المواطن “يحترق”..

بين ناري الأسعار ودمعة أطفاله

مع اقتراب كل مناسبة، يصبح المواطن في حيرة من أمره، إذ أنه بين نارين، إرضاء رغبة أبنائه وإسعادهم، بتوفير كل متطلباتهم، والدخل المحدود الذي لا يسمح له بتوفير حتى الأساسيات منها، معادلة يقف أمامها عاجزا، وفي النهاية يضطر للاستدانة، أو بالأحرى “التسول” لدى ميسوري الحال من العائلة أو الأصدقاء، في صورة تتكرر كل سنة، خلال الأعوام الأخيرة، لتعاقب المناسبات (رمضان، عيد الفطر، العطلة، عيد الأضحى والدخول المدرسي).. هي مناسبات يفترض أنها سعيدة، لكنها ليست كذلك لدى كثير من أرباب العائلات..

مصاريف عطلة، دخول اجتماعي وعيد

المواطن بين نار الصيف ولهيب السوق

على غير العادة هذه السنة، تفصلنا يوم واحد فقط على عيد الأضحى المبارك، ولازالت الأسواق تعرف ركودا غير مسبوق، والمحلات الإقبال عليها مثل كل الأيام أو أقل، مواطن هائم بين المحلات وفضاءات البيع لا يشتري ما يريد، وإذا فعل فبعد عمليات حسابية مقعدة يجريها أمام التاجر ليخلص إلى التخلي عن الكثير من المتطلبات، فالعطلة تستنزفه، والعيد على الأبواب، ثم دخول اجتماعي يتربص ما تبقى في الجيب.

رغم أن الأسعار أغلبها لم يتغير، غير أن إقبال المواطن يطبعه الحذر والتردد، في فترة تفرض عليه أخذ كل الاحتياطات، حتى لا يحال على التسول، بعد شهر سبتمبر.

حركة غير عادية

في جولة قادت “وقت الجزائر” إلى بعض أسواق ومحلات العاصمة، وقفنا على حجم المعاناة التي يتخبط فيها الجزائري هذه السنة بالذات، ففي عز إحكام التقشف قبضته على عنق المواطن، تآمر عليه كل من العطلة وما تحمله من مصاريف، وما يصاحبها من إنفاق، فعيد الأضحى وما يتطلبه من مال، ثم دخول اجتماعي لا يعرف مدى تحمل الجزائري نفقاته. تقول السيدة “غنية” التقيناها في أحد الفضاءات التجارية بالعاصمة، وهي تجوب الأروقة وتتفحص الأسعار وتحمل هذا مما تحتاجه وتضعه، ثم تحمل ذاك وتضعه “لسنا ندري كيف سنتحمل كل هذه المصاريف، أرهقتنا العطلة بسبب الإنفاق، ثم العيد رغم أنني لن اشتري أضحية، لكن علينا شراء بعض اللحم الذي يتجاوز سعره الـ1500 دج، ثم الدخول الاجتماعي”، الحيرة كانت بادية على السيدة التي واصلت تقول “من وقت وأنا أجوب المحل، احتاج إلى أشياء كثيرة، لكنني في النهاية سأضطر إلى اقتناء ما احتاجه اليوم فقط، بعدها نسأل الله الفرج”، نفس هذا الكلام، فقط بأسلوب مغاير، عبر به “عمي محمد” عن قلقله من الوضع، فقط أضاف أنه يخشى أن لا يصب معاش التقاعد قبل العيد، حينها سوف “نتبهدل”، يتابع.

أسعار لم تتغير وليست في متناول الجميع

ما استقيناه من الأسواق والمحلات التي زرناها، أن الأسعار، وبتأكيد من التجار، لم تتغير في هذه الفترة، غير أن الأمر لم يمنع من عزوف المواطن عن الشراء واكتفائه فقط بالضروريات، ففي هذه الفترة بالذات تمر الأسر بوضع صعب، وضع شرحه “عمي فوزي”، صاحب إحدى القصابات المعروفة في سوق عين البنيان، الذي دخلنا محله وكان خاليا من الزبائن، فوجدناه يجلس على كرسي، بينما أجيره يرتب المكان والورق بالقول، أن “هذه الفترة صعبة جدا على المواطن، فقد أتت عليه النفقات من كل باب، بعد فواتير الكهرباء والغاز التي وصلته مؤخرا، لن يتمكن من شراء ما يسد به رمقه”، وأردف الرجل الذي قال إن الأسعار لم تتغير، مثلها مثل شهر رمضان، “صاحب الراتب مسكين لا يمكن أن يشتري اللحم، فهو يبحث عن كل ما هو بخس الثمن، يكتفي بشيء من الخضر والفواكه لتجاوز المرحلة”. وتابع، وهو يشير إلى صاحب فواكه على مقربة من بابه، كل الفواكه التي عنده يتجاوز سعرها الـ200 دج للكيلوغرام “حتى الخضر والفواكه غالية عليه جدا، ولا يمكن أن يشبع منها”، “تعرفون العطلة أغلب سكان العاصمة يستقبلون الضيوف وأهاليهم، الذين يأتون من أجل البحر، أقلهم يقضي أربعة أيام، غداء، عشاء، وقهوة بما تتطلبه، علينا أن نحسن ضيافتهم”، وتابع “5000 دج تكلفة ما يتطلبه تحضير الغداء ومثلها العشاء، لنجد أن مليون سنتيم ينفق في يوم واحد، فكيف بالزوالي أن يتحمل هذه المصاريف؟”، يتابع المتحدث، “فترة صعبة”، وحتى البائع يعاني هذه الفترة “ما ينقذنا هذه الفترة ويجنبنا الغلق، هو التعامل مع الأعراس، نقبل بوضع أسعار خاصة حتى نتجاوز الفترة”، يتابع الرجل، وبينما نحن هناك جاءت شابة سألت عن سعر النقانق التي كانت بـ900 دج للكغ، فقالت له “زن لي نصف رطل”، هنا التفت إلينا عمي فوزي وقال “هآآآه نصف رطل”، إشارة منه إلى أن المواطن يضطر إلى شراء كمية صغيرة مقارنة بقبل.

بقوليات مستقرة وأسعار الدجاج

قد تتراجع الدجاج الذي اهتدى بائعوه إلى حيلة وزنه ووضع السعر عليه، لتجنب بيعه بالكيلوغرام حتى لا يضطر للتصريح بسعره كونه غال، قال أجير “عمي فوزي” إن أسعاره مستقرة، وقد تتراجع أربعة أيام قبل عيد الأضحى، علما أن الدجاجة الصغيرة جدا يتراوح سعرها بين 550 و650 دج، فيما تتجاوز المتوسطة الحجم الـ700 دج، لذلك لا يعرف الدجاج، بحسب المحلات التي زرناها، أي إقبال في هذه الفترة عدا “فترة نهاية الأسبوع”، بحسب “عمي فوزي”، فيما تفسر السيدة “حورية” هذا العزوف بأن المواطن خاصة ممن لن يضحي “وهم كثر وأنا واحدة منهم للأسف”، سوف يفضل عدم الشراء هذه الفترة، وتأجيل الشراء إلى ليلة العيد، “من باب الاقتصاد”. وعلى خلاف محلات بيع اللحوم، تعرف محلات وفضاءات بيع المواد الغذائية العامة حركة لا تعجب تجارها، ففي مــحــــل “ماســي” للمواد الغذائية العامة المعروف في عيــن البنيـــــان، الذي تجــــده مكتظا بالزبائن على مدار السنة، كونه يبيع البقوليات وجميع الحبوب بالميزان، فلا تتمكن من ولوجه عبر أبوابــــه الثلاث، كان الإقبال محتشما جدا، وقال أحد أصحاب المحل الذي تحدثنا إليه إن التجارة راكدة هــــذه الفترة، ورغم أن الأسعار لم ترتفع، غير أن أهم زبائنه هم ممن يشترون البقوليات”. وأردف “أغلب المواطنين يشترون بكميات قليلة”، وهنا أشار إلى أن “أهم مادتين تباعان هما الحمص والأرز، هذا الأخير، العادي مفقود منه منذ حوالي شهر”، لذلك يقول الشاب إنهم حتى لا يفقدوا زبائنهم الذين أغلبهم من محدودي الدخل يضطرون إلى شراء الموزون في أكياس 1 كغ ثم يفرغونها في كيس كبير مثلها مثل باقي الحبوب والبقوليات “فقط حتى يتمكن الزوالي من شراء الرطل ونصف الرطل”.

الأدوات المدرسية تزحف نحو الأسواق ومعدات الذبح تنتشر

رغم أن الدخول المدرسي ما زال بعيدا مقارنة بعيد الأضحى، غير أن بعض المحلات والطاولات بدأت منذ الأسبوع الفارط، في عرض بعض الأدوات المدرسية خاصة المآزر، غير أن البيع “ميت” هذه الأيام، على حد تعبير أصحابها، في حين تعرف المعدات المطلوبة لذبح الأضحية، على غرار السكاكين بأنواعها والسواطير وغيرها، بعض الإقبال، في طاولة وقف عليها شابان، بعــــد أن تحدثنا إليهما علمنا أنهما طالبان جامعيان بمعهد الإعلام، كان بعض الزبائن، سألوا عن الأسعار وتفحصوا السلع غير أنهم لم يشتروا، حينما سألنا الشابين، قالا لنا إن الأسعار ارتفعت شيــــئا ما هذه السنة، “غلاء المعيشة سبب بعـض الركود، ربما ثلاثة أيام قبل العيد تنتعش، هكـــــذا نأمل”، يقول أحدهما، فيما قال الآخر إن المواطن يأتي ويســــأل بعضهــم يشتري احتكاما للجودة وآخر يتبع السعر المنخفض “لكن أغلبهم يبحثون عن السعر المنخفض ولا تهمهم النوعية”، هذا أن “المعيشة صارت غالية والمتطلبات زادت”، بحسب المتحدث، نفس الشيء بالنسبة لبائعي هذه العدة في شارعي ساحة الشهداء، الذين ما زالـــت الشرطة تطاردهم وتمنعهم من البيع في الشارع، وكذا باب الوادي، أين عمد الشباب ممن تعودوا على ذلك، على عرض معدات الذبح، والمشاوي، وبعض الأواني، وربما يكون هؤلاء أكثر حظا في البيع، رغم أن الأسعار زادت مقارنة بالعام الفارط.

 

عن Wakteldjazair

تحقق أيضا

“مراجعة القوائم الانتخابية خلال أيام”

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، محمد شرفي: أكد، أمس، رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، محمد …

علي صديقي أمينا عاما بالنيابة لـ “الأفلان”

في انتظار تأكيد استقالة جميعي خلدون: “جميعي لم يستقل رغم متابعته قضائيا” تبعا لمتابعته قضائيا، …

المدارس تحت مجهر وزارة الداخلية

أرسلت فرق تفتيش لمعاينة ظروف تمدرس التلاميذ: انطلقت، أول أمس الأحد، مهام تفتيشية وطنية تابعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *