الرئيسية / أقلام / بـــــــوتـــــــــــيـــــن رجــــــــــل 2018

بـــــــوتـــــــــــيـــــن رجــــــــــل 2018

كرست السنة الماضية الرابح الأكبر في الشرق الأوسط والعالم فلاديمير بوتين. فالحرب في سورية و تراجع الموقف الأمريكي إزاء هذا الصراع الدموي بين ديكتاتور وشعبه أتاحت للرئيس الروسي أن يفرض شخصه كمرجع أساسي في المنطقة .

ففي 2013 عندما تم الاتفاق بينه وبين الرئيس الأمريكي باراك اوباما حول منع استخدام سورية السلاح الكيماوي وتجريد قوات النظام السوري منه تصدى بوتين لتدخل أمريكي فرنسي كاد لو حصل أن يشل القوات السورية ويوقف حرب النظام ضد شعبه. ولكن بوتين تمكن عندئذ من التحايل على نظيره الأمريكي والاستفادة من عدم المبالاة الأمريكية إزاء صراع كان اوباما يشعر انه لا يعنيه. فدخل بوتين إلى سورية في 2015 لحماية النظام السوري ثم تدخل في الانتخابات الأمريكية لمصلحة دونالد ترامب الذي بدأ عهده في 2017 وتبين انه أكثر رئيس أمريكي مناسب لبوتين. فوجود الجيش الروسي في سورية وانتخاب ترامب كرساه في 2018 كأقوى رئيس في العالم. فاستطاع بوتين خلال سنوات الحرب السورية أن يحصل على قاعدة بحرية في البحر الأبيض المتوسط وان يجعل من بشار الأسد تابعاً لنفوذه كما كان رؤساء أوروبا الشرقية تابعين للقيادات الروسية في عهد الاتحاد السوفياتي. وبوتين أصبح في 2018 مفتاح الحل للحرب السورية، فالانسحاب الأمريكي الذي قرره نظيره المفضل دونالد ترامب يتيح له أن يكون وحده المقرر لمستقبل سورية. كما انه استطاع بعلاقاته الثمينة والمميزة بإسرائيل وحكومة نتانياهو أن يصبح ضامن أمنها في سورية. فهو تارة يتيح المجال لحكومة الدولة العبرية أن تضرب مواقع القوات الإيرانية في سورية. ثم يعود ويتحاور معها لإيقاف هذه الضربات بوعود ضمان امن إسرائيل. ونفوذ بوتين ليست فقط في قاعدته البحرية في سورية. إذ استطاع أيضا أن يكون لاعباً أساسيا في السوق النفطية بفضل الشراكة الروسية السعودية على قطاع النفط . فالتنسيق والشراكة بين اكبر بلدين نفطيين في العالم مكن بوتين من تحويل روسيا إلى لاعب أساسي إلى جانب السعودية في السوق العالمية النفطية. والشراكة السعودية الروسية على هذا الصعيد أصبحت اكبر مؤثر في السوق النفطية العالمية من إنتاج أوبك وحده، فقد فهم بوتين أهمية هذه الشراكة وضغط على رؤساء الشركات النفطية الروسية الذين كانوا أحيانا كثيرة مترددين في تخفيض إنتاجهم لأسباب اقتصادية خاصة بهم ليوافقوا على القرار السياسي بتنسيق تخفيض الإنتاج الروسي مع السعودية حين يقتضي الأمر لرفع أسعار النفط أو لزيادة الإنتاج عندما ينقطع إنتاج بعض المناطق. وروسيا بوتين قررت منذ السنة الماضية أن تزيد اهتمامها وتدخلها في الوضع الليبي رغم ان الحديث عن التدخل الروسي في ليبيا قليل ولكنه أصبح واقعاً وكل المعنيين بالشأن الليبي يؤكدونه، فاستطاع بوتين أن يصبح في 2018 رجل المرحلة كونه لاعباً أساسيا في منطقة المتوسط مع إقناع دول المنطقة أن نفوذه قد يؤدي إلى الحد من التدخل الإيراني في كل من سورية والمنطقة. وانسحاب القوات الأمريكية من سورية وعودة التطبيع العربي مع النظام السوري لم يبشرا بمثل هذا الاحتمال. فنفوذ إيران في سورية سيبقى مثلما هي باقية في العراق ولبنان عبر الميليشيات التابعة لها التي تخرب وتعطل المنطقة، وبوتين قد يتاجر بإمكانية إخراج إيران من هذه الدول لمصلحته. لكنه لن يتمكن لان الأسد ربط مصيره بالنفوذ الإيراني عبر “حزب الله” منذ ما قبل الحرب السورية، فكان وبقي يستخدم “حزب الله” في هيمنته في لبنان والتخلص من الذين تجرأوا على السعي لاستقلالية القرار. وإيران ما زالت تملك موارد مالية لتوزيعها على مواليها في المنطقة رغم العقوبات الأمريكية عليها، ذلك أن ترامب فاجأ الدول المنتجة للنفط عندما استثنى 8 دول من العقوبات على إيران وسمح لهذه الدول أن تستورد النفط الإيراني، فبقيت إيران تصدر أكثر من مليون برميل في اليوم من النفط، وبعض الدول المنتجة زادت إنتاجها توقعا للعقوبات الأمريكية التي أرادها ترامب ولكن، تبين أنها عقوبات منقوصة ما أدى إلى انخفاض أسعار النفط. وبشار الأسد رئيس أعرج دمر بلده وكرس بوتين رجل المرحلة بإعطائه شرعية السيطرة على المياه الدافئة في المنطقة، وقد هيمن بوتين على رغم انه على راس بلد اقتصاده في حال سيئة مع اوضاع معيشية مزرية، وهيمنته نابعة من شخصيته وحنكته السياسية في وجه قوى عظمى أمريكية متراجعة برئيس يحكم بالتغريد وبالقرارات المفاجئة. مستقبل المنطقة مقلق لأنه يرتكز على قدرة ونفوذ رئيس روسي في منطقة هشة، وحساباته وأولوياته هي لمصلحته وعلى حساب شعوب المنطقة.

رندة تقي الدين/ كاتبة لبنانية

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *