الرئيسية / أدب، فكر وفن / المصطلح الذي ترفضه المرأة الجزائرية الكاتبة

المصطلح الذي ترفضه المرأة الجزائرية الكاتبة

تبقى إشكالية الأدب النسوي قائمة بحدة، ومصدر جدل في العالم العربي -والجزائر- أيضا، فبالرغم من وجود أسماء رجالية عديدة حاولت أن تساعد المرأة على تخطي عقبات المجتمع الذكورية، وبالرغم من وجود كتّاب سعوا إلى المساواة، فإن هناك –بعد أكثر من قرن على ميلاد الرواية العربية، وعلى يد المرأة نفسها- أصوات كثيرة تدعو المرأة إلى أن تلتزم حدود “أدب نسوي”، وأن لا تتخطاه إلى مواضيع الرجل.. فضلا عن أن الأعراف الاجتماعية في البلدان العربية –والجزائر منها- تحرم عددا كبيرا منهن من ممارسة الكتابة، بدعوى التقاليد والمحافظة..
لماذا تطرح هذه الإشكالية بحدة بعد كل هذه المسيرة في الكتابة المشتركة؟ مجموعة من الآراء لمجموعة من الكاتبات، تشابهت كثيرا واختلفت قليلا، وهي تجيب عن أسئلة هذا العدد من “أدب، فكر وفن”..

هل توافق النساء الكاتبات الجزائريات على مصطلح “الأدب النسوي”؟ هل يخدمهن كمبدعات بعد كل هذه السنوات من الكفاح من أجل أن تنال المرأة الكاتبة حقها في المنابر والنشر والاعتراف؟

هاجر شويط (كاتبة وقاصّة): طريق شاقة
لا تكمن المشكلة في الموافقة على مصطلح “الأدب النسوي” من رفضها، فحتى مع رفضها ستبقى موجودة وشائعة في الوسط الثقافي والأدبي، علينا أن نكرر القول –كنساء- أن ولوج المرأة العربية عالمَ الكتابة لم يكن معبّدا بالورد والريحان، ولم يحمل أعلاما مؤيدة وتصفيقا، على العكس كان دربا معبدا بالشوكِ والعوائق، وثمة نساء كثيرات وقفن وجها لوجهٍ مع مجتمع ذكوري يشبه الريح الصرصر، الوقوف نديا لأب أو أخ اعتبر أن الكتابة فعل قبيح ووقح لابنته أو أخته، هناك نساء آثرن فقد عوائلهن والاستمرار في طموحهن بالكتابة، وأخريات تطلقن في سبيل الكتابة، وثمة أخريات وصفن بأبشع الوصف لأنهن كتبن في الممنوع أو كتبن فقط وتم نشر أسمائهن على الملأ، وأخريات تجرعن الإهانة والضرب، وأخريات آمنّ بذواتهن أولا وبالرسالة السامية للأدب، كمي زيادة، نازك الملائكة، فدوى طوقان، كوليت خوري، غادة السمان، نوال السعداوي، آسيا جبار، زهور ونيسي، وفاطمة المرنيسي، فكن رائدات في مجال “الحركة النسوية” التي تكتب صورة معاناة، ظلم، صرخات المرأة في مجتمع ذكوري يعطي الرجل الهيمنة والسلطة الذكورية المطلقة. نستطيع القول إنه من هنا انبثقت النسوية، فالكتابة أساسا تعبير عن القلق الداخلي، والذات، ولا نستطيع التقدم والتشعب إلا بعد المرور بمرحلة الذات ودواخلها، فالرجل مثلا لا يملك هما داخليا تجاه المجتمع كالمرأة، وفي الأخير لن يكتب عن قلقه عن حجم السلطة التي نمت معه منذ نعومة أظافره، على العكس تم تجاوز الذات سريعا وكتب الأدب الإنساني بتوجهاته وطابوهاته، دون عوائق وتهديد بالتوقف، بينما بإمكاننا القول أن المرأة الكاتبة سارت نحو ذلك زحفًا، ولكنها تصل ووصلت ونافست الرجل في مشاطرته أدبا حقيقيا، تنافست معه على المركز ذاته، وهذا تحد ربحته. كما أن مصطلح “الكتابة النسوية” هو تقسم للأدب برسالته الواحدة “المحن الإنسانية”، التي يكون فيها الرجل والمرأة شريكين بالعامل ذاته، وبمستوى الدور نفسه، فالحل دومًا هو النظر وتقييم المادة المكتوبة بتغطية اسم الكاتب/الكاتبة، والبحث عميقا في المعنى المراد إيصاله للقارئ في نصه، هذا لا يمنع أن “الكتابة النسوية” عالمٌ خاص صنعته المرأة وقدمت فيه غرف حريتها التي تبحث.

نسيمة بولوفة (قاصّة وروائية): تفرقة سافرة
لا، إطلاقا، لا يعجبني هذا المصطلح الذي يحمل بين طياته تمييزا سافرا وتفرقة بين الجنسين، وإن سلمنا به فمعناه أن نوافق على وجود أدب الأسياد الرجال، وأدب الجواري النساء، الهدف منه دون شك إبقاء المرأة في نهاية الصف لتلعب الأدوار الهامشية، المتمثلة في ديكور الزينة.

آسيا بودخانة (روائية): قد يكون منصفا
أرى أن وصف جانب من الأدب بالنسوي فيه فعلا تحجيم، ولكنه من ناحية أخرى قد يكون منصفا إذا كان القصد منه تناول موضوعات تخص المرأة في شؤونها التي لا يعرفها غيرها.

إنصاف عثمان (شاعرة مصرية): تقسيم غريب
إن الكتابة تعبير وإبداع إنساني.. أكرر: إنساني، فكيف يطرح سؤال عن أدب نسوى وأدب؟ الأدب أدب.. لقد طرحت السؤال على طلبة السنة الثانية ثانوي، استغربوا، وهم ليسوا أكاديميين، قالوا: حين نقرأ نصا ما، لا نفرق بين كاتب أو كاتبة، فقد يعبر كاتب عن أحاسيس المرأة أكثر منها، والعكس صحيح.. وهنا أتذكر حوارا مع صاحبة “الأسود يليق بك”.. إنها ضد هذا التصنيف. الإبداع لا لون له ولا جنس، بمعنى رجل أو امرأة.. الإبداع هو تعبير بدرجة دكتوراه.. قد يستطيع كاتب رجل أن يغوص في نفسية المرأة اكتر من كاتبة امرأة، والعكس صحيح. أرجوا من زميلي المبدع ألا يوافق على هذا التصنيف، فالكتابة له خصوصيات، نعم، وليس لها تميز جنسي. حين نشاهد لوحة فنية، هل نتساءل من مبدعها: أرسام هو أم رسامة؟ الفن والكتابة أرقى الفنون، لا تعترف بجنس، القضية خاسرة، لا استئناف لها، فتحية لكل كاتب يساهم بتقدم الإنسانية بقلم رصاص ينير عقولنا التي تاهت بتفاهات.. تحية لكل مبدعة واخص إعجابي بأحلام مستغانمي ود.ربيعة جلطي.

راضية الهلولي (شاعرة): هذا لا يخدم الأدب
الأدب النسوي.. أرى في هذه التسمية الكثير من التقسيم والتصنيف الرديء الذي لا يخدم الأدب، ولا أرى فيه أي دافع لتطوير الأدب والاشتغال عليه للوصول إلى أعلى درجات الجمال الأدبي والأنفاس الأنثويّة التي أراها تنتشر هنا وهنا، إنما هي توزّع الفرح والسعادة والبهجة والأمل والصبر والعمق في تناول الكتابة الأدبية.. فليس هنالك أدب نسائي وأدب رجالي، إنما هناك أدب إنساني تكتبه المرأة، مثلما يكتبه الرجل.

نوال جبالي (روائية): مصطلح قاصر
أجد المصطلح قاصرا فكريا ورؤيَويا، ويدل على قصور حاد في فهم مصطلح الإبداع في عمومه، فالإبداع لا جنس له ولا جنسية..

فاطمة العقون (روائية): المرأة صاحبة الخطوة الأولى
بداية أقول أنه من الأنسب -في نظري- لو يتم إلغاء الاحتفال بالثامن من مارس، باعتباره يوما عالميا للمرأة، لأنه كلما حان موعده كثر الحديث واللغط حول المرأة، ما يؤدي إلى ظهور التمايز الجلي بينها وبين الرجل، وبالتالي بين أعمالها وأعمال الرجل، وأنا أرى أن عدمه أفضل بكثير، لأنه سيترك المجال للمرأة أن تكون إنسانا فاعلا في المجتمع وكفى، دون الحاجة لأن تكون امرأة فاعلة. فهذه المناسبة بالذات هي التي تثير مثل هذا المصطلح الغبي الذي هو “الأدب النسوي”. الفاعلون في مجال حقوق المرأة يختلط عليهم الأمر حينما يجعلون من الإبداع الأدبي لدى المرأة حقا يجب النضال من أجله، وهم بذلك يوقعون المرأة في شراك التمييز بينها وبين الرجل، والذين يقومون بهذا لا يمارسون الأدب بقدر ما يمارسون السياسة. الرجل الأديب أو الدارس للأدب لا يقدم على خطأ فادح كهذا، لأنه إن فعلها جعل من نفسه سخرية. الدارسون للأدب عموما يدركون فضل ما كتبته المرأة على الأدب الإنساني، والدارسون للأدب العربي خصوصا يعلمون جيدا أن الإرهاصات الأولى للرواية العربية كانت على يد زينب فواز بروايتها المسماة “حسن العواقب”، سنة 1899 ثم تلتها رواية “اللقاء بعد الشتات” لعائشة التيمورية، ولم يكتب محمد حسين هيكل روايته زينب إلا سنة 1914.
الدارسون للأدب أيضا يعلمون أن المرأة المبدعة حينما تكتب باستطاعتها أن تحدث ما يسمى بالنجاح “اللغز”.. ما يحدث الآن مع أحلام مستغانمي، وما حدث قبلها لدى الكاتبة البريطانية آغاتا كريستي، وما حدث قبلهما مع الكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل، صاحبة رائعة “ذهب مع الريح”، دون أن ننسى الكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ، صاحبة سلسلة “هاري بوتر.”
لعلي أكون بهذا التحليل أقع أنا أيضا في الشراك بحديثي عن أدب المرأة، لا أريد أن أميزها وأقول بأنها أفضل من الرجل، هي تتميز عنه في شيء واحد، أنها تمارس الأدب بنوع من التحدي، لأنها إلى جانب مسؤوليتها في غالب الأحيان عن أسرة لصيقة بها، تجدها تتطلع لتحقق ذلك الشيء الذي يجول في نفسها، والذي يأبى إلا أن يخرج إلى العلن ألا وهو ممارسة الأدب.
النضال الحقيقي الذي خاضته المرأة، والذي نفتخر كنساء بالكلام عنه، هو نضالها من أجل حقها في التعليم، لأنها ما إن تعلمت حتى فتحت لها كل أبواب الدنيا، وصارت الحياة لديها أسهل والأمنيات أقرب إلى التحقيق، ومجالات الإبداع أمامها تنهل منها كيفما تشاء، ودخلت في صراع مع الحياة وليس مع الرجل، لأن الصعوبات نفسها التي قد تعترضها تعترض الرجل في المقابل، الكتاب جميعهم نساء ورجالا يشتكون مثلا من مشاكل نشر أعمالهم، بعض الأسماء أيضا تشتكي من تهميش الإعلام لها.. وهلم جر من المشاكل المشتركة بين الرجل والمرأة.

لامية بلخضر (شاعرة): لا أقف عند هذا
عن نفسي، لا أقف كثيرا عند إشكالية المصطلح أو التجنيس أو.. يهمني النص, تميز النص.. يربكني النص المختلف, المتفرد.. يستفزني المبدع الراقي, الثري.. النص وحده جواز سفر لأحاسيسنا.. لأفكارنا.. لأرواحنا.. لنا..

أليس المصطلح محجِّما ومقزّما لصفة الإنسانية الشمولية التي يجب أن يتصف بها الأدب؟
نسيمة بولوفة: الأدب كالملائكة، لا جنس له
بالفعل تماما، إن الأدب كالملائكة، لا يعرف الجنس، وقد يختلف كاتب عن آخر بدرجة حساسيته، قد يكتب الرجل بحساسية المرأة، وقد تكتب المرأة بحساسية الرجل، وفي مرات لا نستطيع التفرقة بين كتابة هذا عن ذاك إلا بعد الرجوع للاسم، والتاريخ يذكر أن نزار قباني كان وسيبقى شاعر المرأة، عرف كيف يتغلغل إلى أعماقها، كما يحفظ التاريخ أن إحسان عبد القدوس كان كاتب المرأة الذي سكن قلبها وعشش في عقلها ليصف أدق تفاصيلها، حتى قيل وأشيع أن والدته هي التي كانت تكتب باسمه..

إنصاف عثمان.. الظروف ظلمت المرأة تاريخيا
صحيح.. بالعودة إلى الوراء نجد أن الكتابة كانت من نصيب الرجل أكثر، لأن الظروف ألزمت المرأة بدور الأم وما يتبعه، وهو دور أساسي، وفيه أنواع من الكتابة لا توصف أبدا.. وذلك بداية من كتابة الخنساء إلى الآن.. لنا رموز تعلم منها الرجل عبر العصور.

هاجر شويط .. هناك تقزيم
التقزيم، التسطيح، التصنيف هي السلبية الكبيرة التي جاء بها هذا المصطلح للأدب فعلا، الكتابة أساسا هي رسالة محن إنسانية، وخوف من القادم، وسرد لوجع وأيضا جلد الماضي، وبمحاولة تقسيم الوجع إلى أنثوي وذكوري، ومحن رجالية ونسائية، سيصبح ثمة حركتان متضادتان، إحداها بصوت عال خشن، والأخرى بصوتٍ عالٍ ناعم، وسيحث أحد الطرفين لطمس الآخر، ليظهر هو الضحية، والضحية بالضرورة في مجتمعاتنا الشرقية هي المرأة دون منازع، هنا أيضا تتلخص فكرة -المرأة الضحية-، وبدل أن تطفو القضايا المهمة، تترسب في القاع، ويصبح الهم الوحيد حيازة اللقب والريادة الذكورية أو الأنثوية، أما الصحيح –بمنظوري- تجاوز هذه الفروقات القاسمة، والنهوض بفكرة الكتابة كمشروع إنساني، بغض النظر عن الجنس، العنصرية، الطائفية الدينية، لمنتوج أدبي أكثر عمقا، وأكثر بحثٍ ونجاعة.

نوال جبالي.. لا معنى لهذا التقسيم
بل المصطلح محجم ومقزم لعقل من أطلقه، ومن تمسك به، فالإبداع هو عطاء إنساني، لا معنى لأعضاء الذكورة أو الأنوثة فيه، ولا محل لها من الإعراب، مادمنا نبدع بعقولنا وأناملنا ومشاعرنا ومخيلاتنا.. وهذه المعطيات التي ذكرتها منحها الخالق للمرأة وللرجل على حد سواء..

لامية بلخضر.. كل يعرف بقلمه
ترافقنا هذه الإشكالية في العوالم كلها.. ولكن لنتفق: جميل أن نضبط المفاهيم، والأجمل أن نرتقي عن القوالب الجاهزة بنصوصنا, أحلامنا, أفكارنا…النص هو الحياة وكفى… بعيدا عن كل التسميات والحدود والحواجز…. كل يعرف بقلمه.

هل توافق المرأة الكاتبة ما يذهب إليه الكثير من الأدباء الرجال، من أن المرأة الكاتبة لا يمكنها الذهاب إلى أبعد من تقليد الرجل؟ وأنها لا تكتب إلا لتقليده، وإن عليها –في حال أرادت ان تكتب- أن تنشغل بعالمها الأنثوي لا أكثر؟..

نوال جبالي.. نزعة طاووسية
طبعا لا أوافق على هذا، والدليل الذي انسف به هذا الاعتقاد هو أننا نجد الكثير من الكاتبات تفوقن بأشواط عن كتاب رجال.. كما أن من يقول هذا الكلام مصاب بنزعة طاووسية بشعة، تسحب منه شرف الإبداع، فلا اعتقد أن المبدع قاصر في فكره وضيق الأفق، ليرى بهذا القصور..

لامية بلخضر.. لا أبوة لأحد
اللغة للجميع، كما الحب والذوق والثراء و المعنى… من شاء فليبدع إلى ما استطاع إليه سبيلا.. أظننا أرقى من أن نحاكم المبدع, أكبر من أن نحكم ونجلد ونصادر.. النص يفرض وجوده.. لا أبوة لأحد.. ولا وصاية. أرى أن الفضل الوحيد هو فضل النص. كم من القلوب سيأسر, كم من الأذهان سيربك. وعليه، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننسلخ من نصوص أدهشتنا.. أربكتنا.. عن نفسي أقرأ الجميع.. الجميع دون استثناء.. وأفخر بنصوص تسكنني.. كتابها مبدعون ومبدعات تختلف أشربتهم, أحلامهم, أجيالهم.. ولكنهم أبدعوا فأربكوا، فعاشوا (يعيشون) ما عاش النص.

هاجر شويط.. خطأ جسيم
هذا خطأ جسيم يقترفه الرجل بقول ذلك، فما بالك إذا كان مثقفا، ويمارس الكتابة، الكتابة لا تصدر إلا من شخص يضجّ بالأحاسيس، وممتلئ بالمشاعر، ويستطيع أن يشعر بمن حوله والتعبير عنهم، كأنه مفوض، فمن العار أن لا يفهم الرسالة التي جاءت بها امرأة تكتب، وإلغاء عقلها، وثقافتها، وتحصيلها بهكذا فكرة، والواقع خير دليل، فكما تقول الكاتبة سورية هيفاء البيطار: “أنا لم أدخل الكتابة لوصف الربيع”، هذا دلالة على أن الكتابة بالنسبة لها كامرأة لها أبعاد ودلالات، والأهم رسالة أيضا، ثمة الكثيرات كتبن ما لم يستطيع الرجال كتابته، الداخل السحيق للمرأة لا يستطيع كتابته إلا امرأة.. المعاناة، الصرخات، المواجهات التي تتعرض لها كل يومٍ لا يمكن التعبير عنها إلا امرأة، فهل هذه ندّية، وتقليد للرجل؟ على العكس تماما هو تفرد، تميز، وخلق الشيء من العدم، المرأة التي نجحت ببناء أسرة ومجتمع كامل، التي ثارت وجاهدت، ألا تستطيع الكتابة؟.

نسيمة بولوفة: حرفة شاقة
إن الكتابة هي حرفة شاقة، تعتمد كأرضية لها على الانزواء والانعزال، هل يتحقق هذا الشرط للمرأة؟ ينطلق الكاتب عموما من موهبته، لكنه يحتاج لأدوات لتطوير هذه الموهبة، كالمطالعة، والكتابة بصورة يومية متواصلة كتمرين من تمارين اللياقة لكي لا يفقد ليونة الإبداع، هل يتوفر هذا البذخ عند المرأة، يتم النظر للكاتب الذي ينزوي في خلوته لينتج أدبا على أنه مخلوق غريب، فما بالك بالمرأة ستتصف بالنشوز والجنون؟ كما أن الزمن تبدل، إن الظروف الصعبة تحتم على المرأة الخروج للعمل من أجل توفير لقمة العيش، لم تعد تمتلك حرية ترف البقاء في البيت لتكتب وتقرأ، وكل هذا ينعكس على مستوى الكتابة ونوعيته.

آسيا بودخانة.. حكم قاس
هذا حكم قاس، ولا يمكن اعتباره مقياسا.. للمرأة قدرات لا تقل قوة عن الرجل… أغاتا كريستي واليف شافاق مثلا من جيلين مختلفين، ومن ثقافتين مختلفتين، وأثبتتا للعالم أن الأدب والإبداع ليس رجلا.

إنصاف عثمان .. لم نقلد
نحن لا نقلد، ولكن هناك تجارب تستحق أن ندرسها سواء كان المتقدم امرأة أو رجلا. مثلا: كم من كاتب فخور بأحلام مستغانمي أو ربيعة جلطي أو آسيا جبار، أو بأمينة السعيد، د.نوال السعداوي في مصر؟.. رغم الاختلاف عليهن ككاتبات، فنحن نعيش في مجتمع، نتواصل مع بعض، كل يستفيد من خبرة وتجربة الآخر، نحن نشارك بعضنا من منطلق الإنسانية، حقا الرجل أخذ وقتا أكثر ومارس الكتابة قبل المرأة، لظروف تاريخية، ولكن المرأة -رغم تعاطيها هدا الدور مند زمن قليل مقارنة به- فقد تفوقت علية في بعض الأحيان.. آسيا جبار تقلدت وسام من الأكاديمية الفرنسية، وهذا شرف لنا كعربيات. ولدينا في وطننا العربي أمثلة كثيرة، لا كما كان يقال من طرف كبار الكتاب، بأن المرأة تكتب بالأظافر أو بالماكياج مع الأسف.. ولو عاشوا حتى الآن لذهلوا مما وصلت إليه الكاتبة اليوم. تحية لكل مبدع له فكره فلنقيم النص دون تحيز.. وكل الأمنيات للنص الأدبي أن يساهم في حل مشاكلنا..

راضية الهلولي.. المرأة تكتب خارج الرجل
المرأة الشاعرة أو الكاتبة تكتب بإحساس عال جدا، ومرهف جدا، وموجع جدا، وعميق جدا، بحجم معاناتها في هذا العالم الصعب بمختلف تقلباته وانزياحاته ومشاكله، والجوائز التي تحصدها المرأة الكاتبة والمبدعة عموما تؤكّد أنها تكتب خارج دائرة الرجل، فكيف يدعي البعض أنها تقلّده؟
بعيدا عن الذاتية، وبنظرة متفحصة، كيف تقيم الكاتبات الجزائريات مسيرة المرأة الكاتبة في وطنهن؟ وفي الوطن العربي؟

لامية بلخضر.. أفخر بوطن المبدعات
للمرأة بصمتها في كل ما هو جميل (جمال), في كل ما هو حب.. للمرأة بصمتها في الحياة.. و في الإبداع.. أفخر أني من مدينة (باتنة) تعج بالمبدعات: (حليمة قطاي، سمية محنش، أمال يحياوي، رندة مكاوي، سامية بن أحمد، حفيظة ميمي.. وكثيرات).. لكل بصمتها وميزاتها، وأعتز أني من وطن أنجب لميس سعيدي، أمال رقايق، فريدة بوقنة، أسماء مطر، خديجة بلودمو، منى بشلم.. وكثيرات.. أنا أحاول أن أحشر معهم يوم البوح..لا أن أقيم أو أجنس أو أحاكم.. أتمنى فقط أن تربك نصوصي القارئ, فيرتقي بها و ترتقي به..

هاجر شويط .. كاتبات في الواجهة
ربما لستُ بمستوى تقييم، لكن الكاتبة العربية عموما وصلت إلى مستوى يدعو إلى الفخر والاعتزاز، فبالنظر للظروف التي بدأت بها وسط صراع المجتمع، وبدأ صوتها في العلو، صار لتلك الوردة الندية قامة وقوة وشوك، استطاعت الكتابة في مواضيع الطابوهات أو ما يعرف بالثالوث المحرم (الجنس، الدين، السياسة)، وحاربت المجتمع الذكوري الذي حاول بكل قوة إغلاق فمها، وتكسير قلمها ويدها، ولكنها أوضحت جيدا كم هي قوية وشامخة في وجه كل هذا التيار، وكما يقال “يا جبل ما يهزك ريح”، ومازالت ثمة كاتبات منذ عشرات السنوات في الواجهة، ككوليت خوري، فاطمة المرنيسي، نوال السعداوي وآسيا جبار، وزهور ونيسي، وحتى في الجيل الجديد كفضيلة الفاروق، ربيعة جلطي، هاجر قويدري، وفي المشرق كعلوية صبح، حنان الشيخ، لينا هويان الحسن، بثينة العيسى..

نسيمة بولوفة .. وضع متدهور
كيف هي مسيرة المرأة الكاتبة في الجزائر؟ بكل صراحة أراها متدهورة، وتزداد تدهورا، أنا شخصيا أكتب منذ أزيد من 15 سنة، ولا أمتلك ناشرا مشجعا محفزا لكتاباتي، وإن نشرت أعمالي فعلى حسابي، كما حصل لي مع روايتي “نبضات آخر الليل”. تواجهني مشكلة أخرى، ألا وهي كيفية التوزيع والتسويق، للأسف على المبدع في بلدنا المصاب بخيبتنا أن يشتري شهادة ميلاده من دولة أجنبية تصنع نجوميته وتحترم كيانه كعقل مفكر ومنتج، لا يزال ابن وطني أعمى طالما أنت قريب منه هو لا يراك، وقد تحتاج لأن تبتعد لأبعد نقطة في الكرة الأرضية ليتنبه لموهبتك.. نحن نستعير عيون الأجنبي لرؤية أبناء جلدتنا .أما في الوطن العربي فلم تصل الكاتبة إلى مستوى الكاتبة في العالم الغربي، لأن الذهنيات لم تتبدل كثيرا على مر الأزمنة.. مرات، نصطدم بأننا نمشي نحو الوراء، ونفتقد ما تم كسبه في الماضي الغابر، عموما هناك دور نشر تنشر، وأسماء تبرز، فارضة نفسها تحت شمس التميز والاختلاف.

راضية الهلولي.. إنتاجنا مختلف الطعم والجمال
أنا مطلعة طبعا على الساحة الأدبية العربية بشكل مكثف، وما تقدّمه المرأة من سحر في الكتابة الشعرية والأدبية عموما يجعل لها ذلك الحضور العذب والمختلف، فما يميّز الساحة الأدبية التونسية مثلا تنوّع وثراء التجارب في الكتابة، لكل شاعرة وكاتبة مذاق حرفها الخاص بها، وهذا ما يجعل الساحة الأدبية التونسية تتمتع بأقلام على درجة كبيرة من الجماليّة والحرفية، الأمر نفسه بالنسبة للمشهد الأدبي في الجزائر الحبيبة، تفرّد الكتابات والكاتبات جعل من الانتاجات الأدبية انتاجات مختلفة الطعم والجمال، وما تكتبه المرأة هو تجارب إنسانية ضخمة جدا، تساهم بشكل كبير جدا في بناء غدنا، الذي نرنو إلى أن يكون أجلى وأبهى وأمتع وأبدع.

نوال جبالي.. نحن نتألق
مسيرة المرأة الكاتبة في الجزائر في تألق مستمر، رغم كل العوائق، فأسماء مثل آسيا جبار وأحلام مستغانمي وجميلة زنير وفضيلة الفاروق.. وغيرهن كثر، يشكلن مشهد المرأة الكاتبة في الجزائر، ويحملن مشعله باستمرار في سماء العالم أجمع، كما أن الأسماء الشابة تحمل الكثير من الأمل والكفاح والفخر في هذه المسيرة.. وكذا في العالم العربي، هناك أسماء عظيمة تستحق الإجلال والفخر كغادة السمان وغيرها، تروي باستمرار حكاية حب لن تنتهي مع الحرف والحقيقة.

فاطمة العقون .. حظوظ
نحن دولة فتية، عرفنا الحرية منذ زمن يسير، لم نعرف النهضة التي عاشتها شعوب المشرق العربي وخاصة مصر ولبنان في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وبالتالي مسيرة الأدب العربي في الجزائر قصيرة جدا، لا نملك تلك الأصولية في اللغة، لم نصل بعد إلى رسم معالم الأسلوب الجزائري في الكتابة كوحدة متعارف عليها، نكتب بالعربية ونفكر بالفرنسية، نكتب بالفرنسية ونفكر بجزائرية مشوشة.. عندما نكتب بالفرنسية يتملكنا هاجس العالمية، وحينما نكتب بالعربية يتملكنا هاجس الانتشار العربي، الإنسان الجزائري -بطل كل رواية- موجود بين الأسطر كأداة استعمال فقط، ولكنه ليس معنيا بتوصيل الخطاب، من الصعوبة بمكان أن يتم الاعتراف بكاتب ناشئ إلى أن يغزو الشيب مفرقه، إلى أن تتكلم عنه محافل أدبية غريبة عن الوطن. طبعا هذا لا ينفي أن التجربة الجزائرية في الأدب استطاعت أن تلفت الانتباه بوجود أسماء أثبتت نفسها عربيا وحتى دوليا، ولكن تبقى هذه المجهودات فردية غير متكاملة ولا متناسقة المجهود، فالكل يغرد مع سرب مختلف، لكأننا لا يجمعنا وطن واحد. مسيرة الكاتب والكاتبة عندنا مقترنة بما لديه من حظ في الحياة، أما مسيرة الكاتب والكاتبة في الوطن العربي، فهي مقترنة بما ستؤول عليه الأمور بعد أن تضع الحرب أوزارها.

آسيا بودخانة.. الجزائر قدمت الكثير
قدمت الجزائر الكثير من الأسماء النسوية إلى العالم.. أحلام مستغانمي، آسيا جبار، زهور ونيسي …و قائمة من الأسماء اللامعة.. وآسيا بودخانة تسعى لأن تكون واحدة من هؤلاء يوما ما.. أليس الطموح مشروعا؟

شاهد أيضاً

أحب التجريب الذي يتيح توظيف التراث

يرى الشاعر الجزائري “عيسى ماروك، إن الحداثة ليست قطيعة مع ماضينا أو تنكرا له أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *