الرئيسية / فن وثقافة / “بعـــض الوثائـــق التاريخيـــة تكشـــف لأول مـــــرة”

“بعـــض الوثائـــق التاريخيـــة تكشـــف لأول مـــــرة”

بعد عرض فيلمه “على آثار المحتشدات”، المخرج سعيد عولمي لـ”وقت الجزائر”:

قال المخرج الجزائري سعيد عولمي، أن فيلمه الأخير “على أثار المحتشدات”، الذي عرض بمهرجان وهران للفيلم العربي، قد ضم شهادات ووثائق تعرض لأول مرة، وكشف عن فيلم جديد له قيد التركيب، يعرض نهاية السنة، عن المعتقلات إبان فترة الثورة التحريرية..

 “وقت الجزائر”: عرضت منذ يومين فيلمك “على آثار المحتشدات”، الذي يكشف مأساة انسانية غير معروفة تماما لدى الجزائريين..

سعيد عولمي: في الواقع، هذا الفيلم يروي قصصا مأساوية عاشها الشعب الجزائري، منذ انطلاع الثورة التحريرية الى الاستقلال، كان الجيش الفرنسي يريد عزل جيش التحرير عن الشعب، وايضا خلق مناطق محرمة، فلجأ الى تهجير –وأضع خطا تحت هذه الكلمة- ثلاث ملايين جزائري من قراهم ومداشرهم، ووضعهم في محتشدات حقيقية تحت المراقبة التامة. الفيلم يحاول ان يصنع مقاربة بين رؤى متقاطعة، هناك شهود جزائريون وأيضا فرنسيون، استعمل الأرشيف وسعى وراء بعض الوثائق التي استظهرها لأول مرة، وبين كل أشكال الاهانة والعنف والجرائم التي ارتكبت في حق حوالي أربعين في المئة من الشعب الجزائري.. فعلا هذا الموضوع يجهله الكثير من الجزائريين؟

 ما هي المعايير التي انتهجتها لانجاز هذا الفيلم؟ وكيف التقيت محاوَريك؟

لقد حاولنا في معالجة الموضوع التركيز على خمس عناصر جوهرية، الأول هو الشهادة، الثاني هو الباحثون العاملون في هذا الحقل، الثالث هو الوثيقة، الرابع هو الأرشيف السمعي البصري، والخامس هو استنطاق المكان، كي نزود عملنا هذا بقاعدة علمية، يشاهده الجمهور بكل شرائحه، ويصبح كوثيقة عمل أو كمرجع للطلبة والباحثين في الجامعات. هذا العمل أنجز في حوالي عامين من الجهود، لأن البحث في الأرشيف تطلب وقتا، كان يجب استقراء الوثائق والاتصال بالباحثين العاملين على هذا الموضوع، مثلا في فرنسا ميشال كورناتون، لم نجده بسهولة، واستهلكنا وقتا في البحث عنهم، وكذلك ميشال روكار، الوزير الأول الفرنسي الذي قام بانجاز اول تقرير عن المحتشدات في عام 1959، وهذا التقرير كان مزلزلا بعد ان تم تسريبه، وكتبت عنه الصحافة كثيرا، واحدث ضجة إعلامية في فرنسا، طرحت هذه القضية بقوة في الإعلام وتوالت التحقيقات عن الجزائريين الذين وضعوا بين أسلاك شائكة في ظروف إنسانية مزرية وموت الأطفال والمجاعة.. عناوين خلقت ضجة كبيرة في فرنسا.. وصلت إليه وأخذت شهادته.

 كيف اخترت الشهود والأماكن التي استنطقت ذاكرتها؟

لم يكن سهلا الوصول إلى الشهود وأخذ شهادات منهم، في مقاربتي تناولت أربع مناطق تمثل الجزائر، مستحيل ان نتحدث عنها كلها، الأولى هي الأوراس التاريخية –بين باتنة وخنشلة- التي شهدت أول المحتشدات، في بوحمامة، تكوت ومشونش، وبعد اندلاع الثورة التحريرية كان اول قرار للجيش الفرنسي هو عزل الشعب عن جيش التحرير، لانه يعتبر الشعب بمثابة المائ للسمكة (جيش التحرير)، وكان يقول انه اذا تم اخراج السمكة من الماء فسوف تموت الثورة، ولكنهم كانوا مخطئين، فقد بقي الشعب متمسكا بقوة بثورته وكان يؤمن الاتصال والتموين. المنطقة الثانية التي تناولتها في فيلمي كانت البويرة، فقد كان هناك مصور التقط صورا لسكان المحتشدات، إذن يبقى كشاهد، وأيضا سيدي بلعباس، التي مازالت بها قرية تشهد على ذلك، وكان فيها شهود، وأيضا البيض، بعد أن وجدت تقارير تتحدث عما حدث فيها، ووجدت جنديا لا يزال على قيد الحياة، ومن خلال هذه المناطق بنيت فيلمي، محاولا التحدث عن هذه المأساة التي عاشها السكان داخل المحتشدات، سردناها بطريقة علمية، بالوثيقة والشهادة والبحث. طبعا  أخذ منا ذلك الكثير من الوقت، لأننا انتقلنا مرارا إلى فرنسا لتسجيل شهادات باحثين قاموا بأبحاث علمية حول هذا الموضوع، وهم يشهدون –كفرنسيين- من خلال بحوثهم على وضعية السكان المأساوية والجرائم التي كانت ترتكب في حق الشعب الجزائري.

 نلاحظ ان الإقبال على انتاج الفيلم الوثائقي في الجزائر ضعيف، وضمن هذا الانتاج القليل نجد ندرة في الاهتمام بالمواضيع التاريخية، لماذا في نظرك؟

لكل مخرج ميولاته، وانا مغرم بالتاريخ، قمت بالعديد من الأعمال التاريخية، منها فيلم عن الجزائريين المنفيين الى كالدونيا، في سلسلة تطلبت مني أربع سنوات من الجهد، وكذلك رصدت أصداء هذا العمل التاريخي على الجزائريين وأحفاد الكاليدونيين، ووجدت ان الجزائريين كانوا يجهلون هذه الصفحة السوداء من التاريخ الجزائري، التي خطها الاستعمار، ففي القرن التاسع عشر نفت فرنسا الى كالدونيا الكثير من الجزائريين، أول منفي كان في عام 1864، لقد تم نفي قرابة 2000 جزائري من مختلف المقاومات، كما تم نفي ما يسمى كيان غويانا، وضم 25 ألف جزائري خلال قرن. حاولت من خلال هذه الصفحة ان نتكلم عن هذا الموضوع بطريقة علمية، فأنجزت بضع حلقات وبقيت مدة سبع سنوات اراقب كيفية عودتهم الى الجزائر، وكيف أثر هذا العمل على الأحفاد وجعلهم يزورون ارض أجدادهم، وقد تابعتهم مدة سنوات وأنجزت على أثره فيلما أسميته “العودة” وقد عرض في 2016، عرضه التلفزيون الجزائري.

 ما هو عملك القادم؟

اهتماماتي كثيرة، لدي حاليا عمل قيد التركيب، حول المعتقلات أثناء الثورة الجزائرية، فرنسا الاستعمارية أقامت أنواعا مختلفة من المعتقلات، منها ماكان مخصصا للجنود الجزائريين لانتزاع صبغة الجندية عنهم كي لا تطبق عليهم بنود اتفاقية جنيف (معتقلات سيامري)، ومعتقلات الفرز والعبور، التي يسيرها الجيش الفرنسي، وكان التعذيب يتم فيها بطريقة فظيعة، وأيضا التعذيب النفسي لإجبار المعتقلين على تغيير أرائهم. الفيلم استغرق مني أيضا سبع سنوات، جبت خلالها مختلف مدن الوطن لتحصيل الوثائق والشهادات، لدي حاليا حوالي 360 شهادة، بعض هذه الشهادات هي لأشخاص توفوا منذ مدة.. الشهادة مهمة جدا للتاريخ، اذا لم نكتبها اليوم فمتى يحدث ذلك؟ سيكون الأوان قد فات غدا. ولدي أعمال أخرى سترى النور نهاية هذه السنة، كلها أعمال تاريخية أتمنى أن تكون مرجعا للأجيال، وخصوصا الأطفال الذين عليهم أن يتعلموا كيف يفتخرون بتاريخهم.

شاهد أيضاً

“لا أنوي التوجه للغناء حاليا”

أثبتت قدراتهــــا في عديـــــــد الأعمـــــــال العربيــــــــة، أمل بوشوشة: أكّدت النجمة الجزائرية، أمل بوشوشة، أنها لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *