الرئيسية / أقلام / النظام الديمقراطي وصيانة الاستبداد السياسي

النظام الديمقراطي وصيانة الاستبداد السياسي

لا يمكن الحديث عن دمقرطة المجتمع العربي، في ظل وجود ذهنية تنزع إلى السلطوية الشاملة ولا تقبل النقاش، وهي معوقات حقيقية تجعل الديمقراطية مفهوما للتسويق الدعائي، ومجرد خطاب تمويهي استهلاكي أبعد ما يكون عن المشروع الوطني، والحكمة السياسية. بهذا المعنى يمكن لشعار الديمقراطية أن يبقي الحكم في يد عائلة واحدة لعقود ويخولها التوريث في ظل الديمقراطية المستبدة، فالحاكم العربي، مثلما أكد محمد عابد الجابري، يستخدم دوما شعرة معاوية في حلمه، ويستحضر سيرة عمر بن عبد العزيز عند نومه، ويتمثل في صباحه سيف الحجاج بن يوسف وكتاب الأمير لمكيافيلي.

ذاك شيء من فهم يؤكد أن الوسائل التي تجعل من الجماعة السياسية جماعة ديمقراطية، كما تقرها الممارسة النظرية، غائبة في الوطن العربي، وقد يتوارى السلطويون خلف النظام الديمقراطي لصيانة الاستبداد وخداع الناس، وليس هناك خطوات باتجاه تبيئة المشاريع الاصلاحية والتحديثية، فالنظام السياسي العربي لا يرغب في أن يسلك هذا الطريق «الشاق الوعر» وفئات واسعة من الجماهير العربية مازالت تعاني من ممارسات السياسة الحكومية في أي بلد عربي، ويتم دعسهم بلا شفقة نتيجة حكم الدولة، الذي يتم عبر العلاقات الشخصية، وليس عبر سيادة القانون، وليس مستغربا حينها أن تكون أغلبية الدول العربية أقطارا طاردة للسكان، تقصي كفاءاتها وتلغي إمكانيات تفوقها، ولا تُوفر أدنى شروط الرفاه الاجتماعي معطلة بذلك مسارا كاملا من إمكانيات التقدم في حُكم معلن بالإفلاس الفكري والمادي.
الكثير من الدراسات التي تفضح «الاستبداد الديمقراطي» تلفت الانتباه إلى ضرورة تغيير طبيعة الديمقراطية المتوارثة، لأنها في السياقات المعاصرة لم تعد قادرة على استيعاب متطلبات الإنسان، وأدت في كثير من الأحيان إلى الركود وغياب الاستقرار، وجثوم البيروقراطية، كما أنها اختزلت الإنسان ضمن أطر استهلاكية مادية، ناهيك من أن الديمقراطية يمكن أن تكون خيار المستبدين، لستر عورة الاستبداد بنسيج من صنع العصر، فكرا أو علما أو ممارسة، لأنه أقدر على إخفاء السوأة وتضليل الشعوب. والمستبدون يطورون أفكارهم على مدى التاريخ، وكانوا برأي عصمت سيف الدولة مكرهين بفعل مقاومة الشعوب للاستبداد والظلم. ويأتي في هذا السياق التشديد على ضرورة إحلال «الديمقراطية الرقابية»، التي من شأنها أن تحرر المجتمع من هيمنة «الديمقراطية الموجهة»، خاصة في حال التستر بمفاهيم فضفاضة تخدم الفرد الحاكم، ويُطوع بها الجميع حسب خياراته، وهي سياقات لم يغادر فيها الوعي الجمعي الأطر المشوشة والملتبسة، التي جعلت كل طائفة أو تيار سياسي يصدر عنه تصور للدولة، مغاير لتصور الآخر ومرجعيته، وذو طابع إقصائي في أحيان كثيرة، إضافة إلى إحساس كثيرين أن الدولة لا تُمثلهم، وتمسك البعض الآخر بالجماعة الأهلية التي تُميز نفسها عن الدولة، سواء كانت عشائرية قبلية أو طائفية مذهبية.
والسبب الحقيقي لهذا الانشطار أو التشظي هو فساد الدولة العربية الراهنة كمؤسسة تُقدم نفسها نظريا آلية جامعة وحاضنة للكل المتمايز، الأمر الذي يجعل التناقض الحاصل في الفهم ضرورة، بين أقلية تحتكر الدولة لمصالحها الذاتية المطلقة، وأكثرية ترى حقوقها مُستلبة بفعل وسائل السلطة وأجهزتها المختلفة ومؤسساتها المصادرة التي تخدم النظام لا الشعب. في مناخ من هذا النوع يمكن أن تُسوَق الديمقراطية في رحم الاستبداد وتنتهي إلى الطغيان، وما بين الاستبداد والطغيان «مجرد مسرحية» تسدل آخر الأمر ستائرها على مشهد رهيب يفصح عن وحشية «الاستبداد المقنن». وبهذا المعنى الأفلاطوني أنشأت الديمقراطية آليات للتمويه يصعب على الناس في أكثر الأوقات إدراكها، وهي اليوم تفصح باسم الشعب عن الوجه الآخر «الممقوت» في تاريخ الفكر السياسي، والمتمثل في تقدير بعض النقاد بالتسلط الذي تمارسه الطغمة الحاكمة على النخب أولا، ثم تمارسه النخب على العوام ثانيا. وفي أكثر من بلد عربي هناك حكومات ظل هي التي تصنع «القرار اللامرئي» بينما تقدم إلى الواجهة «سلطة تمثيلية» ليس لها قرار في الواقع. وبهذا يصبح المواطن فاقدا لمنطق التشاركية في الحكم بما هو حكم، وهو فاقد كذلك لما تعرفه السلطة المعلومة «السرية السياسية»، ولا يعلم ما يجري من مقابلات خفية وأسرار وراء الستار، وهذا «المنطق المقلوب في الممارسة السياسية بتعبير محمد وقيدي، يجعل مساهمة المواطن العربي في ممارسة السلطة مجرد كذبة كبرى، فهي مساهمة غير فعالة تدور في دائرة مغلقة لا تصل إلى مبتغاها.
تغالب الدولة القطرية نفسها ولم تستطع أن ترتقي إلى مستوى «دولة وطنية جامعة»، وفي الأثناء يتأرجح ربيعها بين نعم ولا على أمل أن لا يتحول إلى شتاء قبل أن يناقش كيف ينبغي أن يعيش الإنسان.
مالك التريكي/ كاتب تونسي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *