بريطانيا والـ«بريكست»: مَنْ يتعبّد وحيد القرن؟

في بريطانيا هذه الأيام، وعلى وقع السجالات المحتدمة في مجلس العموم حول متاهات تنفيذ الاستفتاء الشعبي لعام 2016، الذي قضى بالطلاق البائن مع الاتحاد الأوروبي؛ لم يعد عجيباً أن يسمع المرء تصريحات دراماتيكية قصوى، من هذا الطراز مثلاً: لم تشهد بريطانيا هذه الفوضى منذ أيام أوليفر كرومويل (أواسط القرن السابع عشر!).

على غرابته، وغرائبيته أيضاً، اضطر السير جون بيركو، رئيس المجلس منذ 2009، إلى اقتباس سابقة تعود إلى عام 1604، كي يمنع رئيسة الحكومة تيريزا ماي من إعادة طرح مشروع قرار سبق أن صوّت عليه المجلس وأفشله… ثلاث مرّات! أخيراً، وليس البتة آخراً، لم يكن أقلّ سوريالية أن يواصل النوّاب مناقشة مصائب الـ»بريكست» هذه، غير مكترثين، وربما غير منتبهين، إلى مواطنات ومواطنين تعرّوا في الطابق الأعلى، تعبيراً عن احتجاجهم على إهمال البرلمان للمسائل الاجتماعية والاقتصادية والخدمية التي تهمّ الحياة اليومية. لا عيب في هذا، يتوجب التأكيد دون إبطاء، فهذه هي الديمقراطية في واحد من مظاهرها الأشدّ انكشافاً، وفي بلد لا يستكثر المرء عليه صفة «أمّ البرلمانات»؛ حتى إذا كان التوصيف يمكن أن يعود إلى حقبة كرومويل ذاته، أوّلاً؛ وحتى إذا كان أحد كبار زعماء البلد، ونستون تشرشل، هو صاحب القول الشهير: «الديمقراطية أسوأ أشكال الحكم ــ باستثناء كل الأشكال الأخرى التي تمّ تجريبها»، ثانياً. أمر آخر جدير بالإشارة، ومن باب التثمين، هو أنّ سجالات مجلس العموم حول الـ«بريكست” كانت، وما زالت، عابرة للانتماءات الحزبية والوظيفية؛ فانشقّ هذا عن المحافظين في التصويت، وانشقّ ذاك عن العمّال، واستقال هذا الوزير أو ذاك لخلاف مع رئيسة الحكومة حول هذه أو تلك من تفاصيل صفقتها لإتمام الطلاق مع بروكسيل غير أنّ المرء ذاته، الذي يثمّن هذا المعترك الديمقراطي إيجابياً، لا يملك إلا ملاحظة الكثير من مثالب السجال وعيوب إدارته، من جانب الحكومة في المقام الأوّل، وشخص ماي على وجه التحديد؛ رغم أنها تراجعت، مراراً وتكراراً في الواقع، عن معايير وأحكام وقواعد كانت هي التي قالت بها وحثّت عليها. ثمة مقدار هائل من العناد والمعاندة، والتشبث بخيار واحد وأحادي رغم وجوده، طوال أشهر، في النفق المظلم والمسدود؛ وهذا سلوك في الحكم والسياسة قد تصحّ فيه سمة الافتقار إلى الحسّ الديمقراطي، وربما إلى الحدّ الأدنى من التقدير الواقعي. وعن ماي يكتب كنيث سورين، الأستاذ في جامعة ديوك، كارولاينا الشمالية: «لقد نمّت عن مزيج مدهش من العناد، والغباء، وانعدام الكفاءة، والقدرة القصوى على تصديق استيهاماتها الشخصية، إلى درجة أنّ البعض يشكّ في أنها تحتفظ، داخل مقرّ إقامة رئاسة الحكومة، بمذبح مخصّص لعبادة وحيد القرن»! الأرجح أنّ استعارة وحيد القرن لا تنطبق على 10 داوننغ ستريت فقط، بل من الإنصاف القول إنّ مآزق الـ»بريكست» الراهنة ــ وبصرف النظر عن ملابسات استفتاء 2016، وأكاذيب أمثال نايجل فراج وبوريس جونسون، وأدوار استلاب الرأي العام التي مارستها شركات مثل «كامبرج أناليتيكا» و«أغريغيت أي كيو» ــ حصيلة أوروبية أيضاً، وليست حصاداً بريطانياً صرفاً. أجواء هذه الأيام في مجلس العموم تعيد إلى الأذهان سجالات ليست أقلّ سخونة حول معاهدة ماستريخت، 1991؛ حين كانت السيادة البريطانية (ومثلها سيادات جميع دول الاتحاد الأوروبي في الواقع) على محكّ قبول الخيار المرّ، الوحيد. وهذا ما يفصّل القول فيه مجلد ريشارد بيلامي وداريو غاستيغلياني الشامل «من ماستريخت إلى بريكست: الديمقراطية، الدستورية، والمواطنة في الاتحاد الأوروبي». وكانت نواة مشروع الدستور الأوروبي الموحد قد نصّت على سلسلة بنود تأسيسية، يصعب تماماً ألا تُصنّف في خانة الارتداد الفاضح، بالغ الخطورة استطراداً، عن مكاسب كبرى وحقوق اجتماعية، فضلاً عن كونها سياسية ــ اقتصادية أيضاً؛ أنجزتها الشعوب الأوروبية على مراحل ودرجات مختلفة، وعبر نضالات شرسة كان بعضها دامياً مأساوياً. وفي فرنسا تحديداً بدت هذه الردّة عنيفة وفاضحة وتمسّ «ثقافة» كاملة تدير أنماط التعاضد الاجتماعي، راكمها الشارع الفرنسي وقواه السياسية وهيئاته النقابية طيلة قرون، وليس على امتداد بضعة عقود. بين هذه، مثلاً، مسألة القطاع العام وتقليص، أو حجب، التمويل الحكومي (أي الشعبي في عبارة أخرى: ذاك الذي يموّله المواطن عن طريق الضرائب المباشرة وغير المباشرة)، عن المشاريع والمؤسسات والخدمات التي تمسّ حياة المواطن اليومية؛ مثل التأمين الصحي والنقل والمواصلات والبريد والهاتف والكهرباء، وسواها. صحيح أنّ المشروع استبدل تعابير «الخدمة العامة» أو «القطاع العامّ» أو «قطاع الدولة» بمصطلح جديد هو «الخدمات ذات النفع الاقتصادي العامّ»، إلا أنّ المحتوى الملموس لم يكن مراوغاً وغائماً ومخادعاً، فحسب؛ بل إنّ الخدمات تلك أخضعت لمبدأ حقّ التنافس (المادة 166 من الجزء الثالث)، الأمر الذي عنى عملياً عجزها عن منافسة الاحتكارات العملاقة. التعبّد لوحيد القرن تجلى، هنا، في القانون المعروف باسم المفوّض الأوروبي الأسبق، والليبرالي الهولندي الشرس، فريتس بولكشتاين؛ الذي بشّر المجتمعات الأوروبية بأنّ جميع مؤسسات القطاع العام سوف تُطرح على السوق كبضاعة؛ أي سوف تدخل، بالضبط، في ذلك النوع من المنافسة غير المتكافئة مع الاحتكارات العملاقة. وحيد قرن ثانٍ كان يدور حول «الخصوصية الثقافية» لكلّ أمّة داخل الاتحاد، حيث بدت بنود الدستور قاطعة في النصّ (المادة 314 من الجزء الثالث) على أنّ الاتحاد الأوروبي «يسهم في التطوّر المتناسق للتجارة الدولية، وفي الإلغاء التدريجي للعوائق أمام المبادلات الدولية وأمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة». وغنيّ عن التذكير أنّ مسألة الخصوصية الثقافية كانت قد أثارت الكثير من الشجون والسخط والثورة ضدّ منظمة التجارة الدولية، وكانت وتظلّ تعني الحقّ في مقاومة الهيمنة الأمريكية من جهة؛ وكبح جماح الجوانب الوحشية في العولمة، من جهة ثانية. ولهذا فإنّ المقاربة التي اعتمدها كتبة الدستور الأوروبي إنما كانت تصبّ المياه، كلّ المياه، في الطواحين الأمريكية أوّلاً؛ ثمّ، لاحقاً، تلك الطواحين الأخرى التي تديرها منظمة التجارة الدولية. وحيد قرن ثالث، ولكنه ليس الأخير، كان ثنائية تحويل الإتحاد الأوروبي إلى سوق بلا حدود، مفتوحة تماماً أمام الأعمال ورأس المال والمبادلات؛ وتحوّلها، في الآن ذاته، إلى قلعة حصينة أمام المهاجرين أو الأجانب. وليس صحيحاً أبداً أنّ الحقّ في التنقّل بين الدول الأعضاء شمل بصفة آلية جميع الأجانب المقيمين في أوروبا بصفة قانونية، إذْ شهدنا، وسنشهد، المزيد من التدهور في حقوق هؤلاء. فمن جهة أولى تلجأ بنود الدستور إلى سياسة بالغة التشدّد في منح التأشيرات، وإضافة المزيد من العراقيل الإدارية أمام إجراءات منحها؛ وهي، من جهة ثانية، تخفّف الرقابة القضائية على إجراءات طرد وترحيل المهاجرين؛ بالإضافة إلى إسقاط الكثير من حقوق المواطنة الأساسية عن المقيمين شرعاً في دول الإتحاد الأوروبي، من غير الحاصلين على جنسية أوروبية. لكنه، قد يقول قائل، مشروع لم تصادق عليه شعوب فرنسا وإسبانيا وهولندا ولوكسمبورغ، وهذا صحيح بالطبع، في الشطر الذي يخصّ الشعوب، التي صوّتت ضدّه؛ وأمّا الحكومات ذاتها، فضلاً عن الدول الأخرى التي صادقت عليه (18 دولة + 25 من ممثّلي دول الاتحاد في اجتماع روما 2004)، فإنه يظلّ «الدستور الأب»، بل جامع الدساتير! وهكذا، مَنْ كان لا يتعبّد وحيد قرن خاصاً به، هنا وهناك في عواصم أوروبا طولاً وعرضاً؛ فليقذف مذبح تيريزا ماي بحجر يقوّض معبدها!

صبحي حديدي

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *