جيل الشرف السياسي الرفيع

ليس هناك أي وجه للشبه بين منظمة حلف شمال الأطلسي أيام كان اللورد كارينغتون أمينا عاما لها، من عام 1984 إلى 1988، وبين ما آلت إليه اليوم بعد أن ظهر في أمريكا رئيس لا يتفق مع الحلفاء حول أي شىء تقريبا، بل إنه يشكك في ضرورة الحلف الأمريكي ـ الأوروبي وفائدته من الأساس.

 

ولأن هذا لا يكفي، فإنه مواظب أيضا على التشهير بألمانيا وعلى مناكفتها ورميها بسخيف الاتهامات. رئيس مهذار ثرثار لا يشعر بأي حرج في أن يبوح للعالم أجمع بما توسوس له به نفسه من الخزعبلات والصغائر، وفي أن يتبع كل اجتماع مع الحلفاء الأوروبيين، وكل كلام عنهم، بالمنّ والأذى. المنّ بما سلف في العقود السبعة الماضية من الحماية الأمريكية التي يبدو أن هذا الرئيس يعدّها مجرد صدقة لا دافع لها سوى البر والإحسان. والأذى بالتهديد بسحب الحماية ونقض الحلف الذي ثبت أن الرئيس يتوهم أنه مجرد بزنس لا يصلح أمره إلا بتدقيق دوري للمحاسبات. ولكنه تدقيق كيديّ بلهجة ابتزازية: “مساهمتنا في ميزانية الحلف أكبر بكثير من مساهمتكم. لماذا يكون كل الغرم علينا وكل الغنم لكم؟ هذه قسمة ضيزى. إما أن تنفقوا بقدر ما ننفق أو سنكون في حل من هذا الغبن الذي تسمونه حلفا”. كلام نافر من السياق، قافز على التاريخ، لأنه لا وعي لدى هذا الرئيس بمأساوية الملابسات التي جعلت من التحالف بين أمريكا وأوروبا مصلحة استراتيجية، بل ضرورة وجودية، تتحمل فيها أمريكا القسط الأوفر لأنها هي التي تصدّت لزعامة الحضارة الغربية و”العالم الحر”. بوفاة اللورد كارينغتون قبل أيام، عن سن تناهز التاسعة والتسعين، مضى آخر الأحياء من رجالات آخر حكومات ونستون تشرشل. وبمضيّه انقضى عصر الساسة الغربيين الذين كانت غاية السياسة الدولية الأسمى لديهم هي منع نشوب الحرب من جديد. ولذلك كانت بريطانيا عضوا فاعلا في إنشاء حلف شمال الأطلسي، كما أنها حاولت منذ مطلع الستينيات الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة لمّا تبين لها أن حلف الدول الست، بقيادة الثنائي الألماني الفرنسي، إنما يعني تشبيك المصالح وتوثيق المصائر تشبيكا وتوثيقا يضمنان استحالة عودة الحروب الأهلية الأوروبية. ومعروف أن ديغول رفض قبول بريطانيا في عضوية السوق الأوروبية المشتركة لأنه كان على يقين، بحكم عمق ثقافته التاريخية، أنه كلما جد الجد فإن البريطانيين سيكونون أميل إلى أبناء عمومتهم الأمريكان منهم إلى جيرانهم الأوروبيين. ولهذا لم يتسنّ لبريطانيا الانضمام إلا بعد وفاة ديغول. هذا، وقد أثبت التاريخ صدق حدس ديغول، وكفى بالبركسيت دليلا. على أن كارينغتون قد كان متحمسا للتكامل الأوروبي بقدر تحمسه للحلف الأطلسي، ولهذا كان من أوائل من ساندوا رئيس الحكومة ادوارد هيث في مسعاه لضم بريطانيا للسوق المشتركة. وقد تولى كارينغتون قيادة حلف شمال الأطلسي في فترة حاسمة: أي عندما كان رونالد ريغان مصمما على تنفيذ مبادرة الدفاع الاستراتيجي، المعروفة بحرب النجوم، يقينا منه بأنها ستفرض سباق تسلح محموم سوف ينتهي بإصابة الاتحاد السوفييتي بالإفلاس. وهذا ما كان فعلا. فقد انهار جدار برلين دون إطلاق رصاصة واحدة، ثم تفكك الاتحاد السوفييتي دون إطلاق رصاصة واحدة، بحيث كان ذلك أقوى تجلّ لنجاح سياسة الردع في التاريخ المعاصر ـ ردع انتهى بهزيمة الخصم دون قتال.  الدلالة الأخرى لوفاة كارينغتون أنها إعلان لنهاية جيل من الساسة كانت ممارسة الحكم عندهم تقتضي روح المسؤولية وتحكيم الضمير. كان وزيرا للخارجية عندما احتلت قوات الأرجنتين جزيرة الفولكلاند عام 1982. كانت مفاجأة فاجعة، إذ لم يكن هناك أي معلومات استخبارية تشير إلى هذا الاحتمال. تمكنت بريطانيا من استعادة الجزيرة، إلا أن الرأي العام كان ساخطا. فماذا فعل كارينغتون؟ سارع إلى تقديم استقالته. حاولت مارغريت تاتشر أن تثنيه عن عزمه، ولكنه قال إن البلاد في صدمة وحيرة، وما من أحد غيري يمكن تحميله المسؤولية. وقد أثبتت لجنة التحقيق لاحقا أنه لم يكن مسؤولا بأي وجه عما حدث. غير أن كارينغتون لم يكن معنيا بحيثيات الصواب والخطأ، ولهذا لم يرض بأقل من رفع القضية إلى مستوى الشرف السياسي الرفيع.

 

مالك التريكي/ كاتب تونسي

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *