الرئيسية / أقلام / ثورة مضادة في العراق.. هل يتقاعس العبادي؟

ثورة مضادة في العراق.. هل يتقاعس العبادي؟

حذر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق يان كوبيش امس من وجود «كيانات مجهولة» تقوم بترويع ومضايقة المتظاهرين ضد الفساد وسوء الخدمات، واعتبر المسؤول الأممي أن الدور الذي اضطلعت به القوات الأمنية «مهم في ظل ورود تقارير تفيد بوجود كيانات مجهولة تقوم بترويع ومضايقة المتظاهرين والصحافيين والاعتداء عليهم وتهديدهم بالموت».
وكانت «القدس العربي» نشرت بالامس خبرا حول حملة تستهدف اغتيال عدد من الناشطين في تنظيم المظاهرات، اسفرت بالفعل عن مقتل الناشط خالد جميل العكيلي اثر هجوم عليه داخل بيته في بغداد، بالاضافة الى اصابة نشطاء باعتداءات متفرقة.
وفي غضون ذلك تتحدث تقارير اخبارية عن امتعاض الرئيس العراقي فؤاد معصوم من قرار رئيس الوزراء حيدر العبادي بالغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، على الرغم من انه كان صرح في الماضي بأنه لا يحتاج الى ثلاثة نواب، في اشارة واضحة الى ان تلك المناصب كانت مجرد تعبير عن المحاصصة الطائفية القميئة التي تحكم العراق.
وفي الوقت نفسه تتحدث تقارير عن محاولات حثيثة قد تسفر عن اعادة عضوية البرلمان الى نواب الرئيس الملغية مناصبهم، ما يعني منحهم حصانة قانونية تلقائية قد تمنع مقاضاتهم.
وليس من قبيل المصادفة ان تنطلق حملة الاعتداءات ضد المتظاهرين السلميين بعد ان بدأت بشائر الاصلاحات تظهر على الارض، وخاصة بعد فتح المنطقة الخضراء التي كانت محظورة لسنوات امام المواطنين العراقيين، والغاء «الكانتونات الخاصة» التي اقامتها بعض الاحزاب في وسط بغداد، والتي مكنتهم من الاستحواذ على اراض تقدر بعشرات الملايين من الدولارات بدعوى مواجهة التهديدات الامنية، بالاضافة الى قرارات تخفيض «جيوش الحراسات الخاصة» للنواب والوزراء والقيادات الحزبية التي كانت تمثل احد الابواب الواسعة للفساد المالي والاخلاقي والانتهاكات الحقوقية والامنية.
وليس من المستغرب ان يصعد معسكر الفساد والطائفية، وهما وجهان لعملة واحدة، هجومه ضد المتظاهرين ومن يدعمونها في المرحلة المقبلة بينما يجد العبادي نفسه مضطرا الى اتخاذ اجراءات ملموسة ترد على من يقولون ان ما اتخذ حتى الآن ليس سوى «امور قشرية لا تلبي مطالب المتظاهرين».
ومن الواضح ان تردد العبادي او تقاعسه في رهان على تراجع الاحتجاجات تدريجيا سيجعله هدفا للمتظاهرين ومعسكر «الثورة المضادة» في آن. فالقضية لم تعد انقطاع الكهرباء او الخدمات او حتى الفساد فقط، بل انها تركيبة النظام السياسي نفسه الذي صمم لخدمة اطراف ليس بينها الشعب العراقي. ومن هنا تتصاعد المطالب بتشكيل حكومة إنقاذ أو طوارئ لإيقاف الانهيار والفشل ولمواجهة خطر تقسيم العراق.
وليس من مبرر للعبادي في هذا التهاون امام الثورة المضادة، وهو الذي يملك صلاحيات نادرة ليكون الرجل الذي يكتب تاريخ العراق اذا اتخذ قرارات التغيير الحقيقي مستفيدا من إسناد الشعب والمرجعية لخطواته الإصلاحية.
ولا يعني هذا الكلام بأي حال التقليل من نفوذ «امبراطورية المحاصصة الطائفية» التي تتمتع بدعم واسع من داخل العراق وخارجه. وتعد عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الى العراق بعد التقارير المتسرعة التي اتهمته بالهروب الى ايران اثر حالته للقضاء دليل على ان القضية اشد تعقيدا مما تبدو.
وعلى الرغم من الاعلان عن تقديم عدد من الوزراء السابقين للمحاكمة بتهمة الفساد، لا يبدو انهم اظهروا اي قلق بهذا الشأن.
اما التفسير فيمكن العثور عليه بسهولة في شعارات المظاهرات التي تبدي وعيا واسعا بحقيقة الوضع في البلاد، عندما تطالب بالبدء بمواجهة الفساد في القضاء حتى يتمكن من محاسبة الفاسدين، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
فما الذي ينتظره العبادي؟ وهل لموقفه علاقة باشارات وتلميحات صدرت عن احد النواب المقالين الى وجوب محاسبة العبادي نفسه حول «بعض القضايا المالية» عندما كان عضوا في حكومة المالكي؟ سؤال مشروع يحتاج الى اجابة.
الواقع انه في بلد اصبح يقف على حافة الانهيار والفشل والمجاعة، بعد ان كان عبر التاريخ ارض الخيرات والثروات، لا يجب ان يكون احد كبيرا على المحاسبة السياسية والجنائية، سواء كان مسؤولا سابقا او حاليا.
بل ان العبادي يجب ان يبادر بتقديم نفسه للقضاء اذا تطلب الامر، ليقدم نموذجا جديدا في القيادة عبر البدء بنفسه، لتبدأ المواجهة الحقيقية مع الفساد التي تعد حتمية للانتصار في الجبهات الاخرى بدءا من ارهاب تنظيم «الدولة» الى ارهاب امبراطورية المحاصصة الطائفية وتقسيم العراق.
القدس العربي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *