“المصالحة التاريخية ممكنــة.. لكن يجب قول كل الحقيقة قبلها”

الباحث في تاريخ الجزائر، منتصر أوبترون، لــ” “:

يرى الإعلامي والباحث في الحركة الوطنية والثورة التحريرية، منتصر أوبترون، أن المصالحة مع التاريخ ضرورية، حيث يؤكد، في هذا الحوار مع “وقت الجزائر”، على ضرورة قول كل الحقائق التاريخية، بإيجابياتها وسلبياتها، ورفع التهميش عن العديد من الشخصيات وعدم اختصار كفاح الجزائر في جبهة التحرير الوطني، التي أصبحت، بحسبه، سجلا تجاريا للسياسيين، كما دعا إلى كتابة التاريخ من قبل المؤرخين..

“وقت الجزائر”: الأمين عام لجبهة التحرير الوطني يقول إن الرئيس بوتقليقة قد أعلن عن مصالحة مع التاريخ، والأكيد أن 20 أوت 1956 من المحطات التي أسالت حبر المهتمين بتاريخ الثورة، وعلى ما يظنه العديد من المؤرخين أن مؤتمر الصومام أحد أهم نقاط الظل في مسار الثورة، أي مصالحة مع التاريخ، لكي تكون ذات معني، ما يجب أن يقال، بحسبك، عن تاريخ 20 أوت؟

 منتصر أوبترون: أهم تاريخ كان له سند كبير للثورة هو تاريخ 20 أوت 1955، الذي جاء بعد عام من إعلان الثورة، حيث كان هجوما حقيقيا في منتصف النهار، شارك فيه الكل، اندمج الشعب مع جيش التحرير، وهنا نذكر أن عمليات أول نوفمبر التي كانت في منتصف الليل كانت ضعيفة، بسبب نقص الوسائل والتجنيد، أما هجوم الشمال القسنطيني الذي قاده الشهيد زيغود يوسف فكان منعرجا حاسما للثورة، وصلت معه إلى مرحلة اللا رجوع، جعلت الحاكم العام، جاك سوستال، صاحب مشروع الإصلاح للقضاء على الثورة آنذاك، يقتنع بفشل مسعى الإدماج، حيث قال بعدها “اللغة الوحيدة التي بقيت هي لغة الحرب”، وكانت حصيلتها 1200 قتيل، بحسب التقديرات الفرنسية، ولكن سنة بعد هذا الحدث ينعقد مؤتمر الصومام في 20 أوت 1966، والغريب أنه تم انتقاد هذا الهجوم الذي أثبت أن الثورة ملتف حولها الشعب، بعدما كانت الدعاية الاستعمارية تقول إنها مجرد مجموعة من الفلاحين لا يمثلون الشعب، وبرغم ما حققه هذا الهجوم للثورة، إلا أنه تم انتقاده بسبب عدد الضحايا الذين سقطوا. للحديث عن المصالحة يجب أن نقول التاريخ كما وقع بإيجابياته وسلبياته، لأن بداية الثورة، بحسب التاريخ الرسمي، كان في 1 نوفمبر 1954، غير أن العديد، ومن بينهم محمد بوضياف، الذي كتب بيان أول نوفمبر بيده، يقول إن بداية الثورة كانت في 2 أوت 1936 يوم عودة مصالي الحاج إلى أرض الوطن، يومها قال قولته الشهيرة “هذه الأرض ليست للبيع”، ثم كان تاريخ 5 ماي 1945 كــ”تمرين” على الثورة.. لكي تنجح المصالحة مع التاريخ نعود إلى البدايات الأولى لتأسيس الجمهورية الجزائرية بالوثائق، مثلا حين ندخل موقع رئاسة الجمهورية الإلكتروني، ونأخذ نبذة عن النصوص التي أسست للجمهورية، نجد أنها بدأت من بيان أول نوفمبر 1954، ثم بيان مؤتمر الصومام أوت 1956، ثم بيان مؤتمر طرابلس جوان 1962، ثم ميثاق الجزائر أفريل 1964، ثم الدستور، في حين قبلها لدينا خطاب مصالي الحاج ببروكسل في فيفري 1927، الذي كان أول من طالب باستقلال الجزائر والذي يعتبره العديد من المؤرخين أول لبنة لتأسيس الجمهورية الجزائرية. لكي لا تكون لنا دولة الحزب الواحد يجب المصالحة مع كل التاريخ، ومنه أن الثورة لم تقم بها جبهة التحرير الوطني وحدهاـ الشيوعيون كان لهم جيش، الحركة الوطنية كان لها جيش، ودفعت شهداء أبطالا، يجب أن نعيد الاعتبار للجميع، دون إقصاء، لتفادي الاستغلال السياسي للتاريخ..

هل تظن أن المصالحة مع التاريخ ممكنة في الوقت الراهن ولها وسائلها؟

أظن أنها ممكنة، بل لا يمكننا أن نحرز أي تقدم بدون أن نتصالح مع التاريخ، وهذه المصالحة تكون بقول كل الحقيقة، منذ الاستقلال في 1962 والتاريخ أصبح سجلا تجاريا للسياسيين، لدينا الآلاف من المجاهدين المزيفين، الآلاف من الشهداء الأبطال تم تخوينهم ونكرانهم، يجب قول الحقيقة، كما هي، بإيجابياتها وسلبياتها..

 ولكن في ظل الخلافات المتباينة بين الفاعلين في الثورة والتي وصلت إلى الاتهامات والتخوين والتصفيات، ما هو السبيل الذي يكفل لنا المصالحة مع التاريخ، في الوقت الذي رحل فيه العديد من أولئك الفاعلين، دون أن يمكنونا من المعلومات الكافية التي تجعلنا نفهم ما حصل؟

الأمر بسيط.. التاريخ يكتبه المؤرخون وليس الفاعلون.. أنا أسأل ما علاقة جمال ولد عباس مع جماعة الستة التي فجرت الثورة؟ بوضياف كان من الجماعة التي هندست للثورة وخط بيان أول نوفمبر بيده، في 1962 خرج من الجبهة وأسس حزب الثورة الاشتراكية، آيت أحمد كان من جماعة الــ22 ولكنه عند الاستقلال أسس جبهة القوى الاشتراكية، أنا أظن أن جبهة التحرير الوطني أدت مهمتها وانتهت منها في 1962، والحركة الوطنية بدايتها كانت قبل جبهة التحرير فهي في ميدان النضال منذ 1927، والمصالحة مع التاريخ ستنفعنا لبناء جزائر ديمقراطية متنوعة.

 

سأله: صديق يحياوي

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *