الرئيسية / أدب، فكر وفن / حديث مؤلم عن الحياة في الصحراء الكبرى

حديث مؤلم عن الحياة في الصحراء الكبرى

عندما أتم “مامادو”، الشاب النيجيري الفقير، رواية قصته للمخرج الفرنسي “جاك بلوز”، شكره هذا الأخير مبتهجا وهو يقفل مسجلته ويضع قلمه الأزرق السماوي على طاولة حانة “تيرمنيس”، بنيامي (النيجر).. سبعة أيام من اللقاءات المتتالية عبر مقاهي وحانات الفنادق المصنفة في نيامي.. كان “جاك” سعيدا بلقاء “مامادو”، كسعادة الأم السمراء “سلاماتو” بعودة ابنها سالما من رحلة “حرقة” مميتة، نحو أروبا، عبر المغرب..
 
ولأن مامادو كان يعشق التصوير، فقد أهداه جاك كاميراه، كما أهدى صديقه “عسمانو” مسجلته، واقترح عليه أن يكون هو مخرج قصته، وأتاح لأصدقاء مامادو أن يشاركوه صنع الفيلم، ليتحولوا إلى سينمائيين يبهرون العالم كله..
بعد عام من عمل مامادو مع رفيقيه “التقنييْن”، وإنجاز فيلم حول الفقر في نيامي، اهتدى إلى عنوانه: “الوجه الآخر للحياة خلف الصحراء الكبرى”. تواصل خلال هذه الفترة بالمخرج عبر الانترنت، وتلقى ملاحظاته.. العمل حصد رقما قياسيا من الإعجابات والتغريدات على توتير وفيسبوك.. ولكن، كيف تم كل ذلك؟
“كاماراد.. رفيق الحيف والضياع”، آخر إبداعات الروائي الجزائري الصديق حاج أحمد الزيواني.. رواية تخرج عن المألوف، شكلا وموضوعا.. شكلا من حيث اعتماده كلمات فرنسية، وحروفا لاتينية في الكلمات التي لا يمكن كتابة بعض حروفها باللغة العربية، وكذا كلمات نيجيرية، تجر القارئ إلى حرفية المعنى، وملموسية الصورة التي يصفها الكاتب، ولا ينسى أن يذيّل الكتاب بهوامش تشرح ما بدا غريبا من كلمات محلية.
الكاتب –مثل بطل روايته- يغرق في ذكر التفاصيل، ربما لإعطاء الرواية مصداقية أكثر، أو لجعل القارئ ينسى أنه قارئ، فيتورط في التماهي بالرواية وأحداثها، إلى حد أن يصبح جزءا منها.. يذكر الكاتب رقم غرفة الفندق مثلا، اسم الفندق والحي القريب منه، ماركة الكاميرا التي يستعملها، نوع المسجل الذي يرافقه، تواريخ باليوم والشهر والسنة..
في الفندق، يفضل جاك، المخرج، النزول في غرفة حقيرة تطل على الحي الشعبي الفقير، الذي يعج بالنساء النحيلات والأطفال الحفاة.. يصف المؤلف ذلك ببراعة، ويقارن كل مشهد من المدينة والمطار بما يراه يوميا في فرنسا.. يتعرف هناك على مامادو، الذي لا يكاد يخفي سرّا..
مامادو.. بطل القصة.. أيضا يغرق في سرد التفاصيل على المخرج الفرنسي الذي فشل في افتكاك جائزة مهرجان “كانْ”، وجاء إلى النيجر بحثا عن قصة تلهمه فيلما ينال به شهرة واسعة تضم كل غرائبية الإنسان الإفريقي.. فيحكي ويحكي، دون أن ينسى أي تفصيل، على مدار أيام كاملة..
حي غامكلي، الأم سلاماتو، الجارة خديجاتو، المغنية النيجيرية “فاطي ماريكو”، عسمانو.. أسماء كثيرة يتعرف عليها القارئ خلال الرواية واحدا واحدا.. من خلال مامادو، الذي يذهب إلى الفندق، بمجرد أن يعلم أن مخرجا أجنبيا به، يبحث عن قصة لـ”حراق”.. مامادو جرب “الحرقة”، وجرب الأهوال، وها هما يلتقيان..
يتحدث مامادو عن كل أسرار البؤس، وعن صديقه إدريسو، الذي يشتغل عند شوّاء مايناما (اللحم المشوي)، ويتقن الانجليزية. كما يتحدث عن أوسمانو، أو عسمانو، وغاريكو وساكو.. عن معرفته بالأبقار، ونساء قبيلة “سوري” اللاتي يطلن شفاههن، وعن مزايا الشاي وطقوس تحضيره في بلده، عن السكر المهرب من الجزائر، عن اسمه “مامادو”، المحرّف عن “محمد”، عن بقرته “بكتو” التي يسترزق منها، ثم ينتقل الى الحديث عن أمه سلاماتو، التي تضع قرطا كبيرا في منخر أنفها، على عادة نساء قبيلة بورورو.
مامادو، الذي لم ير وجهه في مرآة إلا بعد أن اشتد عوده، يسرد كل تفاصيله اليومية، ويستمع إليه المخرج بانتباه دون أن يقاطعه.. وخلال هذا السرد، نتعرف أكثر على البيئة والتقاليد والمآسي وطيبة الإنسان الإفريقي، الشغوف بالرقص، العاشق للحياة، والباحث عن حياة أفضل.
(يتبع)
خلود.م

شاهد أيضاً

أحب التجريب الذي يتيح توظيف التراث

يرى الشاعر الجزائري “عيسى ماروك، إن الحداثة ليست قطيعة مع ماضينا أو تنكرا له أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *