“النص الجيد يخلد.. سواء كتب في شكل حداثي أو تقليدي”

الشاعرة فضيلة معيرش لـ”وقت الجزائر”:

قالت الشاعرة فضيلة معيرش، إن الشهرة في وقتنا الحالي لم يعد يخلقها النص الجيد، بل الولاء لجهات معينة، لكن النص الجيد يثبت نفسه في نهاية المطاف، وإن ما وصلنا حتى الآن خير دليل.

 “وقت الجزائر”: مازلت من الأوفياء للشعر العمودي، رغم الشهرة التي يجلبها الشعر الحر لأصحابه، لماذا؟.

فضيلة معيرش: في البداية ما يهمني كمتذوقة لجمال اللغة العربية قبل أن أكون كاتبة أن تبلغ كلماتي وحروفي وتصل لقلب المتلقي سواء كانت نثرا أو شعرا… وميلي لكتابة الشعر العمودي باعتباره أقدم الأشكال الوزنية التي عرفتها العرب منذ الجاهلية وتطور أكثر في العصر العباسي، هو افتتاني بالقصائد الخالدة التي كتبت فيه، كلامية العرب للشنفرى والمعلقات وأشعار المتنبي وغيرها.. فالمتصفح لأغلب ما كتب ويكتب من شعر عمودي يجد أنه يحمل دلالات عميقة وكذا صورا مبتكرة. ومن يتهم الشعر العمودي أنه خنق اللغة العربية هو ذاك الذي لم يشأ أن يلج عالمه أو لم تؤت له مفاتيحه ولم يغترف من جماليات نبعه. الشعر العمودي أعتبر كاتبه يقوم باتقان أمر ما ليستمتع،كمن يقوم بخياطة ثوب جميل يصممه لأول مرة وهو مطالب بالجودة في اختيار نوعية القماش وصلابة الخيط وألوانه الزاهية المريحة للنفس والوجدان ومن ثمة إتقانه وحسن تصميمه ليخرج الثوب مدهشا وفريدا، كذلك هي القصيدة اختيار ألفاظها وعمق الفكرة وتنميقها وتجميلها بالصور، والتأمل هو من الأسس المهمة لبناء أي نص خالد، فالشعر وحي من الروح المتأملة ورسالة لا يمكن أن تحمل الزيف والمخالطات ترسل للوجدان ليتقبلها أو يرفضها. وبالنسبة لسؤال أن الشعر الحر يحقق شهرة أكثر لكاتبه لما فيه من رمز: رغم أني اكتب واقرأ للكثيرين ممن تمكنوا فيه، ففي رأي المتواضع أن الشهرة مسألة نسبية وكذا الشهرة الآنية التي تخلق شاعر لمناسبة معينة، بتسليط وسائل الاتصال عليه أكثر من غيره، أعتبرها كمصباح به فتيل ضعيف من الضوء قد يكفي لانارة ليلة واحدة من ليالي الشتاء.. وهناك من حظي بالشهرة نتيجة عوامل عديدة يعرفها القاصي والداني، وهي التي خلقت فجوة عميقة في أوساط الكتاب، ظهرت طبقة جديدة، نجدها دوما في الواجهة.. فالشهرة في وقتنا الحالي لم يعد يخلقها النص الجيد بل الولاء لجهات معينة، لكن النص الجيد يثبت نفسه في نهاية المطاف فالنصوص والقصائد التي وصلتنا كأشعار المتنبي وأحمد شوقي وغيرهم خير دليل.

 هل مشكلة الشعر عموما مع المتلقي هي منافسة الرواية والقصة؟ طغيان ثقافة الصورة؟ أم غياب الذائقة لدى المتلقي؟

الشعر ديوان العرب وسيظل، تتذوقه أغلب شرائح المجتمع وتستمتع به، كونه يسمع في أغلب الملتقيات والمحافل، بحكم تواجده أيضا بكثرة في المناهج التربوية التعليمية جبلت ذائقة العامة على محبته، فهو يحتاج من المتلقي التركيز وإمعان النظر لفهمه والتدبر فيه، بحكم القلق المنتشر في حياتنا اليومية مصدره توفر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وكذا التهافت لقراءة الرواية باعتبارها توفر سردا منتظما فيه متعة آنية وتساهم في ازالة القلق أكثر من غيرها، بينما تأثير القصة أقل، قد نستفيد منها بشكل عام من خلال المغزى الراد الوصول إليه، لهذا لكلّ صنف محبيه ورواده والدليل هناك من يزاوج في الإبداع بين الرواية والشعر بكفاءة عالية، قناعتي الراسخة أنه سيبقى للشعر جمهوره ومتذوقوه الذين ينظرون إليه بعين الرضا، بالنسبة لطغيان ثقافة الصور في حياتنا تقول الحكمة القديمة “ليس من رأى كمن سمع” في إشارة لأهمية الصورة، ويقول أرسطو أيضا: “إن التفكير مستحيل دون الصور”، قد تسبق الصورة الكلمة، لذلك نجد الكثير من النصوص مدعمة بصور، وستبقى الصورة مدعمة للنصوص بدورها. وملهمة أيضا.. والمتلقي النخبوي ستتسع ذائقته لامحالة للاستماع للشعر الجيد والإطلاع عليه مهما كانت مشاغله.. وقد تخلق القصيدة أيضا من صورة نراها.

كثير من النقاد يرمون العمودي بالعجز عن التجدد وخلق الصور الحداثية، ما تعليقك؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال أقول: إن كان الشعر العمودي هو أصل كلّ أنواع الشعر في اللغة العربية التي جاءت بعده، ولست هنا في موضع الدفاع عنه لأنه خالد ومستمر بروعة ما كتب فيه، فهذا القذف في حق الشعر العمودي لا أساس له من الصحة، تخلق فيه أجمل الصور الشعرية فلا تحكمه هذه الأخيرة فقط، بل بالإضافة للإلمام بالأوزان والتفعيلات هناك النحو والصرف..إلخ، وكذا إن كان الشاعر مجرد ناظم بطبيعة الحال سيصيب المتلقي النفور، أما إن كان الشاعر مبتكرا مبدعا فيحقق له المتعة، القصيدة الموزونة لها معمارها الخاص وهي في الطليعة وليست في حاجة للمقارنة لتثبت وجودها، دعائمها راسخة وثابة منذ العصر الجاهل للآن.. واختيار الأسلوب الجذاب والعمق في الكتابة وليس الجنوح للغة الشارع، فالشعر الجيد يصب من شلال الروح ليستقر بمجراه في أذن متلقي ذواق ليفك معانيه فيدهش به. دفقة المشاعر ضرورية لتكون القصيد أكثر صدقا وتعبيرا واستخدام الرمز والتكثيف من عوامل نجاح الحرف الجيد.. وليس حشو وركاكة العبارات تجعل القارئ يصاب بالعزوف عن القراءة أو الاستماع. أذكر قول بعض النقاد أيضا “من لم يكتب الشعر العمودي فهو ليس بشاعر؟” ما أقوله حسب رأيي المتواضع أن الشاعر له الحرية يكتب ما يشاء ولن نضع الشعر في مقارنة فيما بين أصنافه، فالشاعر قد يكتب شعره بالموسيقى والتفعيلات، ويتركها الوقت الذي يريد ليكتب دون موسيقى. وما عليه سوى التفنن في أشعاره واختيار صوره ومفرداته فالشعر سيبقى يؤرخ لحياة الأمم. كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: “كان الشعر علم قوم لم يكن لديهم علم أصح منه”.

إذا كان جمهور الشعر قليلا، فكيف هو جمهور العمودي؟

في وقتنا الحالي أصبح واضحا بما لا يدعو للشك عزوف فئات المجتمع عن الملتقيات بغض النظر عن صنف الشعر الذي أقيمت لأجله، أحيانا نجد ضيوف الملتقى يقرأون لبعضهم ويفترقون دون جمهور، ويعود ذلك لعدة أسباب أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر غياب الإشهار في الوسائل السمعية والبصرية. وأيضا تنظيم تلك الملتقيات في أوقات غير مناسبة، أو تنظيمها في أماكن بعيدة عن المدن. وهناك عامل أيضا لابد من ذكره بالنسبة للعزوف عن حضور الملتقيات هو تكريس أسماء دون سواها، وهذه الحالة تشبه تماما ما يحدث في أغلب جامعاتنا حيث يسلط الضوء على أسماء أدبية في مذكرات الطلاب من عهد الاستقلال، وهم من يحتكر المشهد الثقافي والإعلامي..

متى يتصالح العموديون والحداثيون؟

الذين يكتبون الشعر الحداثي بعمق ودراية لم يدخلوا يوما صراعا مع الكلاسكيين –شعراء العمودي- وأقول هذا عن دراية واحتكاك ببعض شعراء الحداثة كأمثال ميلود خيزار وجمال بن عمار وسيف الملوك سكتة.. وغيرهم. تمكنوا من الشعر العمودي وبعدها كتبوا دواوين في الحداثي وأبهروا فيه، ويظل الشعر الحداثي أحد مواليد العمودي الذي يكن له الاحترام والعرفان ويعترف بأسبقيته.. ولم يحدث أن كان هناك جمهور للحداثي دون العمودي لأن هذا الأخير راسخ ومتجذر في نفس المتلقي، لأسباب معروفة لا داعي للخوض فيها هنا.. اللهم إلا بعض المسابقات التّي تنظم هنا وهناك تحت أسماء وشعارات مغرضة قد خلقت هذه الفجوة فلا يمكن أن تنقص من أهمية الشعر العمودي.. لأن مفعول تلك المسابقات والقائمين عليها والشهرة التي تحققها لمن يفوز بها عابرة وآنية، تزول بزوال الوقت المحدد كمن يشاهد صورا لعارضة أزياء ينبهر بها في ذاك الفصل ثم تنسى بانتهاء الحفل أو الموسم، فالنص الجيد هو من يخلد ويبقى بغض النظر إن كان كتب في شكل نص حداثي أو قصيدة عمودية..

حاورتها: خالدة بورجي

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *