الرئيسية / أقلام / تركيا بين لغة الخطاب والواقع

تركيا بين لغة الخطاب والواقع

يسهب الكثير من المختصين في الشؤون السياسية بربط التاريخ بالحاضر من خلال تثبيت العداء التاريخي والصداقة التاريخية لتكون قاعدة في رسم السياسة الدولية، إلا أن القاعدة الأولى والأهم الواجب علينا تثبيتها في تحليل أي تطور دولي هو أنه في السياسة لا يوجد عدو دائم أو صديق دائم وإنما توجد مصالح مشتركة أو متعارضة.

وتشكل الإدارة التركية الحالية خير مثال بخصوص إعادة النظر في علاقاتها الدولية والإقليمية تبعاً للحظة، فخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة شكلت سياسة أنقرة الخارجية أحجية تاه في بحرها المراقبون السياسيون بحيث توقع بعضهم سقوطاً اقتصاديا مدويا، كما رأى بعضهم علامات كافية لبدء صدام عسكري، وبعضهم أكد على أن الحرب الأهلية التركية مسألة وقت لا أكثر، وأسهب بعضهم في تبجيل السلطان التركي على أنه الفاتح الجديد، إلا أن واقع الحال يثبت بأن الإدارة التركية على درجة عالية من الحنكة السياسية غير أن مشروعهم وطني لا أكثر.
كباحثة سياسية يونانية لطالما كانت تركيا محل تركيز شخصي بإداراتها المتلاحقة وتوازنات الجيش والأحزاب حتى للغة الخطاب السياسي الداخلي والخارجي، فالتاريخ المشترك بين بلدينا على درجة عالية من الأهمية، إلا أن لإدارة إردوغـان صفة هامة في شكل الخطاب السياسي وهـو علـى نوعـين يجـب التفـريق بينـهما:
الأول هو خطاب للداخل يكون أكثر صرامة وشعبوية يضع فيه المسؤولون الأتراك الكثير من الخطوط الحمراء والخضراء، يتغنون فيه بتاريخهم ويتوعدون بحروب وفتوحات، هذا النوع من الخطابات بشكل عام يكون للداخل التركي.
الثاني يكون دبلوماسيا براغماتيا إيجابيا يحترم الاتفاقيات والتوازنات الدولية والإقليمية وموجها للخارج. وهنا يقع الخلط فالكثير من المحللين السياسيين يبنون استنتاجاتهم فيما يخص الصراعات المرتبطة بتركيا طبقاً للخطاب الأول وهو ما ينتج عنه خطأ في التقدير.
في العلاقة التركية – الأوروبية، كمثال على تعدد الخطابات، وقفت أنقرة صلبة بعد نجاح إردوغان في اختبار التعديلات الدستورية والتي جعلت منه صاحب القرار الأول والأخير في سياسة أنقرة الدولية والداخلية. لقد أكد في خطاباته على أن تركيا لن تصر على الانضمام للاتحاد الأوروبي من جديد، إلا أن اتصالاته المتكررة مع الرئيس الفرنسي ماكرون والتي تكاد تكون أسبوعية وتواصل مسؤوليه مع المقربين من المستشارة الألمانية خلال الفترة الأخيرة لدعمها في تشـكيل ائتـلاف حكـومي يخـرج ألـمانيا من الفـراغ السـياسي يعـزز فكـرة بقاء تـركيا علـى لائحـة الاتـحاد ضـرورة.
في الأزمة السورية، والتي تشكل فيها تركيا رقماً هاماً في تطور مراحلها، ثمة تناقض في التصريحات التركية بتطبيقها على الأرض، فمعركة حلب وما قبلها وما بعدها يلاحظ بأن الخط الأحمر التركي لم يؤثر على سيطرة الأسد ومن خلفه روسيا وإيران على المدينة الاستراتيجية. ومع قراءة تفاصيل هذه المعركة نرى بأن أنقرة هي من سهلت بشكل أو بآخر سيطرة الطرف الآخر عليها.
ومع عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون التركيتين يصبح من الواضح بأن الخط الأحمر الوحيد لأنقرة ضمن الخريطة السورية هو النفوذ الكردي لا شيء آخر، وقد تلاقت في هذه النقطة مع موسكو في عملية درع الفرات في 2016، فيما تعارضت مع موسكو في النقطة نفسها في عملية غصن الزيتون الحالية. ففي ظروف درع الفرات الدولية والإقليمية وتوتر العلاقات التركية الغربية وجدت موسكو بأن اللحظة مناسبة لبناء أرضية موحدة مع أنقرة فدعمتها، أما في ظروف غصن الزيتون فموسكو أصبحت أكثر قدرة على الأرض، والميليشيات الكردية في عفرين أظهرت تقاربا قد يكون بوابة لسحب أكراد سوريا من اليد الأمريكية وعلى هذا عملت موسكو على تعطيل هذه المعركة ولاتزال.
ويمكن تطبيق الحالة التركية الروسية كمثال مميز في التعادي والتصالح بين الدول طبقاً للحظة، فالعلاقات التركية الروسية التي وصلت لحد كتابة الباحثين الروس المقربين من أصحاب القرار في موسكو خيارات الحرب العسكرية وإمكانية استخدام موسكو للسلاح النووي ضد أنقرة على خلفية إسقاط الطيران التركي الحربي طائرة عسكرية روسية، هم نفسهم عادوا ليكتبوا مقالات مطولة عن أهمية صفقة بيع موسكو منظومة اس 400 لأنقرة وتأثيرها على حلف الناتو، كما اسهبوا في مستوى هذه العلاقات لدرجة توقعهم أن تكون أنقرة حليف موسكو في الحرب العالمية المقبلة مع الغرب، إلا أن الواقع هو أن أنقرة وموسكو تربطهم مصـالح مشـتركة جيـوسـياسية واقتصـادية آنية.
تشكل الأزمة السورية واقعياً عقدة ربط للصراعات والتحالفات الدولية سيبنى على نتائجها مستقبل المنطقة والعالم عموماً، قد يبدو لبعضهم أنها في ساعاتها الأخيرة إلا أن الواقع يؤكد بأننا نقف على بعد ساعات من منعطف دولي مقبل لا محالة قد يؤدي لمخرج جديد أو لتشابك أكبر.
نعم أنقرة تقف كآخر الداعمين الفعليين للثوار السوريين فالإخوة العرب تناغموا مع أحجامهم في صراع الفيلة الكبار، وبعضهم ذهب للكهف لينام ويتهرب من عاصفة في طريقها لصحرائه لعل الثلاثمئة والتسع سنوات المقبلة تنجيهم، إلا أن انقرة في ظل حصر تحركها في الأزمة السورية لما يخص الخطر الكردي لن يؤدي لإسقاط الديكتاتور في قصر المهاجرين، كما أن دور أنقرة الحالي من خلال تثبيت وقف الاشتباك في الشمال ما بين المعارضة السورية المسلحة وميليشيات الأسد قد يعني بشكل أو بآخر تحول أنقرة لحصان طروادة تستخدمه موسكو للدخول لآخر قلاع الثورة السورية واحدة تلو الأخرى، فعلى من يتوقع أن تكون سكة الحجاز كافية لحمايته عليه أن يعيد التفكير فتركيا تضع مصالحها قبلك.

إيفا كولوريوتس/ كاتبة يونانية

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *