الرئيسية / أقلام / انتصار الخوف في الانتخابات البريطانية

انتصار الخوف في الانتخابات البريطانية

كانت ليلة غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات البريطانية، اذ أطاحت نتائجها المفاجئة باستطلاعات الرأي والتحليلات والتكهنات التي هيمنت على وسائل الاعلام والساحة السياسية طوال الشهرين الماضيين. كان الجميع واثقا من ان النتيجة ستكون اقرب الى التعادل بين الحزبين الكبيرين: العمال والمحافظين. وغرق السياسيون والمحللون في بحث كيفية مواجهة ازمة سياسية مرتقبة بسبب تعقيدات الائتلافات السياسية غير المألوفة تاريخيا في بريطانيا.
وبعد اغلاق الصناديق، هبط استطلاع آراء عينة من الخارجين من اللجان الانتخابية كصاعقة على الجميع، اذ اشار الى انتصار واضح لحزب المحافظين.
وظلت الاحزاب المنافسة حتى مطلع الفجر تحاول الانكار، حتى ان بادي اشداون الزعيم التاريخي لحزب الاحرار الديمقراطيين، الذي عانى نتيجة كارثية وليس مجرد هزيمة انتخابية بعد ان كان جزءا من الحكومة، تعهد على الهواء «ان يأكل قبعته»، حسب المثل الانكليزي، ان ثبتت صحة ذلك الاستطلاع.
لكن البريطانيين استيقظوا على فوز تاريخي واغلبية مريحة للمحافظين، تجعله في غنى عن الائتلاف مع اي حزب. الا ان النتائج لا تخلو من اسباب عديدة للقلق، سواء بالنسبة لطبيعة الخارطة السياسية او حتى وجود المملكة المتحدة نفسه، خاصة بعد فوز الحزب الوطني الاسكتلندي الداعي الى الانفصال باغلبية ساحقة، جعلت البعض يسأل ان كان ابقى اي شرعية لادارة حكومة لندن للاقليم(..).
اما حزب الاستقلال البريطاني الداعي للخروج من الاتحاد الاوروبي والمعادي للمهاجرين فعلى الرغم من انه لم يفز الا بمقعد واحد في مجلس العموم، الا انه حل ثالثا على مستوى بريطانيا في التصويت الشعبي، فحصد اكثر من ثلاثة ملايين وستمائة الف صوت، بنسبة 13 بالمئة. وهو ما يؤكد ان تصاعد النزعة الوطنية لم يقتصر على اسكتلندا بل امتد الى انكلترا ايضا. وبالطبع لا يمكن فصل نتيجة هذه الانتخابات عن صعود اليمين بشكل عام في اوروبا.
وحتما جاء هذا على حساب تراجع المفاهيم الليبرالية، وهو ما يبدو واضحا من انهيار حزب الاحرار الديمقراطيين تمثل في خسارته نحو خمسين مقعدا من قرابة الستين كان يحتلها في البرلمان السابق.
وفي سابقة تاريخية، لم ينتصف النهار الا وقدم  رؤساء  ثلاثة أحزاب بريطانية استقالاتهم، متحملين المسؤولية الكاملة عن الهزيمة، وهم رئيس حزب الاحرار نيك كلغ، ورئيس حزب العمال إيد ميليباند، وزعيم حزب الااستقلال نايجل فراج.
وهذا تقليد ديمقراطي بريطاني مستقر، اذ يتحمل القائد الخاسر دائما المسؤولية ويخلي موقعه لمن يستطيع ان يكمل المسيرة. لم يحدث ان تحدث احدهم عن «مؤامرة خارجية» او «مال سياسي يشتري الاصوات»، او غير ذلك مما يحدث في بلادنا. ولا يعني هذا ان الانتخابات البريطانية لا تخلو من الاخطاء او بعض التجاوزات من بعض المرشحين، الا ان ثمة نظاما وقواعد وتقاليد تستطيع ان تنتصر للممارسة والقيم الديمقراطية في النهاية.
اما اسباب هذا الفوز التاريخي للمحافظين، فربما تعود الى طبيعة البريطانيين الذين لا يميلون الى التغيير غير الضروري، خاصة أن السياسات الاقتصادية للحزب قد نجحت بعد ان حصلت على تأييد الناخبين، بدءاً من عام 2010، وبالفعل اثمرت انخفاضا كبيرا في عدد العاطلين، وبالتالي نموا في الاقتصاد والدخل. الا انهم صوتوا ايضا تحت سيف مخاوف عديدة مثل احتمال انفصال اسكتلندا، في ظل الشعبية الجارفة للحزب الوطني الاسكتلندي، وزعيمته نيكولا ستورغن التي لقبتها بعض الصحف بـ «اخطر امرأة في بريطانيا»، وكذلك الخوف من المهاجرين الذي يجتاح اوروبا بأسرها حاليا. وبادرت صحف امس بتذكير رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بضرورة ان يفي بوعده باجراء استفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الاوروبي في العام 2017.
وهكذا فان انتصار المحافظين، او بعضه على الاقل، هو في حقيقته فوز للخوف من العواقب الاقتصادية للتغيير في الحكومة، وتدفق المهاجرين، وانهيار الاتحاد البريطاني.
اما على مستوى السياسة الخارجية التي كانت غائبة تماما عن المعركة الانتخابية، فليس من الوارد ان يكون هناك جديد طالما بقي نحو مليون ناخب مسلم في بريطانيا عاجزين عن تشكيل كتلة قادرة على التأثير السياسي. وبالتالي سيقتصر وجود العرب والمسلمين غالبا على اخبار الاعتقالات بتهمة الاشتباه بالتورط في الارهاب، او الخوف من عودة مئات البريطانيين الذين يحاربون في سوريا، وما قد يشكلونه من خطر امني.
القدس العربي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *