“الوعدة”.. موروث تحافظ عليه بعض العائلات

شكرا لله ولإبعاد الأذية والمصائب

“الوعدة” هذا الموروث الثقافي الذي لا يزال حاضرا بين بعض من العائلات الجزائرية الحريصة على التشبث بهذا العرف المتوارث جيلا بعد جيل، والذي يهدف إلى إطعام الفقراء والأقارب تقربا من الله حتى يحفظهم من كل شرّ ومصيبة من جهة وتقام أيضا شكرا لله بعد الخروج من مصيبة، مشاكل مستعصية أو بعد فرحة ما .

لا تزال العديد من الأسر الجزائرية متمسكة بإقامة الوعدات من حين إلى آخر، هذا التقليد المهدد بالزوال كغيره من  الموروثات الشعبية الأصيلة يصارع من أجل البقاء لاسيما وأنها رمز لفعل الخير، التصدق والسخاء، حيث دأبت العائلات المحافظة على إحياء هذا التقليد بتحضير أطباق الكسكسي التي تذبح لها الذبائح إن كانت وليمة كبيرة يدعى جميع الأقارب والمعارف، فيما يكتفي البعض بإقامة وعدات تقتصر على إطعام الجيران فحسب أو حتى أطفال الحي لا غير، فيما يفضّل آخرون التوجه بطعام الوعدة إلى بيوت الله لإطعام المصلّين وعابري السبيل وآخرون يفضلون ورشات بناء المشاريع السكنية لإطعام العمال الذين أنهكهم العمل لساعات طويلة لاسيما خلال فصل الصيف.

ذبحوا الذبائح بعد نجاته من الموت

لم تتوان عائلة “جمال” من ذبح خرفان وإقامة وعدة بعد تعافيه من إصابة مميتة تعرض لها إثر حادث كاد أن يودي بحياته، حيث بقي ما يقارب العامين طريح الفراش، الوعدة التي دعي إليها جميع الأقارب والجيران شكرا لله على نجاة ابنهم وتعافيه بعد أن كاد يفقد الأمل من قدرته على المشي مجددا. “نادية” هي الأخرى قالت إنها تحبّ إقامة الوعدات للأطفال الصغار في الحي وتقوم بإرسال الكسكسي إلى بيوت الجيران، وتضيف أنها تحسّ أن هذه الصدقة تبعد الأذية عن بيتها، كما قالت إنها تقوم بالوعدات أيضا بعد انقضاء مشاكل كادت أن تعصف ببيتها أو بحياة أفراد عائلتها، حيث أنها قامت بآخر وعدة بعد أن نجا ابنها ذو 13 عاما من حادث سيارة مميت، ولأنها لم تستطع ذبح خروف من أجل ذلك اكتفت باقتناء اللحم وإعداد الكسكسي . من جهتها، قالت “أمينة” إن والدتها ورثت القيام بالوعدات من والدتها من أجل إبعاد البلاء والأذى عن العائلة حتى أنها ترجع قيام المشاكل في البيت أو إصابة أحد أبنائها بأذى إلى تهاونها عن القيام بالوعدات وعدم التصدّق، فتسارع إلى القيام بوعدة حتى إن كانت كسكسي بالخضر الجافة . كما لا يفوّت أصحاب البيوت الجديدة أبدا القيام بوعدة مباشرة بعد الدخول للسكن الجديد، وفي السياق تقول “أمال” إنها لم تدخل بيتها الجديد إلا بعد القيام بوعدة ذبح فيها خروف أمام البيت الجديد لإبعاد البلاء عن البيت وأعين الحساد عنها، تضيف “أمال” “دعينا جميع أهلي وأهل زوجي إلى الوعدة، كما لم ننس الجيران القدامى حيث طبخنا الكسكسي مع المرق والخضار”.

“وعدة” من حين لآخر

ليس السلف الصالح من جداتنا هو الوحيد من تمسّك بتقليد الوعدات والتي لطالما ارتبطت بإبعاد الأذية والمصائب عن بيوتهن إضافة إلى شكر الله والتقرب له، حيث لا تزال العديد من الأمهات يسعين إلى إحياء هذه العادة والقيام بها من حين لآخر، على غرار السيدة “مليكة” من بومرداس والتي دأبت على إعداد الوعدة من حين إلى آخر، تقول في هذا الصدد: “أقوم بوعدة من حين لآخر لاسيما بعد الخروج من مشكل ما، وللفرح أيضا نصيب حيث أقوم بوعدة كلما نحج أحد أبنائي في الدراسة أو عند حصولهم على وظائف جديدة”، من جهتها قالت السيدة “زهرة” إنها أحيانا تقوم بوعدة بما يتوفّر في المنزل لأطفال الحي فقط فتحضر كسكسي باللحم، الدجاج أو بالفول الأخضر أو ما يعرف بـ”المسفوف” هذا الأخير ورغم أنه لا يحتوي على اللحم إلا أن الأطفال يحبونه كثيرا وكل مدة من الزمن يسألونها عن موعد الوعدة القادمة، وتضيف “لا زالت في ذاكرتي صورتي مع صديقاتي ونحن نجري إلى منازلنا لإحضار ملاعق من أجل الذهاب لأكل الكسكسي عند أحد الجيران، صحيح أننا كنا نحبّ أن يكون الكسكسي باللحم لكن كنا نفرح حتى لو كان بمرق الخضر الجافة أو بالفول الأخضر لهذا فأنا أفرح كثيرا عند جمع جميع أطفال الحي في منزلي وإطعامهم، فرحة كبيرة أراها في أعينهم وهم مجتمعون حول المائدة”. أما “سعاد” فتقول إنها تحب القيام بوعدات كلما سنحت لها الفرصة، حيث تقوم باقتناء اللحم أو الدجاج والطبخ، تقول “حالما أنتهي من الطبخ أحب دعوة البراءة إلى المنزل للأكل ثم يأخذ كل طفل معه طبقا من الكسكسي وإبريقا من المرق إلى منزله، أعتبرها صدقة تبعد عني البلاء والشر”.

“وعدة” لإطعام عاملي ورشات البناء

بعد أن كانت الوعدة تقتصر وجهتها على المساجد حيث كانت النسوة يعددن “قصعات” الكسكسي” ليتجه بها الرجال إلى إطعام المصلين وعابري السبيل في المساجد، أو كانت تقتصر إقامة “الوعدة” على إطعام الأقارب والجيران والمحتاجين في الحي، أصبحت عديد العائلات وبعد انتشار ورشات البناء بكثرة والتي تعج بعاملين قادمين من ولايات بعيدة بغية العمل في العاصمة تفضل إطعام هؤلاء العمال وإفراحهم بكسكسي مع مرق ساخن بلحم الخروف أو العجل، حيث ترى هذه العائلات الأجر الكبير بإطعامهم سيما وأنهم بعيدون عن ديارهم ولا يتناولون طعاما جيدا يعوّضهم عن ساعات العمل الشاق والمضني لساعات طويلة خاصة في فصل الصيف الحار، تقول “أمال” في السياق إنها ورثت هذا العرف الصالح عن والدتها التي كانت لا تتوانى في القيام بالوعدة كلما سنحت لها الفرصة كنوع من الصدقات لإبعاد المشاكل والمصائب عن منزلها وليحفظهم الله من كل شرّ وسوء، دون ذكر التي كانت تقيمها بعد شفاء أحد أفراد عائلتها من مرض ما أو نجاته من حادث والتي كانت تقوم بها لشكر الله على إبعاد الأذية عن عائلتها حيث كان والدها يقوم بأخذ أطباق الكسكسي إلى المسجد يوم الجمعة . في السياق أيضا، قالت الحاجة “خديجة” إنها تشفق على الشباب القادمين من مناطق بعيدة من أجل العمل في ورشات بناء المشاريع السكنية، ولهذا فإنها تحب أن تأخذ لهم الطعام عند قيامها بالوعدات، لأنهم فعلا يستحقون ذلك، بالنظر لتناولهم في غالب الأحياء لوجبات باردة ويقضون كامل اليوم في أعمالهم الشاقة.

ق.م

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *