جدار ترامب… وإعادة شحن جمهوره الانعزالي

ليس أمراً مستغرباً أن يكون رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في طليعة الساسة الأجانب القلائل المؤيدين لمشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاص ببناء جدار عازل على طول الحدود مع المكسيك، وذلك لأن جدار الفصل العنصري الذي أقامه الكيان الإسرائيلي على امتداد أراضي الضفة الغربية وفي عمقها هو الشقيق المطابق للجدار الذي يصرّ ترامب على إقامته. كذلك فإن الذرائع حول الأمن وصدّ «الإرهاب»، هي ذاتها التي يعتمدها البيت الأبيض، مع إضافة مبررات أخرى لا تقل زيفاً بصدد وقف موجات الهجرة.

القدس العربي ومن الجدير بالملاحظة أن حالة التجاذب بين عناد ترامب في المطالبة بصرف المليارات الخمسة اللازمة لبناء الجدار، ورفض الطلب من جانب مجلس النواب الجديد ذي الأغلبية الديمقراطية، وما نتج عن ذلك من إغلاق الحكومة الفدرالية بسبب هذا الاستعصاء، إنما تخدم مباشرة الأغراض الأصلية التي توخاها الرئيس الأمريكي من طرح فكرة الجدار. فالهدف الأكبر هو تعبئة، وإعادة حشد، تلك الشرائح من جمهور أمريكي انعزالي أو شعبوي أو مؤمن بالتفوق الأبيض وكاره للمهاجرين والأجانب، وهذه بالضبط هي الفئات التي كانت وراء انتخاب ترامب في الأساس. وخلال حملته الانتخابية شدد ترامب على هذه المسألة، ثمّ لم يتوقف عن إعادة إذكاء نيرانها كلما خبت قليلاً، بل إنه طور مفردات خطابه فلم تعد تقتصر على حشر المهاجرين تحت صفة «الكائنات الغريبة»، بل ذهب إلى درجة اتهامهم بنقل الأمراض، ثمّ نقل «الإرهاب» إلى قلب أمريكا، ولم تجد إدارته أي حرج في عزل الأطفال عن أمهاتهم، وحجر الحوامل بعيداً عن مصحات التوليد، والفصل بين أبناء العائلة الواحدة، والتلويح بإلغاء الحقّ الدستوري في حيازة الجنسية للولادات على الأرض الأمريكية. كلّ هذا في وقت يشهد تحوّل الرأي العام الأمريكي نحو تفضيل الهجرة في ضوء ازدياد معدلات الشيخوخة والتقاعد ضمن المجتمع الأمريكي، وإعلان الكثير من الشركات أنها في حاجة إلى أيدي عاملة متجددة، حتى أن نسبة الرافضين لقوانين أكثر مرونة في تنظيم الهجرة لا تتجاوز الثلث اليوم، بعد أن كانت قد بلغت الثلثين خلال تسعينيات القرن المنصرم. وإذا كان صحيحاً أن ترامب يواصل توظيف مسائل الهجرة في خدمة أغراض سياسية أخرى أبرزها إعادة شحن جمهوره، فإنه في واقع الأمر ليس الرئيس الأمريكي الوحيد الذي ابتدع فكرة الجدار، بل إن الأمر التنفيذي الذي أصدره في هذا الصدد اتكأ على سوابق عند سلفه جورج بوش الابن، معتبراً أنه يستكمل جداراً باشر غيره ببنائه. وحقائق التاريخ تشير بالفعل إلى هذا، وتؤكد أن قانون «السياج الآمن» لعام 2006 صوّت عليه ديمقراطيون من أمثال هيلاري كلنتون وجو بايدن وشاك شومر ممّن يعترضون اليوم على جدار ترامب. كذلك يقول التاريخ إن الرئيس الديمقراطي بيل كلنتون هو صاحب التشريع المعروف باسم «عملية حارس البوابة» الذي أقره الكونغرس في سنة 1994 وأغلق الحدود ذاتها مع المكسيك، ولسوف يكون باراك أوباما الديمقراطي بدوره هو الرئيس حامل الرقم القياسي في ترحيل ثلاثة ملايين مهاجر. وهكذا فإن من كان من رؤساء أمريكا بلا خطيئة حول جدران مماثلة، فله أن يرمي ترامب بتهمة هستيريا العزل وهوس الفصل.

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *