الرئيسية / أقلام / تفويض تركي لأردوغان بمعالجة الملفات الصعبة

تفويض تركي لأردوغان بمعالجة الملفات الصعبة

القدس العربي
حملت آخر انتخابات تركية في حزيران الماضي مفاجأة كبيرة بعد تراجع حصة حزب “العدالة والتنمية” في البرلمان من قرابة 50 بالمائة في انتخابات عام 2011 إلى ٪40.6، وهو ما اعتبر فشلا للحزب يمنعه من تشكيل حكومة لوحده، كما اعتبر تباشير انتهاء مرحلة كبيرة من سيادة الحزب ذي الاتجاه الإسلامي بدأت عام 2002 بعد حقبة طويلة اتسمت بالانقلابات العسكرية والفضائح والأزمات المالية.
استلام “العدالة والتنمية” السلطة أعلن بداية حقبة قاد خلالها الحزب عملية كبرى لتحسين الاقتصاد التركي، ولكن الإنجاز الأكبر الذي قام به كان اشتغاله الاستراتيجي على ملفات خمسة: الأول هو مصالحة تركيا مع تاريخها وهويتها الثقافية الإسلامية، والثاني هو مصالحة تركيا مع العالم العربي الذي تعرّضت علاقاتها معه إلى هبوط مديد، والثالث مصالحة الاتجاه الإسلامي مع الأسس العلمانية التي قامت عليها الجمهورية التركية، والرابع البدء بإجراءات المصالحة بين القوميتين التركية والكردية، والخامس السعي إلى المصالحة مع أوروبا التي اتجهت تركيا نحوها بهدف الانضمام إلى سوقها المشتركة.
انعكست آثار الثورات العربية بشدة على تركيا، فاهتزّت أعمدة الملفات التي أسست نجاحات تركيا الحديثة، فعبور اللاجئين السوريين الذين قاربوا المليونين وضع عبئاً كبيراً على أنقرة وساهم في انخراطها الوجودي المباشر في الشأن السوري، فيما أدى تزايد خطر تشكيل فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا لكيان كردي إلى ارتفاع مدّ الشكوك التركية بالأكراد، وتبع ذلك تصاعد خطر تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي نقل حربه السورية إلى داخل الأراضي التركية، وانقلب الجيش المصري على جماعة “الإخوان المسلمين” وزج برئيسها المنتخب محمد مرسي وقياداتها وعناصرها في السجون، وهي أحداث تاريخية كبيرة خلخلت عملياً الأركان التي نجح حزب “العدالة والتنمية” في إقامتها، فاهتزّت العلاقات مع الأكراد وانقلبت إجراءات التسوية معهم إلى حرب دامية جديدة، وتنامى العداء المصري التركيّ، وبدأت جموع اللاجئين بالهجرة إلى أوروبا، وتزايدت الخلافات بين الاتجاهات السياسية التركية، فشنّت الحملات الإعلامية والسياسية الهائلة ضد “العدالة والتنمية” وإردوغان، كما تعرّض الحزب لضغوط أمريكية لإلزامه بأجندة واشنطن السياسية، وكذلك لتهجمات وحملات شرسة من بعض الدول العربية والإقليمية ضده.
مع ثبوت أرقام النتائج التي أعلنت أمس فوز “العدالة والتنمية” بأكثر من ٪49 من الأصوات فإن ذلك سيؤثر بالتأكيد لا في تركيا فحسب بل في المنطقة والعالم، وسيعيد إلى إردوغان (الذي قد يعاود، على الأغلب، المضيّ في مشروعه لتغيير الدستور وجعل النظام رئاسياً تنفيذياً) قدرته على معالجة الملفات السياسية المهتزّة، وسيعتبر، تاريخياً، تكليفاً قوميّاً له بإخراج البلد من أزماتها التي تهدد وجودها.
في عام 1921 طلب مصطفى كمال، الذي كان وقتها المفتش الأعلى للجيش التركي (بعد هرب وزير الحربية إلى برلين)، من المجلس الوطني التركي صلاحيات مطلقة لمدة ثلاثة أشهر لتهيئة البلاد لحرب شاملة لخوض حرب ضد هجوم يونانيّ كبير سيطر على إزمير واتجه نحو أنقرة لإنهاء الدولة العثمانية.
النتيحة أن كمال تمكن من النجاح عسكريا وسياسيا وأدى ذلك لوضع مقوّمات تركيا التي كانت مهددة بالانفراط بعد الحرب العالمية الأولى.
فوز “العدالة والتنمية”، يشبه، إلى حدّ ما، التفويض الذي منحه الأتراك لمصطفى كمال في عشرينيات القرن الماضي، حين كان هذا الوجود مهددا، وإذا لم تكن تركيا الآن مهددة في وجودها، كما كانت عام 1921، فإنها مع ذلك تواجه أسئلة سياسية كبرى، قد تؤدي الأجوبة الخاطئة عليها إلى تهديد هذا الوجود.
هل ينجح “العدالة والتنمية” في إعادة البوصلة السياسية التركية إلى اتجاهها الصحيح؟

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *