

نبيل مسعي أحمد
لا خوف على المسرح من التكنولوجيا

رغم بؤس الواقع الثقافي العربي، والانقطاعات الآنية -ليس فقط على مستوى الجغرافيا، إنما أيضاً على مستوى التخصّصات والمرجعيات، التي تشبه الجزر المنعزلة أحيانا، التي لا تستفيد من تلاقح خبراتها وأفكارها، وهو ما أفضى إلى تأزمَّات ثقافية كبرى- إلا أنَّ هذه الدراسة تنحاز للأفق المستقبلي، والاحتمال المُؤكَّد بانقشاع العتمة وتبدّدها.
إنّ الانطلاق من معاينة هذا الواقع، لا يعني بحالٍ من الأحوال التسليم به، والإفضاء إلى مُسلّماته والارتهان إليها، فالواقع ليس قَدَرَاً ثابتاً لا مجال لزحزحته، إنما هو مرهون بالإرادة الإنسانية ومقدرتها على تفكيك أوعيته وتشريحها، وضخّ دماء جديدة فيها، بغية تغيير هذا الواقع ونقله من حالة القطيعة الآنية، إلى حالة التواصلية المستقبلية.
أحد إشكالات المسرح، أنَّهُ ما زالَ –في الغالب الأعمّ- حبيس الجماجم؛ الجماجم الفردية، وإلى حدّ كبير –للآن- لم يتسنَّ له التفتّت في الجمجمة الجمعية لمجموع الأمة الكُلِّي. ففي النهاية، اجتراح الحالة الحضارية ضمن شرطها الثقافي، هو نِتاج جمعي للكُلّ، وليس للجزء. فالتعميم مطلب أُسِّي ضمن سياقات تفاعلية لا انفعالية، فليست عبقرية –تحت أي مُسمّى- أن تبقى المعرفة حبيسة الجماجم الفردية، فالنسق الحضاري ضمن شرطه الثقافي، يتطلّب تعييّناً –على أرض الواقع- للرؤى الفردية، بحيث تأخذ أحقيتها ضمن النسق الجمعي، بطريقة تكفل تحقيق نهضة جمعية، غير مقتصرة على فئة بعينها. فلذلك هنالك:
– قطيعة كلية بين المسرح والنص الأدبي.
– للظروف عدم تماشي النص مع مشاكل العصر أو المجتمع.
– نظرة الكاتب للمسرحيين من برج عاجي.
– عيش الكاتب في خياله المأهول بتصنع وعدم ملائمة الواقع.
– عدم ترابط أدوات الإنتاج المسرح.. مخرج وممثل.. الخ بصهريج الكتاب وتوافقهم للمعالجة النصوص كمعادل موضوعي للروية الإخراجية.
فعلى من يشتغلون المسرح خلق أطر أخرى للصناعة النص ومنها:
– يعد الارتجال Improvisation من أهم الآليات الدراماتورجية لعرض فرجة مسرحية خاصة، والارتجال في الحقيقة أول خطوة يلتجئ إليها الممثل لبناء شخصيته الفنية، وبناء ذاته فوق خشبة الركح. ويستلزم الارتجال أن يكون صاحبه ذا موهبة فنية عالية، وذا ذكاء اجتماعي متميز من أجل أن يقدم فرجاته الدرامية للراصدين الحاضرين بشكل ممتع ومفيد.
– ولقد بدأ المسرح الإنساني بالارتجال الفطري الطبيعي الذي كان يتسم بالعفوية والتلقائية والاحتفالية الشعبية ضمن مرحلة الظواهر الفردية، لينتقل بعد ذلك إلى مرحلة الحفظ والتنظيم مع مرحلة مأسسة المسرح، وإخضاعه لسلطة التأليف والتشخيص والإخراج والسينوغرافيا.
– وعلى الرغم من كون المسرح اليوم يقوم على ضبط النص وحفظ الأدوار حفظا دقيقا، إلا أن للارتجال مكانة هامة ومعتبرة في المسرح المعاصر
– الارتجال هو إبداع نص مسرحي بدون الرجوع إلى النص برمته أو التقيد بكل مدوناته، أي يتحول مخيال الممثل إلى منبع للوجدان الطبيعي، ومصدر للأفكار التي تقدم على الخشبة الركحية بطريقة تلقائية عفوية. فيسمح الممثل آنذاك لخياله بأن يجنح في الآفاق. وبالتالي، يطلق عنان ذاكرته ومخيلته الإبداعية في الأجواء التخييلية والميتافيزيقية، لكي تنساب الأفكار المضمرة في الشعور واللاشعور، وتنصهر التجارب الذاتية والموضوعية في قالب فني درامي إبداعي عفوي وفوري.

ﺃﻏﻠﺏ الأفكار ﺘﻬﻤل ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻌﺭﺽ ﺍﻟﻤﺴﺭﺤﻲ ﺒﺎﻟﺠﻤﻬﻭﺭ ﻭﺒﺎﻟﻤﺸﺎﻫﺩ. ﺍﻟﻤﺴﺭﺤﻲ أمسى ﻤﺅﺭﻗﺎ ﺒﺄﺴﺌﻠﺔ ﻜﺜﻴﺭﺓ ﺘﻬﻡ ﺍﻟﺠﻤﻬﻭﺭ؛ ﻤﺎﺫﺍ ﺃﺭﻴﺩ ﺃﻥ ﺃﻗﻭل ﻟﻬﺫﺍ ﺍﻟﺠﻤﻬﻭﺭ؟ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﺴﺭﺤﻴﺎﺕ ﺸﺫﺭﺍﺕ ﻤﻥ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻴﻭﻤﻴﺔ ﻟﺘﺴﻠﻴﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴر.. فحن بعيدون كل البعد عن الجمهور.. إذا انطلقنا من فرضية المسرح مرآة للمجتمع فهنالك من يستعرض عضلاته الإبداعية ضمن عتمة الوجود، من اجل أن يعترف به الآخرون، فطاحل المسرح، ولكن أرى من وجهة نظري أن اكبر نجاح هو أن تعالج واقع اليوميات البسيطة للجمهور في قالب يسرهم ويصل به إلى قلوبهم ويرتقي بهم شيئا فشيئا، أفضل من أن تصل إلى العالم مقلدا أفكاره.. الصناعة الحقيقة ان تصنع جمهورا يؤمن بك.

في ما يخص العلاقة بين ثقافة المجتمع والمسرح، فقد بينت الدراسة أن ثقافة المجتمع لا تقف عائقا أمام تطور الحركة المسرحية، وذلك خلافا لما هو متوقع، كما أظهرت الحركية أن استنباط النصوص المسرحية إنما يكون نتاجا لثقافة المجتمع. أما عن دور المسرح في التأثير على قيم وعادات الجمهور. بالإضافة إلى ذلك، الأداء المسرحي من جهة، وتأثير الفنان على الجمهور من جهة أخرى. فتأثير الفنان على الجمهور يأتي نتيجة لتمكنه من أدواته المختلفة كالموهبة والتحصيل العلمي والتمكن في أداء النص المسرحي، وفي ما يتعلق بحضور الجمهور وتفاعله مع المسرحيات، أوضحت الدراسة أنه نتاج طبيعي لاكتمال العناصر المسرحية جميعها لهذه الأعمال، وقد يكون سبب الإقبال عليها حسب بعض الإفادات نتيجة لتراكم الخبرات التي يتمتعون بها.

الصراع أزلي وقديم بين الفصحى والعامية، ولكن أقول: التعامل مع جمهور بلغته المتداولة أفضل من الفصحي، ولكن العمل المسرحي باللغة الفصحى له جمهوره من النخبة، والنوع الأخر يفضله العامة..

لمسرح في معركة كبرى مع وسائل الاتصالات الحديثة (انترنت..الخ، أظن ذلك.. كلما تطورت أدوات الاتصال بقي للفرجة الحية طعمها بعدا عن الانترنت وغير ذلك، وتأكد أن الإنسان دائما يحن للقديم، فلا أظن أن هنالك خوفا على المسرح مما يدعوننا إلى أن نخاف منه على المسرح، من بعض المسرحيين أنفسهم,

أيوب لخضر بوزيد
المسرح يستجيب لجمهور لا يجيب

المسرح أبو الفنون.. الأدب والشعر وغيرها من الفنون، الأدب والشعر جزء من المسرح، إنها علاقة تكامل. أرى أن المسرح يتجاوب مع الهموم اليومية، النفسية، الاجتماعية، السياسية، التاريخية، الدينية.. غير انه يعرف إهمالا من قبل الجمهور حاليا، مقارنة مع سنين ماضية، يرجع ذلك لعدة أسباب وعوامل حالت دون إقبال الجمهور: الثقافة الحالية في المجتمع، تدني المستوى الثقافي لأغلبية أفراد المجتمع.. على أفراد المجتمع الرفع من مستواهم للحاق بمستوى المسرح، الذي يجب أن يكون بمستوى عال.. وليس العكس، ليس على المسرح أن يخفض مستوى الأعمال المسرحية التي تنتج. في وقتنا الراهن، غزت وسائل الاتصال والتكنولوجيات الحديثة والابتكارات حياتنا، غير أن لكل منهما -المسرح والانترنت- مكانة، فلا يجب التخلي عن احدهما واستعمال كلاهما استعمالا مفيدا وهادفا.. ولا أن تكون الغلبة لأحد منهما..

إدريس بن شرنين
تبا للنخبة! .. لا قطيعة بين المسرح والأدب

لا أعتقد أن هناك قطيعة كلية بين المسرح والنص الأدبي، هناك الكثير من الأعمال مؤخرا عرفت اشتغالا على روايات وحتى أشعار.. وكثيرا ما شاهدنا تركيبا شعريا، كمحاولة لمسرحة النص الشعري، أو الاشتغال عليها كنوع من التجريب، مثلما قدمه أحمد مداح، عندما اشتغل على نص شعري للشاعر صاحب القلم البارع رمزي نايلي، وكنت سعيدا لمشاركتي في هذه التجربة، لذا أعتقد أنه لا توجد قطيعة، بل ينقصنا الكثير من الاحتكاك والاشتغال على جميع أنواع النصوص الأدبية.

في علاقة المسرح بالمجتمع الجزائري، لا يمكن الحكم على جميع المسرحيات بذلك، فهناك بعض العروض نابعة من عمق المجتمع، وتلقى تجاوبا جماهيريا كبيرا.. صحيح إن النزعة التي طغت على أغلب المسرحيين هي التفلسف وإثارة زوبعة من الأفكار، لكن، للأسف، تبقى تلك الأفكار داخل رأسه وحده ولا تصل للجمهور، وعندما لا تصل الفكرة فأكيد أن هناك خطأ ما.. وبدل البحث عن الأخطاء وتصحيحها، يتحجج الجميع أن العرض موجه للنخبة، لهذا تعذر على الجمهور فهمه (تبا للنخبة!).. فالمسرح في الأساس موجه للجمهور بمختلف أطيافه، وهذا الفكر وهذه الطريقة في تقديم العروض هما ما هوى بالمسرح إلى المتاهة التي هو فيها الآن.

أما اللغة، فلم تكن يوما عائقا في المسرح، سواء كانت فصحى أو أمازيغية، أو حتى يابانية.. شاهدنا الكثير من العروض بلغات لا نعرف منها كلمة واحدة، لكننا تجاوبنا مع العرض واستمتعنا. كثيرون يلقون اللوم على اللغة، وهناك متطرفون جدا في هذه القضية.. هناك من يتطرف ويلوم الفصحى، وآخر يلوم الأمازيغية، وثالث يلوم الدارجة المحلية.. كان الأحرى بنا الاشتغال على أشكال مسرحية وصور جمالية تقدم في العرض، تقرب المشاهد من فهم الفكرة وتبسطها له، بدل أن نبدأ بلوم الفصحى أو غيرها.

الاتصالات التكنولوجيا الحديثة تساهم في عودة الجمهور للمسرح، إذ يمكنك القيام بالإشهار لأعمالك المسرحية وبطريقة فعالة دون انتظار ‘جميل’ من وسائل الإعلام، خاصة الثقيلة منها,

فتح النور بن ابراهم
ليست هناك جرأة لمَسْرحة الشعر

لا يمكن فصل النص الأدبي -بمختلف أشكاله وأنواعه- عن المسرح، سواء كان هذا النص مسرحية أو اقتباسا لرواية أو قصة أو ملحمة شعرية، لأن المسرح يتجاوب مع الفكرة، مع مراعاة خصوصيات الكتابة المسرحية المتعارف عليها أكاديميا.
وانطلاقا من هذا، لا يمكن تصور وجود قطيعة -و لو جزئية- بين المسرح والنص الأدبي بمفهومه الشامل، لكن هنالك نوعا من الحساسية ونقصا في الشجاعة الأدبية لدى مجموعة من الأدباء للخوض في الكتابة المسرحية، باستثناء البعض طبعا، وهذا راجع لعدة أسباب، أهمها: عدم اهتمام الناشرين بالنص المسرحي، وكذلك عدم تحكم الكتاب في أدوات الكتابة المسرحية، ما يدفع بالمسرحيين إلى محاولات الاقتباس والمعالجة الدرامية لنصوص أدبية. أما فيما يخص الشعر، فالجرأة ناقصة لدى المسرحيين أنفسهم في مسرحة النص الشعري، بمختلف أطيافه، باستثناء بعض التجارب التي لم ترقَ إلى النص الأصلي للمسرح، الذي كان شعرا في الأساس.. فالعلاقة في الأساس ليست جفاء، ولكن نقصا في الحوافز، ان لم نقل انعدامها، في الدفع بالأدباء إلى الكتابة للمسرح، من خلال إقامات إبداعية أو ورشات تكوينية

اللغة.. ما هي إلا وسيلة تواصل، ولم تكن يوما عائقا أو سببا في إنجاح أو نجاح وانتشار أي عمل مسرحي، فكم من عمل مسرحي باللغة العربية الفصحى استطاع أن يستقطب اهتمام جمهور عريض من مختلف الفئات، وكم من عمل استعمل العامية لكنه لم يشد المتفرج إليه. إذن، إشكالية اللغة هي إشكالية نسبية، لا يمكن أن نجعل منها سببا رئيسا في ما يسمى “عزوف الجمهور عن المسرح”، وإلا لما كان لبعض المسلسلات المدبلجة باللغة الفصحى كل هذا الاستقطاب والمتابعة من طرف جمهور عريض.
عند ظهور السينما ثم التلفزيون، الكل راهن على موت المسرح، لكنه لم يمت، وحافظ على بقائه، وتأقلم مع سحر الصورة، باستعماله المؤثرات التقنية الحديثة، وتطوير السينوغرافيا.. ولكن المسرح بقي مسرحا، لهذا أقول أن ظهور تكنولوجيا الاتصال الحديثة لا تشكل خطرا على المسرح بقدر ما يمكن أن تكون مساعدة لانتشاره وإيصاله إلى المتلقي، وإيصال المتلقي إلى المسرح. وهنا يجب على المبدع المسرحي أن يعرف كيف يستغل هذه التكنولوجيا في الارتقاء بالمسرح أكثر، وجعلها في خدمته. فالمعركة الأساسية ليست بين المسرح وهذه الوسائل الحديثة، بل في كيفية تحكم المبدع فيها، وقدرته على استغلالها، وجعلها سندا للمسرح وليس عدوا، فلا غالب ولا مغلوب، بل تكامل وتأقلم للعيش أكثر.

حبيب بوخليفة
الجمهور الجزائري ليس غبيا ولا يقبل غير الجيد..

تقل العلاقة أو تكاد تنعدم ما بين النص الأدبي القصصي والخشبة المسرحية في التجربة المسرحية الجزائرية. القليل من النصوص الأدبية اقتبس إلى الخشبة المسرحية. ما عدا بعض التجارب مثل “الشهداء يعودون هذا الأسبوع”، للفقيد الطاهر وطار، في شكلها الملحمي بالمسرح الوطني في وسط التسعينيات من القرن الماضي. ربما يوجد بعض المحاولات فيما يخص هذا الاتجاه، ولكنها باتت بالفشل. لذلك يختار الجزائريون الاقتباس من النصوص المسرحية سواء العربية أو الأجنبية، وتكون العملية أسهل لأنها لا تتطلب لهم الكثير من المعرفة الدرامية المسرحية، ما أدى إلى عروض رديئة لا تسمن ولا تغني من جوع التجربة المسرحية الجزائرية.
يتطلب التعامل مع النص الأدبي القصصي -كي يصبح نصا دراميا مسرحيا- ثقافة معرفية علمية بحقل أصناف الأدب وأنواع المسرح. معظم النصوص منذ بداية التجربة المسرحية تدخل في عملية الاقتباس، الناقل أو المنقول، حيث يفتقد النص أساسياته وجوهره ولا يفيد الخشبة المسرحية في التأسيس لرأسمال جدي في بناء فن مسرحي راق. بقيت النصوص والعروض في شكلها البدائي السطحي بعيدا عن الأفكار التي تحرك المجتمعات في التطور والتنمية.. لا ننكر أن هناك بعض الإرادات -في تجاربها المسرحية- والمحاولات لتفكيك الرداءة القاتلة، ولكنها عادة ما تهمش من أغلبية الانتهازيين الذين انتشروا كالنار في الهشيم في الفضاءات الفنية المسرحية، بفضل سياسة ثقافية مركزية ريعية في تقديم “المشحمات” في المناسبات التهريجية الشبه الثقافية.. أما الرواية فهي جنس أدبي يختلف عن الدراما المسرحية، يمكن أن نستلهم منها لخلق النص الدرامي وتوظيفه داخل الفضاء المسرحي، مثلما هو سائر في المجتمعات المتحضرة التي تؤمن بالفعل الفني الثقافي، حتى وإن كنا لا ننفي الجهود الفردية النادرة أحيانا التي تشجع على استمرار التجربة المسرحية الجزائرية…

عن المسرح والجمهور: الفن المسرحي ليس عيادة طبيب نفساني، أو مسجد حتى ننظر إليه فقط من هذه الزاوية التي كرستها ممارسات سابقة، خصوصا على مستوى حركة الهواة، حيث تميزت بالخطاب الشعبوي السياسي، مهملا الجانب الجمالي والرومانسي. الفن المسرحي اكبر بكثير من ذلك، قد يهتم بشتى المواضيع، منها الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية والتاريخية.. ولكن في أشكال فنية فكرية راقية بنائية لا تخلو من المعرفة والثقافة الواسعة للوجود.
الاهتمام بجماليات العروض مهم جدا، سواء على مستوى الخشبة أي العرض أو على مستوى النص. يتميز الفن المسرحي باعتباره وسيلة تعبيرية شاملة قادرة على تناول مختلف المواضيع التي تعكس واقع الفرد وما يدور في محيطيه، بتوظيف لغته. هناك علاقة جدلية بين الإبداع الفني المسرحي والواقع بتناقضاته المختلفة. الجمهور ليس غبيا إلى حد أن نقدم له عروضا تافهة تهريجية.. انه يبحث عن الجدية والأفكار التي تفجر قضايا جوهرية مصيرية، لا يقبل الابتداع والإتباع. إذا ما تمعنا في واقع ما يحدث للفعل المسرحي في المجتمع، نلاحظ أنّ هناك تلاعبا سلبيا بالمفاهيم الفنية، وجهلا تاما بها، سواء على مستوى الخطاب السياسي الثقافي العلني أو الممارسة. إذا غابت الكتابة الأولى، أي النص، فستغيب حتما الكتابة الثانية، أي الإخراج، إنهما عمليتان مترابطتان في الزمان والمكان الواحد، وللأسف الشديد، المؤسسة المسرحية العمومية تشارك في تجسيد قيم خاطئة في مجال الفن الثقافي المسرحي، من خلال تهميش الكفاءات والمواهب المبدعة لأسباب لها صلة بالانتفاع من الريع قدر الإمكان. لا يمكن تربية جمهور مسرحي مخلص بهذه السلوكات الترقيعية في السياسة الثقافية. هل هناك مؤسسة مسرحية لها برنامج واضح فيما يخص الإنتاج المسرحي وريبرتوار سنوي؟ هل هناك على الأقل مجلة -ولو شهرية- تختص في الفن المسرحي على مستوى الوطن؟ من هو المخرج ومن هو الممثل؟ وهل هناك وسائل إعلامية تتحدث بمعرفة عن العروض؟ لذلك من الصعب ان يكون جمهور وفيّ ما دام القائمون على أمور الفن المسرحي غير أوفياء له..

لا اعتقد إطلاقا أن الفصحى سبب ابتعاد الجمهور عن المسرح، لان اللغة المسرحية يفهمها الجميع دون استثناء عندما يكون أدبها دراميا. ألم نشاهد أفلاما وتركية وسورية ومصرية؟ إنها بلغة مغايرة عن الدارجة أو العامية، ولكنها استطاعت ان تؤثر على المشاهد الجزائري. واللغة العربية الفصحى اقرب إلى عاميتنا. قمت مؤخرا بتقديم عمل مسرحي “حرب السموط”، النص لعبد الرزاق قوادري حباز، احد طلابي الموهوبين باللغة العربية الفصحى، يتناول إشكالية العلاقة بين الثقافة الشعرية العربية ومجتمعاتها العربية في موضوع المعلقات السبع، وبكل صدق نال إعجاب الجمهور. اللغة ما هي إلا عنصر من عناصر المفردات الفنية الركحية بالنسبة للعرض، كلما كانت راقية وجميلة كلما ارتوى منها المشاهد. إنّ المتلقي لا يبحث فقط عن المتعة، بل كذلك عن الأفكار الجديدة وعن إجابات لمختلف الأسئلة، المتلقي يبحث أيضا عن جماليات العرض المسرحي، هذا الأخير، مهما كان نوعه وشكله، فعل سياسي وفكري، إنه حتما احتفال شعبي بحكم الاتصال بين ما يحدث على الخشبة والمتفرج، ما ينتج سائر الانفعالات الأخرى والشعور بالانتماء، لذلك يبقى الجمهور شرطا أساسيا وجوهريا لوجود الفن المسرحي..

المجتمع الذي يعجز عن حل أزماته سيعجز حتما في الإبداع الفني المسرحي، رغم الجهود والمحاولات التي تعمل من أجل استمراره والارتقاء به إلى مستوى أحسن، من الضروري أن نعيد النظر في تأسيس وتأثيث الفراغ المرعب الذي ينتاب الفعل المسرحي. ليس هناك ثقافة أرقى من ثقافة أخرى، يمكن أن نعود إلى عناصر من تراثنا الحضري الثقافي لنأتي بالجديد للعصر الذي نعيشه فيه، حتى نخلق المتعة المسرحية، فالتجديد ضرورة ملحة لإبراز خصوصيتنا الحضارية الثقافية، لا يمكن للتجربة المسرحية الجزائرية أن تبقى حبيسة ومُطوّقة بأناس ليست لهم مؤهلات وكفاءات، ولا حتى معرفة في مجال الفن الدرامي والمسرح عموما.. لكي نتجاوز تأثير وسائل الاتصال الحديثة لابد للمسرح أن يقدم أشكالا جمالية لا تستطيع تلك الوسائل أن تقدمها، وهذه ميزة الفن المسرحي الذي يرتبط بالطبيعة البشرية منذ النشأة الأولى..

نادر مصطفى القنة (فلسطين)
الرواية الجزائرية خدمت المسرح

المسرح، في عمومه، هو بنية تركيبية دراماتيكية، يتشابك مع مجموعة فنون وآداب ومعارف، كلها دون استثناء تسعى إلى بلورته فنيا وجماليا وفكريا…غير أن الأصل في ذلك يجب ألا يخرج عن سياق البنية الدراماتيكة، وفق ما نطلق عليه في النقد اصطلاحا (نظرية الأنواع)، أو نظرية الأجناس.. فالقصة جنس، والرواية جنس، والشعر جنس، وهكذا سائر الأشكال والأنواع الأدبية. الدراما في مقابل ذلك جنس أو نوع، يشتمل في تكوينه على الكثير من هذه الأجناس، وبنسب مختلفة، تتداخل في تحديدها معطيات كثيرة.. المهم في هذا الموضوع ان الدراما لديها القدرة على الاستفادة من هذه الأنواع وصياغتها على النحو الذي يخدم وظائفيتها الجمالية والفنية.. الأمر الذي جعلها في كثير من العقود الزمانية تشكل مصدرا مهما من مصادرها الكتابية والبنائية، خاصة في تلك الأزمنة التي شهدت فيها الأقطار العربية تطورا نسبيا في هذا النوع أو الجنس أو ذاك..خلاف المساهمات التي قدمها أهل الأدب للدراما.. وأذكر هنا عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، حيث شهدت الأقطار العربية ثورة أدبية غير مسبوقة، تلازمت وحركات التحرر الوطني.. فساهمت أسماء أدبية عربية كثيرة في بناء المشهد الدرامي… جاءت من حقول الشعر والقصة والرواية والنقد وكتابة المقال.. وفي مقدمة هؤلاء جميعا: الشعراء عبدالرحمن الشرقاوي، ومعين بسيسو، وسميح القاسم، وصلاح عبدالصبور، وهارون هاشم رشيد، وغيرهم.. ومن حقل القصة والرواية برزت أسماء مثل توفيق الحكيم، واحمد علي باكثير، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ، وطه حسين، والكيلاني، والسحار، وإميل حبيبي.. وغيرهم.
هذه الثورة الأدبية كان لها وميض من الامتدادت في الدراما المسرحية، في السبعينات والنصف الأول من الثمانينات.. ولكن بوهج اقل، ومساهمات فردية تظهر هنا وهناك.. وهذا ناتج عن تراجع دور المسرح ذاته، وغياب العبقريات الأدبية التي وجدت مجدها في حقول تخصصها، سواء في الشعر أو القصة أو الرواية، فصارت أكثر إخلاصا لفنونها من الدخول في حقل غير مستقر، فخسر المسرح جهود الأدباء وجهود منجزاتهم، بل خسرت الدراما المسرحية في هذه المرحلة خاصية المنظور الأدبي. ولكن بالمجمل لا نستطيع أن نقول أن هناك قطيعة كلية أو جزئية بين الدراما المسرحية والمنجز الإبداعي الأدبي، فالمسألة خاضعة (مدا وجزرا) لاعتبارات إنتاجية كثيرة تتفاوت من دولة عربية لأخرى..
أما فيما يخص الدراما المسرحية الجزائرية، ومن خلال متابعتي لبعض إنتاج هذه الدراما في عدد من المهرجانات.. وجدت أن الرواية -دون غيرها من سائر الأجناس الأدبية- قدمت خدمات جليلة للمسرح الجزائري، حيث باشر عدد من الدراماتورجيين الجزائريين في درممة هذه الروايات والاستفادة من إمكاناتها الأدبية والفنية والجمالية والفكرية، وحققت النجاح ذاته في المسرح كما هي في البنية الروائية.. وفي مقدمة ذلك، رواية “نجمة” لكاتب ياسين، والتي تم إعدادها مسرحيا بصيغ مختلفة، وبرؤى إخراجية متباينة.. منها رؤية حسن عسوس، التي أثارت الدهشة في مهرجان دمشق المسرحي، ورؤية احمد عيسى التي قدمت تفسيرا معاصرا للكثير من القضايا الراهنة، رغم انغماسها في عدد من التمظهرات الميثولوجية، والقراءات الانثروبولوجية.. واذكر أنني صفقت للعرض طويلا..
ولا أنسى مسرحية “النهر المتحول”، التي استندت إلى معالجة دراماتورجية لواحدة من الروايات الجزائرية، قام بها الدراماتورج عمر فطموش.. والعرض من إخراج الفنانة الجزائرية المبدعة حميدة آيت الحاج، وحينما تم تقديم هذا العرض في العاصمة الأردنية عمان، استقبلها النقاد العرب، والجمهور العربي بالكثير من الإعجاب والتقدير والحفاوة.. وقد حفلت الحلقة النقدية التي أقيمت خصيصا لهذا العرض في اليوم التالي بالعديد من الآراء والرؤى النقدية الايجابية التي تحدثت عن العلاقة بين الصيغ الأدبية والصيغ الدراماتيكية.. وقدرة الدراماتورج فطموش على إعادة هيكلة الرواية إلى جنس آخر.. وكذلك قدرة حميدة آيت الحاج على تقديم تحفة أدبية دراماتيكية حفظت فيها جمالية الأدب الجزائري والدراما المسرحية الجزائرية..
تمكنت الرواية الجزائرية بشكل عام أن تشكل حضورا فاعلا في المسرح الجزائري، في الوقت الذي لم تتمكن فيه القصة أو الشعر أو سائر الأجناس الأدبية الأخرى من تحقيق ذلك.. وهذه قضية علمية تحتاج للدراسة النقدية المعمقة من داخل الدوائر النقدية الأكاديمية الجزائرية، فمن الصعوبة بمكان لباحث أو ناقد القيام بها من خارج الجزائر، فالدراسة هنا ستفقد جانبا كبيرا من موضوعيتها..
من زاوية شخصية، أرى ان الشباب المسرحي الجزائري اليوم قادر على الاستفادة من المخزون الأدبي الكبير والعميق والمهم الذي أنتجه أدباء الجزائر خلال ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، في أعقاب الاستقلال والتحرير.. كما يمكنه الاستفادة من مختلف أوجه المنجزات الأدبية التي صنعها أباء الأدب الجزائري خلال فترة مقاومة الاستعمار الفرنسي، وهي منجزات غاية في الأهمية، وبخاصة كنوز الشعر الشعبي.
خلاصة القول ان مفهوم القطيعة بين الدراما المسرحية والمنجز الأدبي لا يتأسس بالرغبة والقصدية، ولكن تحكمه ظروف طارئة على المسرح والأدب ذاته، فديناميكيته قائمة على أساس إنتاجي، وآخر جدلي، وثالث فلسفي، ورابع وظائفي، ينهض في زمن، ويفتر في زمن آخر ..

وفق الرؤية الفلسفية لجان جاك روسو، التي اعتبر فيها ان كل شيء مرده السياسة، فإن الدراما المسرحية لا تستطيع الانفصال عن هموم وقضايا الإنسان في أي مكان في هذا الكون.. وبالتالي، فإن غائية المسرح فكريا هو التجاوب والتجاذب بكل الصور العلائقية مع هذه الهموم والإشكاليات والقضايا، تبعا لرؤية الكاتب والمخرج وفريق العمل والجهة المنتجة للدراما المسرحية، لذلك تم تشبيه المسرح في عدد من المقولات بأنه: “برلمان الشعوب”، نظرا لالتصاقه الحميمي بقضايا الناس وإشكاليات العباد.. وانه، أي المسرح، “منارة المعرفة”، نظرا لدوره التنويري والتثقيفي والتثويري والتحريضي في حياة الشعوب، والأمم وارتباطه العضوي بكل المعاني السامية للقيم الإنسانية.. غير ان الخلل الذي يحدث أحيانا في العلاقة التوافقية بين المسرح والمتلقي، يكمن في ضعف وسطحية المعالجات الدراماتيكية لعدد من الموضوعات، فيتخيل البعض ان المسرح فقد دوره وابتعد عن قضايا المواطن، وهو المتلقي.. فالمسرح لا يملك إلا ان يكون مع الناس وللناس.. لأنه بلا الناس، فلا قيمة ولا وجود له..

أما فيما يخص تراجع الجمهور عن المسرح لصالح وسائل أخرى …فعلينا ان نعترف بان كل عصر وله ذوقه وأدواته المعرفية والثقافية، ولكن لا تستطيع وسيلة أو أداة إلغاء الأخرى، فكل الأدوات مطلوبة، وعلينا ان نؤسس لإستراتيجية ثقافية تتقبل كل الوسائط وتوازن فيما بينها، فطغيان وسيلة على أخرى سيؤدي إلى خلل في التعامل مع مصادر المعرفة والثقافة، فالمسرح بالنسبة إلينا وفق المفاهيم السسيوثقافية هو ظاهرة احتفال واجتماع ولقاء وحوار وتعلم فن الاستقبال المعرفي.. هو معايشة بكل تفاصيلها الفلسفية. فمن الصعب ان يضحي الإنسان بهذه الوظائفية، وبالتالي التضحية بالمسرح لصالح ممارسات ثقافية تقوم على جانب العزلة والصمت الفكري. فمنذ عهد الإغريق، وحتى يومنا هذا، تعرض المسرح لهزات عنيفة، غير انه لم تستطع واحدة منها إزاحة المسرح عن دوره التاريخي.. فظل يقاوم أمام سطوات متعددة، الأمر الذي منحه القوة والصلادة، والقدرة على الحياة، بل وفن البقاء كواجهة حضارية لا غنى للشعوب عنها تعد اللغة، أي لغة في العالم، تجسيدا واقعيا لهوية الإنسان، حيث تمنحه الخصوصية المطلقة في مقابل الآخر، وهي أداة اتصال وتواصل وتفاهم في الحياة والفن والإبداع، لذا فان توظيفها في الدراما على النحو الذي يسمح بنقل الأفكار والطروحات يعد ضرورة لا غنى عنها، بل تعد واحدة من أهم المقومات الأساسية لصناعة الدراما، وبخاصة في المسرح، الذي يحمل على جانبه أدبيات الحوار. واللغة العربية، دون غيرها، تتمتع بجماليات عالية من البيان تفتقر إليها معظم اللغات الإنسانية، وفيها من التعابير والمفردات والدلالات ما يعينها على ترجمة الموقف الدراماتيكي دون خلل أو تقصير، لذلك فإن التمسك بها هو التمسك بالهوية، والتخلي عنها هو التخلي طواعية عن جانب من الهوية، ولا أظن أنها منفرة كما يتخيل قاصرو البصيرة، فكثير من الأداء المسرحي يكتسب طاقته وجماليته وإبداعه وتميزه من طاقة اللغة ذاتها ومن تجلياتها، ففيها من المعطى السيميائي ما يجعلنا نعتز بها ونحن نتلقى العرض المسرحي عبر وسائطها الدالة بالحركة والسكنات، وجمهورنا العربي يدرك أسرار هذه اللغة ويفهم مراميها، فلا تصرفه عن متابعة العروض المسرحية الناطقة باللغة العربية الفصيحة.

من وجهة نظري الشخصية، لا أظن ان الدراما المسرحية تعيش حالة من الصراع مع وسائط التواصل العصرية وفي مقدمتها النت… هذا قول مغلوط، ناتج عن عدم رؤية أو تبصر، المسرح اليوم في الغرب المتقدم يستثمر هذه التقنيات لصالحه، بما يجعله عصريا ومتقدما، وقد تم توظيفها بشكل ايجابي في مجال المرئيات والسمعيات. وجاء هذا التوظيف لصالح العملية الإنتاجية، حيث تم تقليص نفقات العمل، مع تقديم أفضل صورة إبداعية، علاوة على ما قدمته هذه البرمجيات من اقتراحات فنية وجمالية ساهمت في تطوير الرؤية الإخراجية، بل تطوير المسرح ذاته. …فالمسرح الرقمي ينتشر اليوم في العالم على نحو واسع، مستفيدا من كل ما تجود به العقلية الإنسانية من اختراعات وتحديثات تقنية، لذلك فان الغلبة في النهاية للعقل البشري الذي يستثمر العلوم لصالح الإبداع..

شاهد أيضاً

الشاعرة التي خسرت أسرتها من أجل الجزائر

عندما أصدر الشاعر الفرنسي جون سيناك مجموعته “الشمس تحت الأسلحة”، كتب لها إهداء خاصا عام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *