الرئيسية / أقلام /  تمدُّد داعش في الغرب وتداعياته على إسرائيل

 تمدُّد داعش في الغرب وتداعياته على إسرائيل

نجَح اللوبي الصهيوني في امريكا وأوروبا على مدى عقود، في تسويق كذبة “الظلم” الذي يعيشه الكيان الإسرائيلي وسط المجموعة العربية، والمخاطر المُحدِقة بهذا الكيان، وقد كانت للإتحاد الأوروبي مواقف ومؤيدة لما تدعوه “حقّ إسرائيل في الدفاع عن وجودها” ضمن حلّ الدولتين، لكن النجاح الذي يحاول الصهاينة تحقيقه في أوروبا بعد تفجيرات باريس، عبر التحريض على الإسلام والعرب وتحديداً على اللاجئين السوريين، هو عدوانٌ من نوعٍ آخر، أتاحت ظروف أوروبا الحالية للوبي الصهيوني ممارسته على أشلاء ضحايا باريس.
 قبل أن “تغزو” داعش أوروبا، دولٌ أوروبية قليلة كانت تُبدي تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، ونادراً ما حصل أن استنكرت هذه الدول الممارسات الصهيونية في الاستيطان وانتهاك المقدسات والتنكيل والتهجير بحقّ هذا الشعب، ومن منطلق الأمان الذي تعيشه أوروبا، كان الترويج لوجوب أن يتمتَّع المجتمع الإسرائيلي بأمنٍ مماثل، ينطلي على الشعوب الأوروبية التي تعيش السلام منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وإذا كان نتانياهو يعتقد، أن صفقة الثلاثين مليار دولار من الأسلحة التي أبرمها مع أوباما منذ أيام، بإمكانه أن يعتبرها غنيمة امريكية وسوف يستكملها بأخرى أوروبية عبر تبيان “معاناة” الكيان الإسرائيلي مع محيط عربي وإسلامي “إرهابي” وصلت طلائعه الى أوروبا، فإن حساباته خاطئة، وإذا كان البعض يعتقد أن تمدُّد داعش في أوروبا يخدم مصالح إسرائيل على المدى المنظور، فإن إسرائيل ستكون من أكبر دافعي الأثمان، عندما تجد كل دولة أوروبية نفسها خائفةً على كيانها، وتغدو سلامة الكيان الإسرائيلي آخر الاهتمامات على مستوى الأنظمة والحكومات والشعوب في أوروبا، لأن المجموعة الأوروبية باتت أمام أولويات داخلية لتحصين أمنها الذاتي وحماية اقتصادها من تداعيات الإرهاب، وأولوياتها الخارجية ستقتصر على وحدة الإتحاد الأوروبي و بقاء اتفاقية “شنغن” على قيد الحياة ومستقبل اليورو.
ربما سقطت أوروبا في هفوة تاريخية، عندما اعتقد حُكَّامها أن داعش وأخواتها من المنظمات التكفيرية ستبقى بعيدة عن أبواب القارة العجوز، رغم أن غالبية الدول الأوروبية تُعاني من تبعات استيراد المهاجرين منذ عقود، ويوم نظم المتظاهرون من أصولٍ مغاربية تحرُّكات اعتراضية غاضبة بعد تدابير أمر بها الرئيس السابق نيكولا ساركوزي عام 2005 واعتبروها ظالمة، لم تكن داعش موجودة، إضافة الى المشاكل اليومية التي تواجهها بعض الدول الأوروبية مع مهاجرين يحملون “نصف جنسية”، لأنهم فرنسيون أو بلجيكيون أو بريطانيون في القيود الرسمية، لكنهم من أصول عربية أو إفريقية عندما يُطالبون بحقوقهم أو تتضارب مصالح سكان البلد الأصليين مع هذه الحقوق.
خصوصية المجتمع الأوروبي نحترمها، لكن أن تُنسَب داعش للإسلام حصراً، وأن يقترن الإرهاب التكفيري بالدين فإن في الأمر خطأ وخطيئة، وهناك تساؤلٌ مشروع، عن تفسير التحاق إرهابيين غير مسلمين من أصول أمريكية أو أوروبية بتنظيم داعش أو سواه، سوى أن الحرِّية المُفرِطة في بعض المجتمعات، والتفكُّك الأُسرِي الذي يعطي الحقّ للفتى أو الفتاة في سنّ السادسة عشرة بمغادرة البيت العائلي إلى أي مكان معلومٍ أو مجهول، قد جعل الشباب الأمريكي والأوروبي على حافة الإنحراف، و”مشاريع دواعش” ضمن مجتمعاتهم، ولديهم الميل للقبول بأي فكرٍ تكفيريّ ورفض للآخر، ولا يجوز لأوروبا أن تنسِب داعش للإسلام أو أن تحمِّل وِزر الإرهاب للمهاجرين واللاجئين دون تفرقة، لأنها ستغرق في الفوضى وهذا ما سوف يهدِّد الحياة المجتمعية لسنواتٍ قادمة، وتغدو أنظمة الحُكم مشغولة بقضايا تهدِّد الأمن الإجتماعي والاقتصادي والتنوّع الحضاري الذي تُفاخر به أوروبا.
وإذا كانت إسرائيل تعتبر أنها رابحة بعد حصولها على صفقة الأسلحة الضخمة من أمريكا، مقروناً برقصها على القبور في باريس، للتحريض على العرب وتبرير اعتداءاتها على “مجتمعٍ إرهابي” محيطٍ بها، فإن حسابات المواجهة وتوازن الرعب مع الفلسطينيين باتت من الماضي، وتحديداً بعد هزيمتها أمام المقاومة في لبنان خلال حرب التحرير عام 2000، وهزائمها اللاحقة في لبنان وغزة.
وليس المطلوب من الفلسطينيين استغلال ما يحصل من إرهابٍ في أوروبا لمصلحتهم، بل المطلوب أن يغتنموا فرصة غياب الضغط السياسي الأوروبي لصالح إسرائيل، وإثبات محورية قضيتهم وتحديداً حق العودة، لأن الجيل الثالث للانتفاضة يُحقق بالسكين والحجر والمقلاع، ما لن تستطيع إسرائيل قمعه ومنعه بثلاثين مليار دولار أسلحة جديدة، ولا بكل مليارات أمريكا وأسلحتها، وإذا كانت داعش تمارس الإرهاب على مجتمعات آمنة في أوروبا، فإن العمل المقاوم ضد الكيان الإسرائيلي المحتلّ هو فعل الإيمان الحقيقي، واستغلال الانشغال الدولي عن دعم إسرائيل سياسياً، هو الفرصة النادرة التي لن تتكرر للشعب الفلسطيني لو أحسن استغلالها وبنفس العتاد، سكينٌ وحجرٌ ومقلاع.
إن التنويه بشباب الانتفاضة الثالثة، هو اعتزازٌ بالمقدرة على إيذاء المستوطن اليهودي الوقح ولو بحجرِ أو طعنة سكين، ولسنا ننتقص من إنجازات الانتفاضتين الأولى والثانية، بل نُطالب بأن يُبارك المناضلون المخضرمون ويقودوا ويوجِّهوا ثورة الشباب الفلسطيني، وإذا كان السلم الذي كان يعيشه الغرب لم يؤمِّن السلم والسلام للشعب الفلسطيني، فعسى الجرح الذي طاول الغرب من الإرهاب المستجدّ، لا تستغله إسرائيل إعلامياً وسياسياً في حربها على العرب والفلسطينيين، وأن يبقى زمام المبادرة في يدِ شباب الانتفاضة وأن لا يكون المجتمع الإسرائيلي آمناً طالما “إرهاب الدولة” ما زال قائماً…
أمين أبوراشد /عن موقع المنار

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *